يستحيل إغفال الدور السياسي المتزايد لتركيا في الشرق الأوسط والساحة العربية عمومًا، وذلك منذ صعود نجم حزب العدالة والتنمية الحاكم بقيادة رجب طيب أردوغان، وقد خلف ذلك تباينـًا في الآراء، بين مرحب ومهلل لهذا الدور، إعجابًا بالنموذج الذي قدمته تركيا للازدهار والنمو الاقتصادي، وعلى اعتبار أن بلاد الأناضول قد تذكرت أخيرًا جذورها الإسلامية التي لم يستطع أتاتورك اقتلاعها بالكامل، وبين مشكك في نوايا الأتراك الحقيقية، بسبب انفتاح هذا البلد على الغرب، وخلافاته القديمة مع العرب، وعضويته في حلف الناتو، وأيضًا علاقته المعروفة مع العدو الإسرائيلي على جميع الأصعدة، لذلك سوف نحاول التركيز في هذا المقال على جانب مهم من العلاقات بين البلدين، وأقصد هنا الجانب العسكري والاستراتيجي.

 

• مرحلة ما قبل التسعينيات:
إذا أردنا التحدث عن العلاقات بين إسرائيل وتركيا، خصوصًا على الصعيد العسكري، فلابد لنا من العودة إلى بدايات نشأة الكيان الصهيوني الغاصب، فقد كانت تركيا ثاني بلد ذا أغلبية مسلمة يعترف بإسرائيل سنة 1949 (بعد إيران الشاه)، لتعين في السنة الموالية ممثلاً لها في تل أبيب، قبل أن تتطور علاقات الأتراك مع الغرب عمومًا بشكل سريع آنذاك، فانضمت إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وكونت ما سمي “حلف بغداد” سنة 1955، مع إيران والعراق وباكستان وبريطانيا، مما أكد توجهها الغربي، وحرصها على مواجهة المد القومي الذي عرفته المنطقة العربية.

 

في فترة الستينات، نسقت تركيا وإسرائيل جهودهما الأمنية والاستخباراتية لمواجهة الخطر البعثي الشيوعي المتزايد في العراق وسوريا، وكانت بدايات هذا التعاون سنة 1958، بتوقيع عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا الأسبق، ودافيد بن غوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي، لاتفاقية تعاون ضد النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط.

 

في السبعينات، تحول هذا التعاون إلى دعم عسكري مباشر، فقد زودت إسرائيل تركيا بأسلحة متنوعة بين الصواريخ والمدافع والرشاشات، وذلك في حربها للسيطرة على الجزء الشمالي من قبرص سنة 1974، لتقوم تركيا بعد ذلك بتعيين مستشار عسكري لها في إسرائيل كخطوة في سبيل تعزيز هذا التعاون.

 

شهدت فترة الثمانينات بعض التقلبات في العلاقة العسكرية بين البلدين، ففي بداية العقد، وقع فتور مرده إلى موقف السلطات العسكرية والسياسية التركية من إسرائيل لاعتبارها خطرًا على البلاد، لكن سرعان ما تراجع هذا التوجس بعد سنة 1985 وخروج القوات الإسرائيلية من العاصمة اللبنانية بيروت، فتم تشكيل لجان مشتركة بين البلدين لمناقشة القضايا الأمنية والعسكرية، ليتم توقيع اتفاقية للتعاون والتدريب وتبادل المعلومات العسكرية بين سلاحي الجو الإسرائيلي والتركي سنة 1989.

 

• مرحلة التسعينات وبداية الألفية الجديدة:
كما هو معلوم، فقد عرفت بداية التسعينات تحولات مهمة على الصعيد العالمي والإقليمي، فقد انهار الاتحاد السوفييتي سنة 1991، واندلعت حرب الخليج بين 1990 و1991، وبدأت مفاوضات السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وهكذا فقد تراجعت العلاقات الاقتصادية بين الأتراك والدول العربية، ليكون المقابل تطويرها على أعلى مستوى مع إسرائيل، فتم رفع مستوى العلاقات إلى تبادل السفراء ابتداء من سنة 1991، وتم توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم وتعاون في عدة مجالات اقتصادية وعلمية وسياسية.

 

ما يهمنا طبعًا هو التعاون العسكري، والذي بدأ في العقد الأخير من القرن العشرين بسماح تركيا لإسرائيل بإنشاء محطات للتجسس الأمني والاستخباراتي على الدول المجاورة، ونتحدث هنا عن سوريا والعراق وإيران، وذلك سنة 1990، أما في السنة الموالية 1991، التي شهدت حرب الخليج، فقد سمحت تركيا لإسرائيل باستخدام مطاراتها العسكرية للتجسس على العراق.

 

وتطور هذا التعاون ليشمل عقد اتفاقيات عسكرية وأمنية، وتحديث إسرائيل لتسليح الجيش التركي، والقيام بمناورات مشتركة، والتنسيق الاستراتيجي والعسكري، قبل أن تتوج كل هذه الجهود وتبادل الزيارات بين الجانبين بتوقيع اتفاقية التعاون العسكري والأمني سنة 1996، وتهدف إلى تبادل الخبرات العسكرية بين البلدين، بما يتضمنه ذلك من إجراء مناورات عسكرية، ومناورات جوية، واستخدام موانئ البلدين، ومكافحة الإرهاب، بالتنسيق والتعاون المشترك مع الولايات المتحدة الأمريكية، وقد اعتبرت هذه الاتفاقية مخالفة للقانون لأنها وقعت دون موافقة لجنة الشئون الخارجية في البرلمان التركي، كما أن العمل ببنودها ما زال ساري المفعول إلى يومنا هذا.

 

حاول المسئولون الأتراك التقليل من أهمية هذه الاتفاقية، ونفي كونها تحالفـًا بين إسرائيل وتركيا يستهدف العالم العربي الإسلامي، لكن هذا النفي لم يكن مقنعـًا ولا مقبولاً لعدة أسباب يمكن تلخيصها في كون الاتفاقية تسمح للطائرات الإسرائيلية بالتحليق في أجواء تركيا، وهذا الأمر غير مسموح به في الاتفاقيات التي وقعتها تركيا مع الدول الأخرى، كما أن بعض الدول مستهدفة صراحة من هذه الاتفاقية، ونتحدث هنا عن سوريا بالخصوص، التي تسعى لإيجاد توازن استراتيجي معهما، ولها خلافات حدودية ومشاكل مياه مع كلا البلدين، وقد اعتبرتها الاتفاقية “دولة داعمة للإرهاب”، ولا ننسى أيضًا أن تصريحات المسئولين الإسرائيليين والأتراك حول هذه الاتفاقية عرفت عدة تناقضات ومحاولات لإخفاء وتضليل الرأي العام حول خطورة وحقيقة هذا التعاون.

 

أما فيما يخص أبرز ما حملته هذه الاتفاقية على الصعيد العسكري، فقد قامت إسرائيل بتزويد تركيا ببنادق من نوع “جليل” ورشاشات “عوزي” ومدافع هاون وأسلحة ثقيلة أخرى، كما حصلت تركيا على صواريخ بوباي 2 جو- أرض التي يصل مداها إلى 70 كيلومترًا، وجرى توقيع اتفاقية لتصنيعها بشكل مشترك مع الجانب الإسرائيلي، وصواريخ بايثون4 وصواريخ وقذائف ذكية من نوع هارك- ناب، وأيضًا قنابل من نوع تال.

 

كما اهتمت تركيا بالحصول على صواريخ مضادة للصواريخ البالستية بسبب امتلاك سوريا وإيران لها، فكان الرد الإسرائيلي بأن إسرائيل جاهزة لنشر صواريخ آرو في تركيا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كما قضت الاتفاقيات بحاجة تركيا لاقتناء عدد محدد من دبابات الميركافا الإسرائيلية الشهيرة، وجرى الحديث عن اقتناء صواريخ باراك الإسرائيلية واعتمادها نظامًا دفاعيًّا جويًّا رئيسيًّا للبحرية التركية، دون نسيان صفقات عديدة ومتنوعة لتحديث الأسطول الجوي التركي خصوصًا لتحديث طائرات الفانتوم إف-4 والفانتوم إف-5 وإنتاج طائرات استطلاع من دون طيار، وجرى أيضًا تحديث دبابات إم-60؛ حيث تم تزويدها عن طريق الجانب الإسرائيلي بمدافع من عيار 120ملم، وأجهزة كمبيوتر لإدارة النيران ومراقبة القذائف المطلقة والأهداف، والرؤية الليلية، وبنظام متطور للتدريع، قصد زيادة فاعليتها، كما بحث الجانبان تفاصيل مشروع إنشاء مصنع مشترك لإنتاج الصواريخ الإسرائيلية دليله بعيدة المدى ما بين 400 و500 كلم وهي ذات قدرة عالية على ضرب الأهداف.

 

 

• مرحلة حزب العدالة والتنمية التركي:
بعد وصول حزب العدالة والتنمية التركي إلى الحكم، عرفت العلاقات بين البلدين برودًا ظاهريًّا، ساهم فيه ما يمكن اعتباره إيحاء الحزب الحاكم بأنه مهتم بقضايا العرب والمسلمين وعلى رأسها قضية فلسطين، فكانت زيارة خالد مشعل لأنقرة التي اعتبرها مراقبون مجرد صدمة إعلامية، فقط لا غير، فقد وصف وزير الخارجية الإسرائيلي العلاقات مع تركيا في بداية العام 2006 بأنها “كاملة ومثالية”، ولم تمنع هذه التطورات من متابعة المفاوضات والاتفاق على بيع إسرائيل تركيا القمر الصناعي الإسرائيلي “أفق” ونظام الدفاع الجوي “أرو” المضاد للصواريخ، وإن كان ما يحتاج إليه هذا الاتفاق هو موافقة أميركا ليصبح ساري المفعول.

 

سنة 2010 زار وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك تركيا، وقام بتوقيع اتفاقية عسكرية جديدة، وحاولت تركيا نفي الخبر إلا أن الصحافة الإسرائيلية أكدت التوقيع. ويقضي هذا الاتفاق بحصول تركيا على عدة أنظمة متطوِّرة في مجال الطيران، وتبلغ قيمة العقد 141 مليون دولار، ويتشارك في تنفيذه سلاح الجو الإسرائيلي وشركة ألبت للصناعات الجوية.

 

شهدت العلاقات الرسمية الإسرائيلية التركية قطيعة بعد حادثة سفينة مرمرة الشهيرة سنة 2010، وذلك بعد سلسلة من التجاذبات والانتقادات المستمرة من رجب طيب أردوغان – رئيس الوزراء آنذاك – لإسرائيل وسياستها في حصار وتقتيل الفلسطينيين في غزة في حرب 2009 وما وقع في منتدى دافوس بينه وبين شيمون بيريس، كما هدد أردوغان بقطع كل العلاقات التجارية والعسكرية بين البلدين، لكن المتتبع للأحداث سيدرك جيدًا أن تلك التصريحات لم تكن سوى للاستهلاك الإعلامي وذرًّا للرماد في العيون.

 

فلم تتأثر أية اتفاقية موقعة بين الجانبين، وعلى الصعيد العسكري لم تلغ الاتفاقية المذكورة، واستمر اتفاق للتعاون في مجال تدريب الطيارين، بعد تجديده في عهد أردوغان، حيث يجري التبادل ثماني مرات في السنة، ويفتح هذا الاتفاق المجال للطيارين الإسرائيليين للتدريب على الطيران لمسافات طويلة فوق البر التركي، كبروفة لعمليات القصف الخارجي لسلاح الجو الإسرائيلي في الأراضي السورية والإيرانية، كما يفتح أمامهم المجال لإجراء رمايات بالذخيرة الحيّة في حقل رماية قونية، في مناطق مشابهة لتضاريس الأراضي الفلسطينية.

 

كما يفتح الاتفاق للطيارين الأتراك للتدرُّب في إسرائيل واستعمال أحدث التقنيات الأميركية والإسرائيلية، وحتى يومنا هذا لا تزال عقود التسلح تمثل صلب التعاون العسكري بين أنقرة وتل أبيب، بل تضاعفت عما كانت عليه عام 2006 وتحولت إلى ما يمكن اعتباره شراكة استراتيجية، فمن إجمالي الحركة التجارية بين البلدين كانت العقود العسكرية تمثل ما بين 65 و72 في المئة، ليصل التعاون العسكري سنة 2012 (في عز القطيعة الظاهرية بين البلدين) إلى 2.5 مليار دولار، وارتفع هذا الرقم إلى 4.5 مليار دولار في ظل عدم إلغاء الاتفاقيات الأخرى الموقعة.

 

سنة 2013، أجرى بنيامين نتنياهو اتصالاً هاتفيًّا بأردوغان، اعتذر فيه رسميًّا عن حادثة سفينة مرمرة، متعهدًا بدفع إسرائيل تعويضات لعائلات الضحايا مقابل ضمان عدم ملاحقتها قانونيًّا، وكان هذا الاتصال بتشجيع من الرئيس الأمريكي باراك أوباما، فتم تطبيع العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء، فيما استمر التعاون العسكري بتزويد إسرائيل لتركيا بمنظومات متطورة في مجال الحرب الإلكترونية تساهم في تحسين قدرات الطائرات من طراز إيواكس للإنذار المبكر التي يستخدمها الجيش التركي، وهذه المنظومات المطورة من انتاج شركة إيلتا التابعة للصناعات الجوية الاسرائيلية، وقد تعاقدت شركة بوينج الأمريكية العملاقة مع إيلتا لتزويد الطائرات التركية بهذه المنظومات في إطار صفقة تقدر قيمتها بـ200 مليون دولار، وقد كانت الدوائر السياسية الإسرائيلية صادقة عندما قالت إن هذه الصفقة تبرهن على عدم وجود أزمة بين الجانبين.

 

وهكذا فخلاصة القول إن المدقق في تاريخ العلاقات التركية الإسرائيلية، سيدرك بما لا يدع مجالاً للشك، أنه لم تكن هنالك أزمة فعلية، إنما أزمة مفتعلة إعلاميًّا وديبلوماسيًّا، مدروسة بعناية، خاصة من الجانب التركي، بقصد كسب الرأي العام العربي والإسلامي، وللبناء والترويج لدور كبير في المنطقة، فنحن أمام دولة تبحث عن مصالحها ومنفعتها حتى لو كانت هذه المصلحة مع الشيطان الإسرائيلي، ولا عزاء للمفتونين بالخطب الرنانة والكلام الفارغ الذي لم يجلب أية منفعة لقضايا العرب والمسلمين المصيرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

بحث بعنوان "العلاقات العسكرية الإسرائيلية-التركية" من إعداد هشام فوزي عبد العزيز أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد في كلية المعلمين في حائل
عرض التعليقات
تحميل المزيد