من سينتصر أخيراً ليبرالية الشعب أو واقعية السلطة...؟

لقد تميزت فترة حكم صدام حسين بالحرب الإيرانية العراقية ما بين عامين 1980 و1988 وحرب الخليج الثانية عام 1991 بعد اجتياح الجيش العراقي للكويت. وعلى أثرها قبع العراق تحت حصار اقتصادي دولي حتى عام 2003 «حيث احتلت القوات المسلحة الأمريكية كامل أراضي الجمهورية العراقية بحجة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ووجود عناصر لتنظيم «القاعدة» تعمل من داخل العراق».

وعقب الاحتلال الأمريكي الذي أُسقط نظام حزب البعث وعلى رأسه صدام حسين، تشكل ما يسمى بمجلس الحكم العراقي في يوليو (تموز) من عام 2003 «بقرار صادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق بقيادة الولايات المتحدة ممثلة في الحاكم الأمريكي بول بريمر. وقضى القرار بتعيين 25 عضوًا في هذا المجلس مثلوا معظم الطوائف والاتجاهات السياسية والدينية والعرقية الموجودة في العراق».

وقد تناوب على رئاسة المجلس تسعة أعضاء كانوا يمثلون رءوسًا لمجموعة من الأحزاب والتيارات السياسية التي مثلت بمجملها هيكل العملية السياسية في العراق منذ ذلك الحين حتى قيام ثورة تشرين 2019. لقد توخت سلطة الائتلاف الحاكمة بقوة الاحتلال أن تكون هيكلية مجلس حكم العراق مقسمًا طائفيًا بحجة التمثيل العادل لمكونات الشعب. وهكذا كان لشيعة العراق 52% من عضوية المجلس، في حين تحصل الكرد والسنة على 20% من عضوية المجلس لكل منهما. وكان للمسيحيين والتركمان 4% لكل منهما. ومن الجدير بالذكر أن حصة النساء من مجلس الحكم العراقي لم تتجاوز 12%.

ومن هنا بدأت مأساة السياسة في العراق، فبنظرة بسيطة على النسب المشار اليها أعلاه يمكننا أن نخرج باستنتاجين رئيسيين وهما: وضع أسس التقسيم الطائفي والعرقي للبنية السياسية في العراق؛ وتركيز القوة السياسية عند مكون سياسي واحد. وهذا ما حدى بحقل السياسة في العراق الى أن يتجه نحو مفاهيم قطبية القوى واستقطابها. وبالتالي إنعكست هذه المفاهيم على مجمل العملية السياسية، حيث جائت نتائج الانتخابات البرلمانية عام 2005 بـ47% للقوى السياسية الشيعية وحصل الكرد على 19% من مقاعد البرلمان وحصل السنة على 16%، في حين تناثرت النسبة الباقية من مقاعد البرلمان بين المسيحيين والتركمان، والصابئة المندائيين، والشبك، والإيزيديين.

ونرى أن انتخابات البرلمانية الثانية عام 2010 لم تأت بجديد حيث تحصلت الكتل الشيعية على 46.5% من مقاعد البرلمان، وتحصلت القوى الكردية على 19% في حين تحصلت الكتل السنية على 16%. أما الانتخابات البرلمانية الثالثة والتي وقعت عام 2014 فقد حافظت من خلالها الكتل السياسية الشيعية على حصتها من مقاعد البرلمان بـ47% في حين تراجعت الكتل الكردية ما يقارب 16% والكتل السنية إلى 13%. أخيرًا لم تفرز الانتخابات البرلمانية العراقية عام 2018 خارطة قوى سياسية مغايرة للنموذج الذي رسمه التوزيع الطائفي والعرقي لمجلس حكم العراق. ففي انتخابات عام 2018، حصلت الكتل السياسية الشيعية على ما يربو على 50% من مقاعد البرلمان وحصدت الكتل الكردية 16% في حين حصدت الكتل السنية ما يربو على 13%.

ومن خلال ما تقدم، نرى أن الخارطة السياسية في العراق حافظت على نفس التوجه منذ سقوط نظام صدام وإلى آخر انتخابات برلمانية، حيث بقيت هذه الخارطة محكومة بالمفاهيم الطائفية والعرقية بما جعلها تبتعد كل البعد عن مفاهيم الديمقراطية الوطنية وتوجهها نحو التكتل الفئوي المتعطش للدعم السياسي واللوجستي من الامتدادات الأيديولوجية الإقليمية. ولذلك فقد توشحت كل مساعي السياسة العراقية بالتوجهات الطائفية والعرقية ولم تتمكن أية جهة من الجهات السياسية أن تستحوذ على أغلبية مريحة في البرلمان تمكنها من تشكيل الحكومة دون الدخول في معترك كسب الولاءات واستقطاب المقاعد البرلمانية.

وحيث إن الكتل الشيعية تتمتع بأكبر ثقل برلماني، أصبحت كواقع حال هي رأس القطبية السياسية بما حفز بقية الكتل السياسية على التعامل معها وفق مفاهيم براجماتية فئوية لتمرير أجندات مناطقية من أجل تحقيق مكاسب قصيرة الأمد.

إن أبرز ما عزز هذا الشكل السياسي في العراق هو التوافق السياسي الضمني على رؤوس المناصب السيادية التي تم توزيعها بشكل طائفي وعرقي لا يمت للفقه الوطني بأدنى صلة، حيث صار منصب رئيس الوزراء حكرًا على الطائفة الشيعية، وأصبح منصب رئيس الجمهورية حكرًا على الأكراد في حين أصبح منصب رئيس البرلمان حكرًا على الطائفة السنية. وبمجرد نظرة بسيطة على على هذا الشكل السياسي العقيم، نرى أن توزيع المناصب السيادية في الحكومة يتناسب مع كم الصلاحيات الممنوحة لكل منصب ومع نسب التمثيل السياسي في البرلمان، مع قدرة كل منصب على أن يكون حجر عثرة أمام أي قرار تنفيذي لا يصب في صالح الفئة الطائفية أو العرقية التي يمثلها المنصب، حتى وإن كان ذلك القرار يمثل مصلحة وطنية.

وبالتالي، فقد عملت الكتل السياسية وعلى مدى الأربع دورات انتخابية على تعميق جذورها في فقه القطبية السياسية. فقد استغلت الكتل الشيعية بصفتها أكبر الكتل السياسية في النظام السياسي وتتسنم أعلى سلطة تنفيذية في الحكومة بصلاحيات واسعة، فقد استغلت هذا الزخم في زيادة قوتها على أرض الواقع لتتمكن مستقبلًا من زيادة فرصها في عملية الاستقطاب السياسي والهيمنة السياسية وفرض الأمر الواقع في أي مرحلة من مراحل العملية السياسية، مستفيدة بذلك من الدعم السياسي واللوجستي الذي توفره لها امتداداتها الإقليمية.

أما الكتل الثانوية في العملية السياسية فقد عملت أيضًا على تعميق جذورها بنفس النهج الذي اتبعته الكتلة السياسية الأكبر، ولكن ليس من أجل المنافسة السياسية وإنما من أجل أن تكون مرغوبة كثقل قادر على تغيير ميزان القوى السياسية. وهذا ما كان بالإمكان ملاحظته في التحركات السياسية التي أجرتها الكتل السياسية الكردية من خلال المصالح الفئوية التي سعت الى تحقيقها عبر تحالفها مع الكتلة الشيعية. وكذلك يمكن ملاحظة ذلك من خلال تحالف القوى السنية والشيعية لإفشال التوجهات الكردية الانفصالية في سبتمبر (أيلول) 2017.

لقد أفرزت هذه الصورة السياسية المعقدة مجموعة من الممارسات التي أدت إلى تفشي الفساد بشكل مطلق في جميع مفاصل الدولة العراقية منذ عام 2003. فقد انعكس التوزيع الطائفي والعرقي على جميع مفاصل المؤسسات الحكومية، وبالتالي أودت تلك الممارسات بالمؤسسات الحكومية إلى أن تكون تابعة لما تفرضه الأجندات السياسية ومصالح القوى الإقليمية الداعمة لها، لذا أصبحت المصلحة الوطنية على ذيل جدول أعمال الحكومة ما لم تكن خارجه أصلًا. وبذلك فقد أصبحت القوات الأمنية عبارة عن تشكيلات تعتمد نسب التمثيل السياسي أساسًا لعديد أفرادها، وكذلك انتهجت المؤسسات المدنية في العراق النهج ذاته، كما نشأت كذلك مجموعات مسلحة تعتمد الولاء الطائفي والعرقي أساسًا لانتمائها. وكنتيجة لذلك، غدا الفساد آفةً تنخر في جميع المؤسسات الحكومية ومؤسسة تنتهج النموذج الأفريقي في إضعاف البلاد اقتصاديًا وسياسيًا.

من المعلوم أن نجاح الدول يعتمد على مجموعة من الركائز الاقتصادية والسياسية والجغرافية والسكانية والثقافية التي تعمل الدولة على مأسسة معاييرها والعمل على تطويرها من خلال سياسات خارجية وداخلية متوازنة. غير أن تراكمات الفشل السياسي على مر تاريخ الدولة العراقية الحديثة والتي كانت نتيجة للممارسات السياسية الخاطئة التي تباينت بين حكم ملكي تابع لسياسات استعمارية وحكم عسكري متغطرس وحكم حزبي متفرد وحكم ديموقراطي مشوه تتلاعب به منابر العوق الديني وأبواق التبعيه الطائفية والعرقية، أودت بالعراق الى أن يصبح بيئة طاردة للكفاءات مستقطبة للعمالات حامية للفساد وبوتقة للصراعات.

لذلك فقد «شهد العراق منذ عام 2003، وحتى الآن أكبر عملية فساد ممنهجة في تاريخه، حيث صنّفت منظمة الشفافية الدولية، العراق كواحد من أكثر البلدان فسادًا في العالم لسنوات عديدة. وكذلك صنفه البنك الدولي كثاني أكثر دولة في العالم تعاني من تفشي الفساد، فضلًا عن التصنيفات التي تعده واحدًا من أكثر الدول سوءًا من ناحية الأعمال التجارية وضعف البيئة الاستثمارية، نظرًا للإشكالات العديدة في البنية القانونية والتشريعية وهشاشة الوضع الأمني».

ونتيجة لذلك فقد أصبح الاقتصاد العراقي يمتلك شكلًا هجينًا منفلتًا لا يمت للأشكال الاقتصادية المعيارية بأية صلة، فقد عانى العراق منذ عام 2003 دمارًا «صناعيًا وزراعيًا وخدميًا من خلال تضرر وسرقة مفاصل البنية التحتية من منشآت وأدوات وتسهيلات بالكامل أو جزئيًا»، ولم يعد بعدها الاقتصاد العراقي «ضمن خانة دول الاقتصاد الحر، ولا الاشتراكي، ويمكن تصنيفه بأنه نمط اقتصادي هجين، حيث إن الناتج القومي الإجمالي خارج قطاع النفط يكاد يساوي صفرًا». وبالتالي فقد خلف النظام السياسي وفشله في إدارة الدولة عواقب كارثية انعكست على حياة المواطن البسيط بشكل مباشر، فقد بلغت «نسبة البطالة الإجمالية حوالي 11% بينما يعيش 22% من السكان في فقر، وفقًا لتقديرات البنك الدولي. وثلث الشباب العراقي بلا عمل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العشرين, تشرين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد