في الخامس من يناير عام 1990م، استيقظ المصريون على خبر إقالة وزير الداخلية الشرس اللواء (زكي بدر), وتولي اللواء (عبد الحليم موسى) الذي كان يوصف بشيخ العرب قيادة الوزارة.

كان بدر يمثل كابوسًا للمصريين, فقد جاء في أعقاب اللواء – دمث الخلق – (أحمد رشدي)، الذي جعل حرب المخدرات هدفًا لوزارته, وأظهر نقلة نوعية في تعاملات أفراد الشرطة مع الجمهور؛ فدبرت أحداث الأمن المركزي في 25 فبراير 1986م، للتخلص من الرجل الذى أحبه قطاعٌ عريض من الشعب المصري.

كانت الحركة الإسلامية أشد المصطلين بنار زكي بدر، الذي قُتل في عهده عدد منهم لم يتجاوز العشرة في أماكن متفرقة, واعتقل المئات من شبابها, وفاز (بدر) بلقب أول وزير يصفع داخل البرلمان المصري بصفعة النائب (طلعت رسلان)، ورد الوزير بالسب بألفاظ نابية وقذفه للنائب بالحذاء.

لم يكن خوض (زكي بدر) في دماء المصريين من أبناء الحركة الإسلامية؛ ولا خوضه في أعراض رموز المعارضة؛ أو تعامله المتعالي وجهازه مع الشعب هو السبب في إقالته.

كان النظام راضيًا عن تجاوزات وزيره. وضح الدكتور (مصطفى الفقي) – الذي كان يشغل وقتها منصب سكرتير رئيس الجمهورية للمعلومات – وصف النظام (بدر) بأنه: “الرجل الصلب الذي كانت مشكلته الحقيقية في عباراته اللاذعة وشتائمه الحادة”، ولم يكن تذمر ضباط الداخلية من سلاطة لسانه؛ بل كونه عمل وتربى في الأمن الجنائي، ولم يعمل في إدارة الأمن السياسي, كما يذكر الفقي عن اللواء (فؤاد علام) أحد قيادات جهاز أمن الدولة، الذي جاءه مشتكيًا – في بداية تولي بدر الوزارة – مطالبًا توصيل رسالة إلى المراجع العليا، منتقدًا سياسة وزيره الجديد (زكي بدر). وقد أُرجع سبب الإقالة تجاوزه للخطوط الحمراء في لقائه بضباط المعهد الدبلوماسي بالمؤتمر الشهير بمدينة بنها، حيث تطاول بالسب والقذف بألفاظ تخدش الحياء ليس فقط ضد رموز المعارضة، بل طال لسانه الحاد عددًا من رموز الدولة وادعاؤه امتلاك تسجيلات لهم.

بعد يومين من تولي شيخ العرب (عبد الحليم موسى) الوزارة وفي السابع من يناير عام 1990، شُنت حملة موسعة بطائرات الهيلكوبتر على قرية كحك بمركز أبشواي بالفيوم, بعد أن ضُربَ عليها حصارٌ أمني شديد, فقتل العشرات من أتباع (شوقي الشيخ) فيما وصفته جريدة الحقيقة يومها بالمذبحة, واقتحمت المساجد على طول الجمهورية, وأطلقت الأعيرة النارية داخلها, وبدأت سياسة القبض على الرهائن من محارم المطلوبين, وبدأت مصر تتعرف على سياسة الاعتقالات طويلة الأمد لأبناء الحركة الإسلامية.

وانتهج الوزير الجديد سياسة التصفية الجسدية ضد أبناء الحركة الإسلامية, وكان أبرزها بعد ظهر يوم الأحد الثاني من أغسطس عام 1990، اعترضت سيارة بدون لوحات الناطق الرسمي باسم الجماعة الإسلامية الدكتور (علاء محيي الدين) في طريق سيره على أقدامه إلى منزله في شارع ترسا منطقة الطالبية بالهرم، وأطلقت النار عليه فسقط قتيلا في الحال، واستولى الجناة على ما كان في حوزته من أوراق هوية حيث كان التخطيط مدروسًا لاغتياله وعدم التعرف عليه, ودفنه سرًا, في أول عملية تصفية جسدية مكتملة الأركان ينفذها النظام ضد أحد رموز المعارضة في عهد مبارك.

كان حادث قتل (محيي الدين) هو الشرارة التي أشعلت المواجهات بين الجماعة الإسلامية والنظام المصري، والتي استمرت معظم عقد التسعينات, في صراع موجع أريق فيه دماء المئات من أبناء الوطن نتيجة سياسات أمنية استفزازية.

في الخامس من مارس استيقظ المصريون كذلك على خبر إقالة اللواء (محمد إبراهيم) وزير الداخلية الذي لم يكن قد عمل من قبل في الأمن السياسي بل كان مثل (زكي بدر) قادمًا من الأمن الجنائي, وتولي اللواء (مجدي عبد الغفار) الذي عمل طيلة خدمته في الأمن السياسي.

كان الكلب ركس الذي قتل غدرًا بأحد شوارع شبرا الخيمة بالقاهرة, وما واكب قتله من حملة إعلامية مفتعلة ووقفات احتجاجية, والقبض على قتلته بسرعة غير معتادة, وتحويلهم لمحاكمة جنائية هي آخر ما قد يذكره المصريون لفترة تولي محمد إبراهيم للداخلية والتي شهدت أكبر مذابح للمصريين في التاريخ الحديث.

بعد ساعات من تسلم اللواء (عبد الغفار) وزارة الداخلية نفذت الداخلية أول حكم بالإعدام لمناهضي انقلاب الثالث من يوليو في المحاسب (محمد رمضان), والذي اعتبر الأسرع في تاريخ تنفيذ الأحكام القضائية. في قضية هي الأكثر جدلاً، والأغرب في التاريخ القضائي المصري. الذي استقرت أحكامه على أن الحكم بالإعدام لا يكون إلا بعد الثبوت القطعي لمباشرة الجريمة وانتفاء أي شبهة صارفة.

بعد أربعة أيام من تولي اللواء (عبد الغفار) الوزارة؛ فوجئ الجميع بمقتل الشاب (سيد شعراوي) صاحب السبعة وعشرين ربيعًا داخل منزله بناهيا بالجيزة؛ وأمام أعين والديه وزوجته وأبنائه الأطفال, في عملية تصفية جسدية مباشرة؛ بثلاثين رصاصة اخترقت جسده, واختطفوا جثته, ولم يكتفوا بذلك بل أطلقوا نيرانهم على كلبته التي حاولت الدفاع عنه فأردتها القوات المقتحمة للبيت قتيلة.

ولليوم الثاني لم تخرج أي من الجمعيات أو المنظمات الحقوقية لتندد بعملية الإعدام خارج إطار القانون التي طالت شعراوي, ولا طريقة تنفيذها أمام أعين والديه وزوجته وأطفاله, ولم تنل كلبته ما ناله الكلب ركس, فلم يستنكر قتلها أحدٌ, بينما حملت مواقع التواصل الاجتماعي صورة لابن (سيد شعرواي)، الطفل جالسًا بجوار دماء والده, وقد لطخ يده بالدماء رافعا علامة رابعة؛ لينفث الطفل عن كره تتعمد الدولة تأكيده وترسيخه في نفوس أجيال قادمة.

تعلم المصريون أن تغير الوزراء لا يكون لتخفيف حدة النزاعات وتلبية للاعتراضات، ولكن يكون لتنفيذ سياسات جديدة أشد عنفًا وأفتك فعلاً, والغريب أن التصعيد وازدواجية المعايير لم تكتف بمواجهات بني البشر, بل انعكست على الكلاب.

فهل تتكرر التجربة لتكون السياسات التي أتى (عبد الغفار) القادم من الأمن السياسي لتنفيذها هي حادي البلاد نحو صراع آخر لا يدري أحد إلى أين يمكن أن يصل بالبلاد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد