يتمزَّقُ الفؤادُ وتذرفُ العينُ دمعها بتلقائيَّةٍ حين يبدأُ الواحدُ منا برحلة البحثِ عن الأخبار لمعرفة ما يُحيطُ بنا من أحداث، نعرفُ مسبقًا أننا سنغوص في رحلةٍ من الألم للدخولِ في مستنقع قضايا وأخبار أمتنا وما يدورُ في أوطاننا، نرى ونسمعُ كلَّ يومٍ ما يُدمي القلبَ ويجرحُ النفسَ من أخبارِ القتل والدمارِ والمؤامرات والخياناتِ وقل من الرذائلِ والهزائل ما شئت، فمرارُ الحالِ أوصلَ الأمةَ العربية إلى حالةٍ من اليأسِ والإحباط منقطع النظير.

الأمةُ العربيةُ كالعقدِ إن سقطت منهُ حبَّةٌ تهاوت الأُخريات

فلسطينُ كانت بداية الانحدارِ والتراجُع، وهيَ الحبةُ الأولى التي سقطت من العقد؛ فكانَ من الطبيعيِّ جدًا أن تتهاوى من بعدها باقي الحبَّات، فمسارُ الحركةِ التاريخيةِ لهذه المنطقةِ ما بعدَ احتلالِ فلسطينَ لا يمكنُ تخيُّلهُ إلا في إطارِ الهُبوطِ والتساقطِ إلى الحد الذي وصلنا له؛ بل وأكثر، إذ ليس من المنطقِ أن يُصيبَ المرضُ جزءً من جسمِ الإنسانِ فلا تتأثر باقي أعضاءهُ بشكلٍ أو بآخر، وقد أصابَ المرضُ الثقافيُّ والاجتماعيُّ والحضاريُّ هذه المنطقة بعد احتلالها من قبل الدول الغربية، ثم تجمَّعَ وتركَّزَ هذا المرضُ في قلبِ الأمةِ بعدَ احتلالِ فلسطينَ من قِبَلِ الاحتلال الإسرائيلي.

هذهِ الحالةُ المرضيَّةُ التي أصابت الأمةَ العربية شكلَّت شرخًا عميقًا وصراعًا مُتسارعًا بين مُكوِّنَيْنِ رئيسينِ من مُكوِّناتِ هذه الأمة؛ وهي الشعوبُ والأنظمةُ الحاكمة، فالأنظمةُ الحاكمة –المنبثقةُ من رحمِ الاحتلالِ الذي استعمرَ المنطقة، والتي تمتلكُ مُقوِّمات القوة بشتى أنواعها- تسعى دومًا إلى بسطِ إرادتها وسياساتها وأجنداتها على الشعوبِ عبرَ استخدامِ أدوات القوة والبطش، والشعوبُ تسعى إلى التحرر من هذهِ التبعيةِ وهذا الاحتلالُ الجمعيُّ الذي أصابَ الأمةَ برُمَّتها، وقد تمثلت ذروةُ هذهِ الحالة من الصراعِ بيْنَ هذينِ المُكوِّنَيْن في ثوراتِ الربيع التي انطلقت مِنَ البُلدانِ العربيةِ مُطالبةً بحسمِ هذا الصراعِ لصالحِ الشعوبِ وتطلُّعاتها، وما لحقها من بطشٍ وانقلابٍ على إرادتها من قِبَلِ الأنظمةِ؛ أوصلَ الحالةَ العربيةَ إلى قاعِ السقوطِ في مُنحنى التاريخ.

الثوراتُ العربية.. افتقارٌ للرؤيةِ وأخطاءٌ على الطريق

لا يمكنُ الحديثُ عن مسألةِ الثوراتِ وأسباب انحدار مساراتها دونَ إلقاءِ اللومِ على أنظمةِ الحكمِ المُستبدةِ في العالم العربيّ ودورها التآمريِّ على رغباتِ وتطلعات الشعوب، ولكن حتى لا ننظرَ إلى هذا الأمرِ من مُنطلقٍ سلبيٍّ تآمريٍّ يُلقي بكامل اللومِ على الغيْرِ دائمًا ولا يُحمِّلُ نفسهُ شيئًا من المسؤولية، فإنهُ يتوجَّبُ عليْنا أن لا نُنكِرَ أنَّ هذه الثوراتُ اعترتها العديدُ مِنَ الأخطاءِ الجوهريةِ التي ساهمت في الوصولِ إلى هذه الأوضاعِ المأساويةِ التي كان بالإمكانِ تجاوزها، كما يجدرُ الإشارةُ إلى أنهُ من الصعبِ أن يتمَّ تعميمُ أسبابِ هذا الانحدار على كُلِّ الثوراتِ بصورةٍ مُقوْلَبة، فكلُّ ثورةٍ كان لها مُبرراتها وأسبابها وسياقاتها ومساراتها الخاصة، ولكن يمكنُ أن نضع تصوُّرًا عامًا عن بعض الأسبابِ الرئيسةِ التي مثَّلت خللًا منهجيًا في طبيعة أهداف ومآلات هذه الثورات.

فالافتقارُ إلى رؤيةٍ فكريةٍ واضحةٍ مثَّلت أزمةً كبيرةً وتحديًا جوهريًا لنجاحِ عمليةِ الثورةِ والتغيير، فحينما قامت الثوراتُ لم تقُم على منهجٍ فكريٍّ يخطُّ معالمَ طريقها ويُنيرُ لها دربَ الوصولِ إلى أهدافها، إضافة إلى عدمِ وضوحِ أهدافها وأساليبِ وبرامجِ وأدواتِ الوصولِ إلى هذه الأهداف، فقد كانت مجرَّد ثورةٍ على أوضاعٍ صعبةٍ يعيشها الناس، سرعانَ ما تحولت إلى مطالبَ سياسيةٍ تستهدفُ صلبَ الحالةِ السياسيةِ القائمةِ منذُ استعمار المنطقةِ من الدول الغربية، كما لم تستطع الإجابةُ على سؤالِ ماذا بعد؟ وهذا الأمرُ شكَّل خللًا منهجيًا أعاقَ إمكانيات نجاحها، وأفرزَ مشكلةً كبيرةً تمثلت في اختلافِ أربابِ الثورةِ في الإجابة على ذلك السؤال بالرغم من اتفاقهم على قضية الثورة والتغيير.

انعكست هذه الحالةُ من التيهِ وعدم الوضوحِ سريعًا على مسارِ الثوراتِ التي كانَ مبدأُ السلميةِ عنصرها الرئيسي وأداتها المحوريةُ في عمليةِ التغيير، إذ تحولت العديدُ من الثوراتِ من العمل السلميِّ إلى العملِ العسكريِّ المُسلح، وقد شكلَ هذا الأمرُ خطأً فادحًا أدى إلى حرفِ مسارِ الثورةِ من خلالِ جرِّ الثوارِ إلى المربعِ الذي يتفوق فيه خصمهم؛ وخسارتهم لعوامل قوتهم الشعبية، حتى وإن تمَّ تبريرُ ذلكَ بأنَّ الثوارَ أُجبروا على استخدامِ السلاح وتمَّ جرُّهم إلى ذلك، وذلك لسببٍ بسيطٍ تمثَّلَ في نقصِ الإمكانياتِ وقلةِ الخبراتِ العسكريةِ التي يمتلكها الثوار، ولذلك نجدُ أن كل ثورةٍ تم تحويلها إلى عمل عسكري مُسلح فشلت ولم تستطع أن تحقق أيَّ إنجاز.

هذا الأمر هيَّأ الأرضيةَ المناسبةَ لدخولِ العاملِ الخارجيِّ للتأثيرِ بقوةٍ في مسار الثورات، فكان من العديد من الجهاتِ الثورية أن لجأت إلى الدولِ الأُخرى لمحاولةِ تغيير مُعادلة الصراع، وهذا الأمرُ هوَ نتاجٌ طبيعيٌّ لمسارِ الثوراتِ التي اتجهت إلى العمل المسلح، ذلك أنَّ البعضَ أُوهِمَ أنهُ بلجوئهِ إلى أطرافٍ خارجية قد يستطيعُ الحصولَ على دعمٍ كافٍ منهم لتحقيق أهدافهم، وهذا ما أغرقهم في صراعاتٍ ونزاعاتٍ لا أول لها ولا آخر.

إن مُجملَ الأخطاءِ (الذاتية) التي وقعت فيها الثوراتُ العربية تمثلت بشكلٍ رئيس في افتقارِ الرؤيةِ الذي صاحبهُ ضخامةُ الأهدافِ على الرغم من عدمِ امتلاكِ الأدواتِ الفعالةِ اللازمةِ لتحقيقِ تلكَ الأهداف.

مآلُ الثوراتِ في السياقِ الحركيِّ للتاريخ

قد يختلف المقيِّمونَ لطبيعةِ هذه الثوراتِ وسياقاتها ومدى قُدرتها على إعادةِ تفعيلِ ذاتها وتحقيقِ أهدافها التي انطلقت من أجلها، إذ وصلَ الحالُ إلى الحدِّ الذي أصبحَ فيه اليأسُ والإحباطُ والتيه والتخبُّطِ هيَ الأشياءُ المسيطرةُ على عقلِ ووجدانِ الشعوبِ العربيةِ؛ التي أنهكتها الصراعاتُ والحروبُ وما آلت إليهِ من دمارٍ وخرابٍ معيشيٍّ وسياسيٍّ واجتماعيٍّ وثقافيٍّ، ولكن وبرغمِ ما آل إليهِ هذا الوضعُ الكارثيُّ؛ إلا أنَّ عواملَ التاريخِ وسياقاته، وحتمية الغلبةِ للحقِّ وأتباعه هي التي ستنتصرُ في نهايةِ المطافِ مهما امتلكَ الطغاةُ من أدواتِ القوةِ والتجبرِ والتكبر، ولكن هُناك حقيقةٌ واحدةٌ يجبُ أن تترسخَ في أذهانِ جميعِ مؤيدي هذه الثورات؛ وهيَ أنَّ هذه الثوراتُ إن لم يُعَدْ قراءتُها وفقَ أهدافٍ ورؤىٍ وأدواتٍ وأساليبَ جديدةٍ تُراعي خصوصيةَ الحالةِ لكُلِّ دولةٍ منَ الدولِ وفقَ رؤيةٍ جمعيةٍ تُبرزُ حالةَ التشابُهِ والترابط، فإنها لن تؤتِيَ أُكلها ولن تجنيَ أيًّا من ثمارها، وستبقى حالةَ الصراعِ قائمةً على حالها، بل وقد تزدادُ سوءً.

إنَّ قراءةَ المشهدَ العربيَّ من منظورِ التاريخِ يسمحُ للمتأمِّلِ فيهِ أن يرى انسيابيةَ حركتهِ الواقعية؛ التي بدأت بالانحدارِ مع دخولِ الاستعمارِ الأجنبيِّ إلى دولِ العرب، مستمرةً في حالةِ الهبوطِ والسقوطِ التي كانت كارثةُ احتلالِ فلسطينَ مرحلةً من مراحلها، وصولًا إلى قاعِ هذا المُنحنى ما بعدَ الانقلابِ على إرادةِ الشعوب. لذا فإننا نعيشُ اليومَ في تحدٍّ بالغِ التعقيدِ والتشابُك، فإن استطعنا أن نُعيدَ قراءةَ أنفسنا وأهدافنا وتطلُّعاتنا قراءةً واقعيةً صحيحة؛ فإنَّ حركيةَ التاريخِ ستُسانِدُنا في تجاوزِ مرحلةِ القاعِ والإيذانِ ببدايةِ الانطلاقِ والصعود، أما إذا واصلنا التعامُلَ مع أزماتِنا بنفسِ العقليةِ ونفس المنطقِ التآمُريِّ أو السلبيِّ الذي يُلقي باللومِ على الغيرِ ليُبرِّأَ نفسهُ من النقص والخطأ، أو يُلقي بأحمالهِ على عالَمِ السماءِ كمخرجٍ يُريحُ العقلَ والقلب؛ فإننا سنبقى نُراوِحُ مكاننا في القاعِ ولن يُرفعَ لنا رأسٌ مهما تقادمَ علينا الزمن.

ختامًا.. لا بُدَّ لنا أن نُدرِكَ أنَّ حالةَ الانحدارِ التي وقعت فيها المنطقةُ العربيةُ لم تستثنِ أيَّ قُطْرٍ من أقطارِها؛ بل كانت حالةً جمعيَّة، لهذا فإنَّ المُعالجةَ القُطْرِيَّةَ الجزئيةَ للأزماتِ التي نُعاني منها لن تؤتيَ أُكلها وسيعودُ المرضُ لينتشرَ في أجزاءِ الجسمِ بصورةٍ أكبرَ مما هو عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد