كيف تسببت تحركات مرسي في السياسة الخارجية في التعجيل بعزله لماذا لم يتعلم الإخوان من تجربة أردوغان

كيف استمر أردوغان صاحب الخلفية الإسلامية في الحكم طوال 16 عامًا حتى الآن، بينما سقط مرسي وإخوانه في مصر، واليمن، وليبيا، وتونس؟ وهل أصبحت التجربة التركية غير قابلة للتطبيق في باقي البلاد العربية والإسلامية، أم أن التجربة مرهونة بحكمة وحصافة من يطبقها؟

وصل الإخوان المسلمون إلى الحكم في مصر وشاركوا في الحكم في عدة دول عربية، لكن معظم تلك التجارب باءت بالفشل، خصوصًا تجربة الإخوان في مصر، التي انتهت بانقلاب عسكري دموي، وبالرغم من وقوع الإخوان في فخ الانقلاب فإنهم استمروا في مقاومته إعلاميًّا وشعبيًّا عن طريق المظاهرات، التي أثبتت فشلها لاحقًا، مما وضع الإخوان في وضع لا يحسدون عليه.

معركة الإخوان في الوصول إلى السلطة

بعد نجاح الثورة المصرية في إطاحة مبارك أوائل عام 2011، حاول المجلس العسكري الحاكم منع الإخوان من الوصول إلى كرسي الرئاسة، إلا أن الإخوان وفقوا لعمل قانون في مجلس الشعب قبل حله في مايو (أيار) 2012، واستطاعوا أن يفشلوا حيلة المجلس العسكري في تزوير الانتخابات.

إذ منع القانون اللجنة العليا من إحصاء العدد النهائي للأصوات إحصاء خاطئًا، عن طريق إجبار القضاة على إعلان عدد الأصوات في كل لجنة فرعية، فيما تبين لاحقًا أنها فكرة من خارج الإخوان أصلًا، وعند نجاح الإخوان في الوصول إلى السلطة ظنت كوادر الإخوان أن قادتهم يديرون اللعبة بمهارة سياسية، وأنهم في الطريق الصحيح.

لكن المتابع للمشهد يلاحظ فشلًا إعلاميًّا وأمنيًّا واستخباراتيًّا شديدًا، فقد بدأ حكم الدكتور مرسي الحكم بتدني المستوى الأمني، وتوالى تهريب المنتجات البترولية، وتوالت انقطاعات الكهرباء، واكبه هجوم إعلامي شرس، وزاد الموضوع ازديادًا يوحي بأن هناك من يحاول إفشالهم، كما تبين لاحقًا أن هناك عدة قيادات عسكرية تحاول حشد المتظاهرين ضد حكم الإخوان، مثل اللواء حمدي بدين قائد الشرطة العسكرية السابق، ونقل ذلك اللواء للصين للعمل ملحقًا عسكريًّا، ورغم ذلك عجز الإخوان عن فهم أن ما فعله حمدي بدين ليس عملًا فرديًّا، وأن هناك تنسيقًا جماعيًّا بين قيادات الجيش لإطاحة حكمهم، كما فشلوا في وقف انقطاع التيار الكهربي، الذي بدأ يتزايد بعد مرور 10 أيام فقط من حكم مرسي، أو حتى وقف تهريب المنتجات البترولية، إلى درجة أن وزير التموين باسم عودة اضطر للوقوف بنفسه في إحدى محطات توزيع الوقود عدة ساعات للإشراف ومتابعة توزيع المنتجات البترولية، في فشل واضح للمنظومة الإدارية لحكومة د. مرسي.

فشل اختراق الدولة العميقة

بعد توليه السلطة في منتصف عام 2012، لم يشأ مرسي أن يصطدم بالقوى العميقة في الدولة، وخصوصًا الجيش، فلم يغير وزير الدفاع، ورئيس الأركان، إلا وفقًا لما قدمه السيسي مدير المخابرات الحربية وقتها من معلومات سلبية عن قادة الجيش، وعينه وزيرًا للدفاع فيما يشبه ابتلاع الطعم، وأن قيادات الجيش الجديدة تقف مع القيادة السياسية، كما لم يحاول مرسي أن يخترق الدولة العميقة من مخابرات عامة، أو رقابة إدارية، أو جيش، أو شرطة.

وفي السياق نفسه شكل مرسي وزارة مشروطة بعدم تعيين رئيس وزراء من الإخوان، كما اكتفى مرسي بتعيين خمسة وزراء من الإخوان في الحكومة في أول تشكيل وزاري في أغسطس (آب) 2012، ليس من بينهم وزير التموين، أو البترول، أو التخطيط، أو المالية، أو الاستثمار، وذلك خوفًا من سخط التيار العلماني والقوى العميقة في الدولة، التي لا تريد للإخوان الاطلاع على كيفية إدارة أمور الدولة، وعين باقي الوزراء من ضمن ترشيحات الرقابة الإدارية، ومن القماشة التكنوقراطية للدولة المصرية.

كما عين وزراء إخوان مرة أخرى على دفعتين في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 ومايو 2013 تدريجيًّا، خوفًا من السخط الشعبي، وهو ما أدى إلى فقدان السيطرة على مراكز اتخاذ القرار بصورة كبيرة، إذ عين وزراء الاستثمار، والتخطيط من جماعة الإخوان قبل انتهاء أول عام لمرسي بشهرين فقط.

الإخوان يخدعون في كل مرة

بعد حل المحكمة الدستورية لمجلس الشعب في مايو 2012، حاول الإخوان الهروب من فخ المحكمة الدستورية، لكنهم سقطوا مرة أخرى في فخ العسكر، إذ أصدر الإخوان الدستور أواخر عام 2012، واشترطوا فيه موافقة المحكمة الدستورية العليا مسبقًا على قانون انتخابات مجلس الشعب، تجنبًا لحل المجلس مرة أخرى، كما حدث في مايو 2012، فعطلت المحكمة الدستورية إخراج قانون مجلس الشعب عدة مرات، الأمر الذي منعهم من إجراء انتخابات مجلس الشعب وتوزيع السلطة بين الرئاسة ومجلس الشعب، ومنع محاصرة مرسي وحده في الحكم، بالرغم من أنه كان يمكنهم جعل رأي المحكمة استشاريًّا، أو يطبق قرارها في الدورة التالية مثل ما يحدث في معظم دول العالم.

كما وقع الإخوان في فخ تخوف العلمانيين من أخونة الدولة، الأمر الذي كبل أياديهم ومنعوا من الدخول في دهاليز الدولة المصرية العتيقة، لدرجة أن د. أحمد الصيرفي أحد مستشاري وزير الاستثمار الإخواني يحيى حامد (الذي عين في مايو 2012 أي قبل شهرين من إطاحة مرسي) قد طلب خريطة الاستثمار في مصر، فرد عليه الموظف المسئول بأنه يتوجب أخذ موافقة السفارة الأمريكية أولًا!

فشل الخطاب الداخلي للإخوان وصراع الهوية

فشل الإخوان في صناعة إعلام موازٍ للإعلام العلماني، ولم يستفيدوا من خبرات قناة الجزيرة القطرية التي كانت تدعمهم بقوة، ولم تستطع قناتهم التلفزيونية أو جريدتهم توجيه الرأي العام، أو توصيل خطاب متوازن لجميع أطياف الشعب، واكتفي بكونه رد فعل للإعلام العلماني، حتى إن منصب وزير الإعلام عرض على شخصيات عامة عدة قريبة من الإخوان، وجميعهم رفضوا قبول المنصب خوفًا من السخط الشعبي المنتظر، مما اضطر مرسي لتعيين الصحفي الإخواني صلاح عبد المقصود وزيرًا للإعلام، الذي أدار الوزارة إدارة سيئة وغير مهنية، وكان صيدًا سهلًا لوسائل الإعلام المناوئة للإخوان.

كما فشل الإخوان في تأجيل صراع الهوية لحين استباب الأمر لهم، واستجابوا للتيار السلفي المتعاون مع الأمن «حزب النور»، وقرروا الدخول مع التيار الليبرالي في صراع على المادة 219 التي تلزم بتطبيق الشريعة الإسلامية، بالرغم من عدم امتلاكهم القوى اللازمة لتنفيذ تلك المادة، فالقضاء يفرج عمن يهاجمون القصر الجمهوري، والشرطة كانت تصرح بأنها في إجازة أربع سنوات، والإعلام يهاجم الإخوان ليل نهار، وفوجئوا بعد ذلك بشهرين بانتقال حزب النور السلفي لخانة المعارضة، وتفاهمه مع جبهة الإنقاذ العلمانية ضد حكم الإخوان، مما وضعهم في موقف حرج سياسيًّا.

مرسي ومحاولة الاستقلال الاقتصادي

أعلن مرسي عدة مرات عن محاولاته لاستقلال مصر في إنتاج غذائها، ودوائها، وسلاحها، وهو ما بدأ فعلا بتنفيذه عندما زار السودان راغبًا في توفير لحوم سودانية لمصر بسعر رخيص، كما أعلن عن نيته الاكتفاء الذاتي من القمح في أربع سنوات، لكن فاته أن يقلم أظافر مستوردي تلك المواد، إذ تستحوذ شركات الجيش والمخابرات علي نصيب الأسد في استيراد اللحوم المجمدة والقمح، مما يضر بمصالحهم، وينسحب ذلك الأمر على معظم المستوردين الكبار الذين يتحكمون في الدولار بدرجة كبيرة، ويمكنهم من التلاعب والمضاربة بالدولار، وهو ما حدث فعلًا أواخر عام 2012 عندما سحبت كميات كبيرة من العملة الصعبة وحولت للخارج، لكن تحويلات المصريين من الخليج أنقذت الموقف لاحقًا.

سياسة مرسي الخارجية

كانت سياسة مرسي هي العداء لكل مصالح أمريكا في المنطقة وتكوين تحالفات بديلة مع حكومات بديلة مثل باكستان وروسيا، كما تحالف اقتصاديًّا مع إيران وقطر المناوئين للسعودية، ودشن مشروع تنمية محور قناة السويس، الذي يشكل تهديدًا لميناء جبل علي في دبي، الأمر الذي أدى لاشتداد العداء مع السعودية والإمارات.

كما أجرى زيارة تاريخية للصين، مصطحبًا معه عددًا كبيرًا من رجال الأعمال، بالتوازي مع طرح الصين مشروع طريق الحرير الجديد البديل طريقًا جديدًا يكون بديلًا لخطوط التجارة العالمية التي تسيطر عليها أمريكا، وعرض عليهم المشاركة في مشروع تنمية محور قناة السويس، الأمر الذي يشكل تهديدًا لمصالح أمريكا في المنطقة، في حين رفض لقاء الرئيس الأمريكي أوباما أثناء وجوده في نيويورك لإلقاء كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لاعتراضه على كون اللقاء ليس رسميًّا، الأمر الذي صعد العداء بينه وبين الغرب.

بدا هذا العداء واضحًا بصورة كبيرة أثناء لقائه مع المستشارة الألمانية ميركل في أوائل 2013 حين طالبها بتزويد الجيش المصري بغواصات حديثة، إلا أنها رفضت وطلبت منه تعيين البرادعي أو عمرو موسى رئيسًا للوزراء بصلاحيات كاملة، الأمر الذي قابله مرسي برفض قاطع.

المشكلة الكبيرة أن تحركات مرسي الخارجية كانت عبارة عن إعلان حرب واضح ضد دول الخليج المعادية للثورة، وضد الغرب المعادي للإسلامين، بدون تطهير الجبهة الداخلية من فلول الحزب الوطني، وبدون تفكيك الدولة العميقة، الأمر الذي أدى لحشد أعداء التيار الإسلامي من الشرق والغرب من أجل الإسراع لإطاحته، وحتى لو صمد مرسي أمام الجبهة الداخلية لفترة، كانت التكتلات الخارجية المعادية للإسلام السياسي وللربيع العربي تسارع الزمن من أجل إطاحته سريعًا، قبل أن يتمكن من تثبيت حكمه، بسبب سياساته العدائية تجاههم.

الخلاصة أن الدخول في معارك جانبية مع القوى العميقة في الدولة المصرية كان يلزمه نقص الخبرة في كيفية التعامل معها ومحاولة تفكيكها وإخضاعها، إذ كان يلزم إخضاع المخابرات والرقابة الإدارة، وتعيين رجال من خارج المنظومة من أهل الثقة لإعادة تفكيك الوضع وترتيبه، وعدم ترك الفرصة لأصحاب الأجندات الخارجية لتنفيذ وتخطيط محاولات لإطاحة الإخوان، بدلًا من الدخول في معارك جانبية مع رجال الأعمال، كنجيب ساويرس، ومحمد أمين، وآخرين من المدارين من قبل الدولة العميقة.

رفض النصح

لم يستمع الإخوان لنصائح الشيخ حازم أبو إسماعيل وغيره من التيار الإسلامي الذي أعلن الحرب على الإعلام الليبرالي، بمجرد بدء تأييده محاولة اقتحام القصر الجمهوري، لكن مرسي كان يصر على التعامل الإعلامي مع الإعلام المناوئ، ويتجاهل الإعلام الإسلامي.

كما تكرر تحذير التيار الإسلامي للإخوان من تبعية حزب النور للأمن عدة مرات، ونصحهم الشيخ حازم قبل الانقلاب بأن ما يحدث في الساحة ما هو إلا تهيئة للرأي العام، والاستعداد للانقلاب العسكري، إلا أن قيادتهم قابلت هذه النصائح بعدم اكتراث، وبثقة شديدة في النفس.

كيف يعين وزير دفاع في مصر؟

عين مبارك محمد حسين طنطاوي رئيس الحرس الجمهوري وزيرًا للدفاع، إذ يترتب على رئيس الحرس الجمهوري الخضوع المباشر لرئيس الجمهورية، والانفصال عن الجيش وتنظيمه الهيكلي، الأمر الذي يقلل من وجود فرصة للتنسيق لعمل انقلاب عسكري، وهو ما قام به السيسي نفسه قائد الانقلاب من عزل وزير الدفاع صدقي صبحي، وتعيين رئيس الحرس الجمهوري محمد زكي، البعيد منذ فترة عن تنظيمات الجيش الميدانية، الأمر الذي يساعد بدرجة كبيرة على إبقائه معزولًا عن أي قوى انقلابية في ثكنات الجيش، ويصعب من محاولة إدارة أي انقلاب محتمل، بعكس مرسي الذي خضع لإرادة المجلس العسكري وقياداته أملًا في إخضاعهم مستقبلًا، وعين السيسي وزيرًا للدفاع، الذي له اتصالات بكل أجهزة الجيش بحكم منصبه، مما يسهل تدبير انقلاب عسكري بسهولة، وهو ما حدث بعد ذلك.

أمريكا وتدجين الجيوش الإسلامية

لم تفطن جماعة الإخوان أن ما حدث مع مبارك وتخلي الجيش عنه في 2011 ما هو إلا عقاب لمبارك لمحاولة توريث الحكم لابنه، وبـتأييد أمريكي كامل، إذ دعمت أمريكا منذ 2003 وجود معارضة قوية في مصر للضغط على مبارك لعدم تولية ابنه للحكم، لأن أمريكا تعتمد على الجيش المصري اعتمادًا كبيرًا في استقرار الحكم في تلك البقعة الساخنة في العالم، وتحافظ على تبعيته العسكرية لها وحدها.

كما فتحت الأبواب للجيش المصري بدعم أمريكي من أجل الدخول في الاقتصاد المصري عقب اتفاقية السلام في 1979، وهو نفسه تقريبًا ما حدث في الجيش الجزائري والباكستاني، عن طريق فتح المجال لتلك الجيوش للدخول في المشاريع الاقتصادية، وما يتبعه من ثراء فاحش للجنرالات، إذ يترتب على الجنرالات الخضوع التام لرغبات أمريكا طمعًا للترقي في تلك المناصب من أجل الحصول علي نصيبهم من كعكة الاقتصاد.

إذ دأبت أمريكا على السيطرة على الجيوش في البلاد الإسلامية الكبيرة والمؤثرة، مثل تركيا، ومصر، وباكستان، والجزائر، ضمانًا لسيطرة الجيوش على الشعوب المسلمة، وضمانًا لعدم خروج شعوب تلك البلاد ذات الجذور التاريخية الإسلامية العميقة والقوية عن سيطرة الغرب واستقلالها بنفسها.

نجاح أردوغان في معركة الإعلام

على النقيض من مرسي فقد انتصر أردوغان على أباطرة الإعلام بعد سنوات من العمل الدؤوب، من خلال متابعة ملفات الفساد ضد بعضهم، ورفع قضايا ضد المتجاوزين منهم، وشراء مقربين منه أسهم في بعض وسائل الإعلام تغييرًا لسياساتها التحريرية المناهضة للحكومة، ووضع الحكومة يدها على بعض وسائل الإعلام التابعة لرجال أعمال هربوا من البلاد خوفًا من القضاء، وفتح المجال الإعلامي على مصراعيه لكل من يريد أن يعمل فيه.

أردوغان أجل صراع الهوية

أجل أردوغان صراع الهوية، حتى إنه أرسل بناته للدراسة في الخارج أوائل فترة حكمه؛ بسبب منع لبس الحجاب في الجامعات التركية، ولم يشأ أن يصطدم بالعلمانيين المتحكمين في مفاصل الدولة، حتى إن القانون الذي أقره البرلمان لمنع حظر الحجاب في 2008 أبطلته المحكمة الدستورية لاحقًا، مما اضطره لأن ينتظر سنتين من أجل أن يصدر حزمة من التعديلات الدستورية عام 2010 ضد كل من المحكمة الدستورية والجيش، من أجل تقليص صلاحيتهما، وبدأ بسن قوانين لمنع حظر الحجاب بدءًا من عام 2012، أي إنه انتظر 10 سنوات كاملة من أجل الانتصار في معركة الهوية، بعد مناورات سياسية ناجحة مدعومة بنجاح اقتصادي مبهر ساعده في بسط نفوذه.

بين سياسة مرسي وأردوغان في الداخل

كانت سياسة الإخوان الداخلية تعتمد على المصالحة مع الجيش والشرطة وإعطائهم فرصة لمراجعة موقفهم، وعدم الاصطدام بهم، على خلاف تجربة أردوغان الذي سارع بإنشاء قوات خاصة للشرطة في بداية توليه لرئاسة الوزراء في مارس (آذار) 2003 بدعوى مكافحة الإرهاب، لكن الغرض الحقيقي هو حماية حكومته من خطر الانقلاب العسكري، إذ حدثت عدة محاولات لنشر الفوضى، والتمهيد لانقلاب عسكري مثل قضية المطرقة عام 2003، وقضية تنظيم أرغينيكون عام 2007، ومحاولة الانقلاب القضائي عام 2013، وأخيرًا الانقلاب العسكري عام 2016، إلا إن يقظة الحكومة التركية وشرطتها الخاصة ساهم في منع وقوع انقلاب عسكري، بالإضافة إلى يقظة جهاز المخابرات بقيادة حاكان فيدان.

خطة أردوغان للتمويه

نجح أردوغان بخطة التمويه التي قام بها لوقف أو تقليل موجة العداء لكل ما هو إسلامي، إذ استغل رغبة الشارع التركي في الدخول للاتحاد الأوروبي، ونفذ حزمة إصلاحات وتعديلات دستورية سميت بحزمة إصلاحات الاتحاد الأوروبي، والتي تشمل تحديد صلاحيات الجيش، وإلغاء عقوبة الإعدام، وحل مشكلة الأكراد، ومحاولة حل القضية القبرصية.

ربما كان هناك بعض التنازلات لكن في سبيل تقييد سلطة الجيش ومنعه من القيام بانقلاب عسكري، كما حدث مع تجربة أربكان عام 1997، والتي قوضت تجربته بعد أقل من عام.

نجاح الخطاب الداخلي لأردوغان

كان الخطاب الداخلي لأردوغان متناسقًا مع مدى قوته الداخلية، فهو إلى الآن لم يحصل على الأغلبية المطلقة التي تمكنه من تعديل الدستور، خصوصًا أول أربع مواد، والتي تمجد أتاتورك صانع الجمهورية التركية والأب الروحي للعلمانية التركية، لذلك فهو ملتزم بخطاب قومي إسلامي معتدل في ظل الظروف الداخلية والخارجية، وعلى الجانب الآخر ما يزال أردوغان يعمل على تخريج أكثر من 625 ألف طالب سنويًّا من مدارس إمام وخطيب بعد غلق مدارس مؤسسة الخدمة جولن، كما يعمل أردوغان على افتتاح المزيد من تلك المدارس، والتي تؤدي بعد فترة لتخريج أعداد كبيرة من الشباب المؤهلين لتغيير الخطاب الوطني من خطاب علماني لخطاب ديني.

سياسة صفر مشاكل مع جيران تركيا

نجح أردوغان في أول اختبار في السياسة الخارجية مع توليه الحكم في مارس 2003، بعد رفض البرلمان التركي التصويت لصالح استخدام الأراضي التركية أو الأجواء التركية من قبل الجيش الأمريكي لضرب العراق عام 2003.

كانت أمريكا قد طلبت من تركيا السماح باستخدام الأراضي التركية للهجوم على صدام حسين، وهو ما كان يرفضه أردوغان، بالرغم الوعود الاقتصادية لإنقاذ الاقتصاد التركي المتهالك وقتها، إذ عرضت أمريكا ضخ 9مليارات دولار في الاقتصاد التركي، بخلاف 30 مليار دولار منح وقروض لتركيا، لو وافقت على الحرب.

أصدر أردوغان وحزبه موافقة صورية للأمريكان، لكن أردوغان ترك لأعضاء حزبه حرية التصويت ورفض توجيه تعليمات بالتصويت، إذ كان الشارع التركي يرفض الحرب بصورة كبيرة، ويحمل الحزب الحاكم كل تداعيات الحرب، خصوصًا بعد خسارة تركيا لحوالي 100 مليار دولار من حصار العراق لمدة 12 سنة من 1991 حتى 2003، الأمر الذي أدى لتصويت 100 عضو من حزب أردوغان ضد القرار، مما أدى إلى تعطيل القرار دون إلقاء اللوم على أردوغان، من قبل الغرب.

تماهي أردوغان مع السياسات الأمريكية في المنطقة

إلا إنه من ناحية أخرى، وافق على مشروع نقل الغاز من وسط آسيا إلى أوروبا عبر تركيا؛ ليكون بديلًا للغاز الروسي المعروف بمشروع نابوكو، والذي تعطل لاحقًا بسبب التدخل الروسي، ووافق على مشروع مد خط غاز من قطر لأوروبا عبر السعودية والأردن وسوريا عام 2009، والذي تعطل أيضًا بسبب الضغط الروسي على سوريا.

كما وافق على مد خط الغاز العربي من مصر عبر الأردن وسوريا إلى تركيا ومنه لدول شرق أوروبا، في إطار إيجاد الخطة الأمريكية لإيجاد بدائل للغاز الروسي المهيمن على السوق الأوروبي «والتي شملت إمداد خطوط غاز من ليبيا والجزائر ومصر إلى أوروبا»، وسمحت له تلك الاتفاقيات بالضغط على إسرائيل لوقف قمع الانتفاضة، والسماح لحماس بالمشاركة في العملية السياسية بعد زيارته للقدس عام 2005.

أي إن سياسة أردوغان الخارجية حاولت كثيرًا منع التصادم مع سياسات واشنطن الخارجية في العراق وأوروبا ووسط أسيا، حتى يشتد اقتصاد تركيا ويتمكن أيضًا من السيطرة على مفاصل الدولة وتفتيت الدولة العميقة، كما تجنب أردوغان التصادم مع السياسة الخارجية لأمريكا التي تتعارض مع مصالح تركيا وتمكن بمهارة سياسية من الخروج من تلك الورطات السياسية بأقل الخسائر الممكنة.

هل يستحق الإخوان العودة للحكم مرة أخرى؟

يحاول قيادات الإخوان في الخارج التنسيق مع دول إقليمية وبعض القوى في أمريكا؛ لمحاولة الرجوع للحكم والانسياق لشروط الغرب، وهو ما حدث إبان فترة حكم أوباما، إذ رفض الرئيس الأمريكي السابق تولي السيسي للحكم مفضلًا شخصية مدنية مثل البرادعي أو جنرال سابق مثل أحمد شفيق «وهو السبب الرئيسي في هجوم الإعلام المصري وقتها على أوباما وهيلاري كلينتون وجون ماكين)، لأن أوباما كان يرغب في أن يخرج الانقلاب بصورة أليق كما حدث مثلًا في البرازيل وأطاح الرئيسة ديلما روزيف بانقلاب قانوني، ودون سقوط دماء ودون أن يتولى الجيش الحكم مباشرة، ويرى أنه من الأفضل أن يحكم الجيش من وراء ستار، وهو ما كان يحدث في باكستان وموريتانيا مثلًا، إذ يميل الرأي في أمريكا إلى أن يتولى الحكم في الدول التابعة لأمريكا سياسيون محسوبون على الجيش، بدلًا من الحكم المباشر للجيش الذي يتسبب غالبًا في حدوث أزمات سياسية.

دعمت أمريكا تلك الحلول للحفاظ على الاستقرار السياسي للمنطقة، وأن يرجع الإخوان خطوة للوراء، كما حدث في تونس مقابل الاصطفاف مع القوى العلمانية، لكن مساعي الإخوان في الاصطفاف مع قوى 30 يونيو (حزيران) كللت بخيبة أمل كبيرة؛ بسبب نجاح ترامب اليميني المتطرف في الفوز بكرسي الرئاسة الأمريكي أواخر 2016 على عكس المتوقع .

إذ أدي وقوف أوباما ضد رغبة السيسي في تولي الحكم إلى دعم عكسي من إسرائيل واللوبي اليهودي في أمريكا للمرشح الجمهوري، كما سارع ولي عهد الإمارات بدعم جهود روسيا لوصول ترامب للرئاسة، عن طريق لعب دور الوسيط بينه وبين الرئيس الروسي بوتين، ونجحت مساعيهم بوصول ترامب، الذي دعم السيسي بقوة في كرسي الحكم، وزاد من شراسته مع الإخوان، وكان لتنفيذ بعض الإعدامات في صفوف المساجين السياسيين، رسالة قوية أنه مدعوم بشدة من الغرب.

كلمة أخيرة

لتجنب تكرار الفشل الذريع ينبغي لقيادات الصف الثاني والثالث من الإخوان أن يدرسوا تاريخ النظام العسكري في مصر منذ عهد محمد علي حتى اليوم، كما ينبغي لهم دراسة الصراعات الجيوسياسية والعقائدية التي تمر بالمنطقة، وأخيرًا يجب عليهم الاستفادة من التجربة التركية والماليزية في النهوض الاقتصادي، والتحرر من التبعية للغرب، قبل البدء في محاولة السعي للوصول إلى السلطة مرة أخرى، وأن يخرجوا من عباءة القيادات التاريخية التي مضت نصف عمرها في السجون وتشكل وجدانها الفكري داخل أقبية سجون العسكر؛ لأنهم صاغوا تجربة شابها عدم وضوح الرؤية، وسوء تقدير للأمور، وعدم الرغبة في التصادم مع النظام العسكري في مصر ومجاراته بسبب رفض تلك القيادات لمبدأ الصدام، مما أدى في النهاية إلى استشهاد الآلاف من خيرة أبناء ذلك البلد في رابعة والنهضة، وخسارة جيل كامل من الإخوان بين قتيل وجريح ومشرد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد