الكتابة هي أحد فنون التعبير عن الأشياء والمشاعر بالكلمات والعبارات، وأحد أهم المؤشرات على مدى ثقافة المجتمع ووعيه، فالكاتب يعبر عما يجول من حوله من تحولات وثقافات وتداخلات مجتمعية. وفن كتابة الرواية بقدر ما يحمل الموهبة التي يجب أن يتحلى بها من يتصدى لهذا العمل الجليل، فإن لها عوامل مساعدة أخرى هامة تقف وسيطا بين القارئ والمؤلف، ومنها وظيفة التحرير.

ولا أعني بالتحرير ما هو متعارف عليه في دور النشر والصحافة في بلادنا، فالمشهور عندنا أن وظيفة المحرر تنحصر غالبًا في تنفيذ ضوابط النشر التي تضعها المؤسسة التي يعمل بها، من حيث الحجم وسلامة اللغة ومراعاة الآداب والسياسة، دون أن يكون له تأثير فعلي على النص المقدم.

أما التحرير بالمنطق الغربي الأدبي فهو علاقة بين المحرر والكاتب من أجل ضبط وتقويم هذا التعبير الخام، فيلخص ويوجز ما أسهب الكاتب في وصفه، وفق قواعد ضبط وتقويم تعكس الجدية والحزم وعدم التهاون في التعامل مع النص. بينما إصلاح الأخطاء الإملائية أو التنسيقية والشكل، هي وظيفة المراجع اللغوي والمنسق، وكلاهما يفترض أن يقوم بعمله بعد انتهاء المحرر من صقل النص وإظهار جمال الموضوع. وبلغة القانون فإن وظيفة التحرير الأساسية هي الكشف والإظهار، أما الخلق والإنشاء فمهنة الكاتب المبدع. وطبيعي أن يكون الكشف فقط عن الجميل البديع، أما القبيح فلن يستطيع أبرع المحررين أن يجمله.

فالكاتب ينطلق في إعتاق ما بداخله أو يجول بخاطره من أفكار وأحاسيس؛ دون قيود من حجم أو تطويل، أو تدقيق في وصف بعض التفاصيل التي قد لا تعدو أن تكون حشوًا لا فائدة ترجى من وجوده؛ ولا خلل مضر من غيابه. أما المحرر فيأخذ عمل الكاتب ويضعه بصورة لائقة أمام القارئ، كما يضع عقل القارئ – من واقع خبرته بالنشر والتوزيع – أمام المؤلف ليعرف ما الذي يريده المستهدف بالكتاب، لذا فالمحرر هو قناة توصيل لرسالة بين طرفين؛ المؤلف والقارئ.

وقد لا يعرف الكثيرون أن كتابًا عالميين كبارًا مثل سكوت فيتزجيرالد وأرنست هيمنغواي قد ساعدهم محرر يدعى ماكسويل بيركنز؛ كان يقبع خلف أوراق تغطي مكتبه الصغير في دار نشر «أبناء تشارلز سكريبنر» في مدينة نيويورك، وربما تمر عليه ولا تدري بوجوده في المكان. ومنذ عدة عقود اتخذ بيركنز قرارًا بتقديم هؤلاء المؤلفين المغمورين إلى الجمهور بعد أن رفضتهم معظم دور النشر، وكانت النتيجة هي النجاح المبهر، وتحولوا إلى علامات مضيئة على طريق الأدب الروائي.

في فيلم العبقري (Genius) يلعب الممثل القدير كولين فيرث دور المحرر ماكسويل بيركنز، ويحكي قصة ظهور اثنتين من أكثر الروايات توزيعًا في ذلك الوقت لكاتب لا يعرفه أحد هو توماس وولف. وتبدأ القصة حين يطلب أحد زملاء بيركنز، في دار النشر، منه أن يطلع على كومة كبيرة من الورق مجاملة لصديقة له، وبالفعل يأخذ المحرر الأوراق ليتصفحها سريعًا في القطار أثناء رحلة عودته اليومية لمنزله.

وللمفاجأة يستغرقه النص تمامًا ولا يستطيع أن يتركه حتى يتمه للنهاية. وفي اليوم التالي يصل المؤلف «وولف» ليأخذ أوراقه وهو موقنٌ أن الرد المتوقع هو الرفض، فهو قد سبق وعرضها على كل دور النشر بالمدينة ولم يجد عندهم سوى الرفض. لكنه يفاجأ بقبول الناشر، بل يعطيه أيضًا مبلغ 500 دولار مقدمًا (وكان مبلغًا كبيرًا في ذلك الوقت)، في حين أنه لم يجد من قبل من يدفع في روايته عشرة قروش.

وتبدأ الرحلة؛ ويقضي الرجلان معظم الوقت سويًا في جدال وعراك، فالمحرر يريد أن ينزل بالنص من آلاف الصفحات إلى بضع مئات فقط تحمل روح وجمال الموضوع وتصل بالقارئ إلى كل الرسالة. والمؤلف يرفض أن تقتطع بنات أفكاره، أو تختصر عباراته التي استخرجها من أحشائه.

كان توماس وولف من القلائل الذين يعانون من تدفق الكتابة، فعلى العكس من معظم الكتاب الذين يعتصرون أفئدتهم ليستخرجوا بعض العبارات. كان ينطلق في الكتابة حتى ليجعل الفقرة الواحدة من عدة صفحات متصلة بلا انقطاع أو حتى علامة ترقيم، كان لديه موهبة برية تحتاج فقط إلى ترويض.

ويفلح المحرر العبقري بيركنز من تخليص النص من شوائبه، وتوصيل ما انقطع من حبال سرده عبر حكايات جانبية لا طائل منها، أو أوصاف مغرقة في التفاصيل بلا داع. ويحول مخطوطات المؤلف المكونة من 5000 صفحة؛ إلى كتاب جاهز للتسويق والقراءة. ثم تصدر الرواية بعد عدة أشهر مضنية، وتوزع 15 ألف نسخة في أول أسبوع، وتترجم إلى العديد من اللغات.

أحداث كثيرة في حياة وعلاقة المحرر والمؤلف يناقشها الفيلم، حتى ينتهي بوفاة الكاتب بعد أن بلغ ذروة الشهرة، لكن ما يجذبنا أكثر في تلك الأحداث هو كيف عانى المحرر ليقنع الكاتب بقبول رؤيته في التحرير؛ خاصة أثناء العمل على الكتاب الثاني، الجديد والأخير لتوماس وولف.

وإن كان الكتاب الأول جاء في كومة كبيرة من الورق المطبوع على الآلة الكاتبة ويحملها رجل على ذراعيه؛ فإن الجديد جاء به المؤلف في صناديق يحملها العديد من الرجال، وأوراقه مكتوبة بخط اليد، لتحمل جنون وإبداع الموهوب. ومرة أخرى يعاني المحرر في تهذيب النص ومحاولة إيقاف الكاتب عن الكتابة والإضافة إلى الرواية، ويستغرق منه التحرير أشهر كثيرة تعذيبية، ويصدر الكتاب بعد أن اكتمل عامين بين تأليف وتحرير وتصحيح.

الفيلم ملهم ويثير الرغبة في الكتابة لمن يملكون ويعلمون هذا الشغف، ويؤكد أن خلف الستار أناس يصنعون النجاح ولا يشعر بهم أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب
عرض التعليقات
تحميل المزيد