عادة ما تفتقر العلاقات إلى فضاء اتصالي جيد، وتزداد حاجتنا لجودة البيئة الاتصالية كلما كانت العلاقات بين المفردات متقاربة ومتداخلة. إن مساحة ما بين الكاتب والفكرة قد لا تسمح له بالتأمل في طبيعتها ومتطلباتها، وإن كان ذلك مهمًا وضروريًا.

في مبتدر الصبا الفكري، ينصب اهتمام الكاتب على ما بينه وبين اللغة، وفي مرحلة تالية يشرع في التخفف من قيود اللغة لصالح الفكرة، وقد يهتم بدرجة أكبر بالقوالب على حساب المضامين، وقد يعيش صراعًا بين التركيز في الفكرة، وإدمان القوالب. أما في مرحلة النضج الفكري، فيلتفت إلى مستوى ما بينه وبين أفكاره المنتجة، بغض النظر عن قوالب عرضها أو مراكز تسويقها.

لا تهتم بكونك كاتبًا

مما يؤخر نضج الكاتب وصاحب القلم، انشغاله ببريق الصفة عن محتواها. في مقال سابق عن تصميم الصفات الشخصية انتقدت وصف الكاتب لنفسه بصفة «كاتب»، أو «مدون»، وذكرت أن تلك الصفات ما هي إلا «أوصاف موجزة» تستخدمها الجهات الإعلامية لتسويق ضيوفها، والاحتراس مما قد تسببه الصفات الوظيفية من مشكلات قد تكلفها معنويًّا وماديًّا.

إن ما يدفع كثيرًا من الكتّاب للاحتماء ببريق الصفة، فقدانهم لصفات اجتماعية أو مهنية ميدانية حقيقية تعبر عنها كتاباتهم وإنتاجاتهم الفكرية. إن ما ننتجه من أفكار بغض النظر عن قوالب العرض، يفترض أن يمثل امتدادًا لأنشطتنا الحقيقية في عالم الواقع. وإذا اتسعت مساحة ما بين نبض الورق، ونبض الواقع فإن ثمة أوضاعًا غير جيدة تتطلب التدارك.

مهن ذوات بريق

يقول السياسي والمفكر السوداني عازي صلاح الدين العتباني في تفسيره لتعظيم الناس لما تكتبه الصحف: «إننا أمة كتابية، والأمم الكتابية لارتباطها بكتبها المقدسة فإنها تعظم كل مكتوب، وتسقط عليه شيئًا من القداسة». ويتبع تعظيم المكتوب تعظيم الكاتب، لتتكون صورة زاهية ومضخمة للمهن المرتبطة بالكتابة، وقد لا يهتم بعض الكتّاب بالخلفيات المذكورة، مما يدفعهم للغرور أو النظر إلى أنفسهم بمرآة مكبرة.

ليست قدرة خارقة

الكتابة أداة للتعبير والتواصل ليس أكثر، والكاتب كالمتكلم يعمل على نقل فكرة إلى طرف آخر مشارك له في الفضاء الاتصالي، سواء كان قريبًا أو بعيدًا، وليست قدرة خارقة، أو موهبة معجزة.

في أنشطة تعزيز الهوايات، يبحث المدربون عن أكثر الهوايات المشتركة بين الطلاب، للشروع في تنميتها وتطويرها. ويرى مختصون أن أنشطة الاتصال هي أكثر ما يشترك فيه الناس، ولا يمكنهم الاستغناء عنه. إن الكتابة من أهم أدوات الاتصال في عصر تزداد فيه الحاجة إلى تواصل كتابي واسع النطاق، وبرأي المهتمين أن الأميين ليسوا وحدهم من سيعاني من صعوبة استخدام أدوات العصر، وإنما العاجزون عن الكتابة أيضًا.

ويستخدم المدربون في برامج تعزيز الهوايات نموذجًا تدريبيًا يصنف هوايات الطلاب إلى أربعة أقسام، وبحسب النموذج فإن أنشطة الكتابة والرسم تقع ضمن الأنشطة المهنية والإنتاجية باعتبارها «عملًا وإنتاجًا ذهنيًا» إلى جانب الأعمال المهنية الأخرى والإنتاجات المادية. ويرى بعض المدربين أن نموذج ASC يسهم بشكل فعال في تعزيز الأنشطة المفضلة للطلاب باعتماده على تصحيح فكرة «الهواية» نفسها في أذهانهم، واهتمامه بالأنشطة الاتصالية كمشترك بين الأشخاص.

اتجاه تركيز الكاتب

بحكم عمله في فضاء اتصالي واسع، تترتب عنه تفاعلات اجتماعية كثيفة ومستمرة، قد يفقد الكاتب السيطرة على زورقه، ويضطرب بين الاهتمام بالقراء، والمتلقين، والحرص على إنتاج وكتابة ما يعجبهم ويرضيهم، أو الاهتمام بتنميق مفرداته وامتطاء جديد المصطلحات وغريبها لمغازلة أصحاب الفضائيات والمنابر.

إن الكاتب بحاجة إلى تجويد مستوى الاتصال بينه وبين أفكاره؛ حتى تكون كتاباته وإنتاجاته عقدًا منتظمًا يسهم في تراكم المنتج المعرفي، ولا يتأتى له ذلك برأيي إلا باتصال جيد آخر بين منتجه الفكري، ومجال نشاطه الحقيقي على أرض الواقع. وتحكي الأوساط الرياضية عن طائفة كبيرة من الكتّاب والمحللين المتخصصين في «الكرة»، ولم يخسروا قطرة عرق واحدة في ملاعبها. وفي مختلف المجالات لن تجد صعوبة في التفريق بين المزارع حين يكتب عن دورة حياة الشجرة، وبين من يحدثك بأسلوب مبهر عن ميزات زراعة القمح في المناطق المطيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد