(ساعةُ الصِّفر) كانت رواية زاخرة للكاتب المبدع عبد المجيد سباطة قرأتُها قبل مُدة، ثم طويتُ صفحتها لأبدأ صفحات متعاقبة مع سيرةِ عالَم محزون، مغلوب بالقوة الثالثة؛ صفحاتٌ حاولتُ بحثًا عن موضع لها من الفهم في كياني حتى أستسيغ بها أحداث القصة السابقة، وأجعل السيناريو في الحلة التي يستطيع تقبلَها عقلي المهلوسُ هذا؛ لكنني لم أفلح وأصابني ذلك بالذُّعر حقًا.

لقد فُقست البيضَة بغير الفرخ المأمول الذي انتظرْتُ، لكِنّني أمّلتُ خيرًا في رماديّته أن يصيرَ بجعًا جميلًا، تمامًا كقصة تلك البطة القبيحة في قصص الأطفال؛ صبرت دومًا على الاستهزاء من ريشها وشكلها المختلف من عائلتها، وكبرت ليندهش الجميع بأنها صارت من أجمل طيور البجع المحلّقة عاليًا وبعيدًا عن عنصريّة من نشأت في حضنهم! المهم.. لقد كان أملي وأنا أشهد استعادة التاريخ نفسه، أن ينصف بطل المذكّرات في الرواية، وأن أعثر على الخيط الذي يربطُنا بعزمه المشرئب الذي لم يبحث فيه عن سبل تخليدِ عظمته، هو الذي لم يتخذ له وطنًا إلا بحثَه عن الحقيقة، ورِهانَ تضحيتِه من أجل الحرية والعدالة حيثُما حلّ.

لقد ظننتُ يا سادتي بعد ملحمته بين فرنسا والمغرب والبوسنة، وبعد أن نجى من الموت المحقق فيها مراتٍ حتى غدا لغز اختفاء في النهاية؛ أن يكون قد اهتدى لما يُعيد وصاله بوطنِنا ويستعيد ساعة يدِهِ ليُقرّرَ تشغيلَها، بعد وقوفها المُحبِط في ساعة الصفر لسنوات. لقدْ كان أملي أن ينشر البجعُ وقد كبر مذكّراته المؤثرة ويُعلن من علياء سمائه التي سيحلق فيها عن اسمِه البديع متألّقا في محافِل الصحافة والأدب والإنجاز، مؤرّخًا ورمزًا وقُدوةً.. لكنّني لم أر في كل أحلامي إلا نزول فواجع خاشقجي والقطار والساعة، بغير إنذار ولا استشارة!

ماذا لو كان بطلُ الرواية هو البطل خاشقجي نفسه، وقد ظهر في أمريكا بصوته وقلمه المنصف إلى العالم يروي مخرجات تجربته، ربّما يأتيه الحنين حينها لذلك الحُبّ الذي لم يجد شريكا له فيقرّر السفر إلى المغرب بحثا عن سبل وصاله، وينطلِق به إلى تركيا وجهةً للاستقرار وملاذًا للرّاحة بعد كلِّ ذاك العناء.

قد لا يسُرّ السّعودية أنّه قد ظهر بعد كل تلك الأهوال التي خاضها طبيبًا فرنسيًا في حرب البوسنة ضد الصرب، لقد كان متحيزًا لقضية المسلمين المضطهدين هناك، ولهذا سيسقط في ورطة اشتباهه مع تنظيم الإخوان، وليس بالهيّن عليها طبعًا أن تصُمّ أذنيها عن استمراره في الدفاع عن الحق حيثما كان. لا أعلم محل القُنصلية السعودية من قصّتِه، إلّا أن تكون سعيدة بتوثيق ملحمة حُبه التي بلغ صداها الآفاق، وتستأثر بزعمها منحَهُ الجنسية على طبقٍ من ذهب يُتوِّجُ به سيرتَهُ المُخضرمة باللغات والجنسيات والبحث عن الوطنية الصادقة!

هل صحيحٌ أن البطل كان يستطيعُ حياةً مُشرقة إن أفصح عن هُويّته؟ يضرِبُ المنشارُ ساعتَه ليوقفها في أصعب لحظات حياته مجدّدًا، ويخلّدُ المغربُ ذكراه بإيقاف ساعة البلد بأكملِهِ عن الرجوع لأصلها؛ فرنسي ولد في المغرب، وحُق لنا أن نتضامن مع شركات وطنِه الذي عاد لساعته الطبيعية، فيُصبح لنا التوقيت ذاتُه، ونأمن على اقتصاد فرنسا من أن يضيع بسبب علاقاتٍ متعثرة بسبب تفاوت التوقيت. يعودون ونأبى عودةً تُضجِرُ الشَّهيدَ في قبرهِ يا سادتي!

يكفيكِ هُنا، وقِفي عند ساعة الصّفر.. إنّكِ تهذين!

ساعةُ الصّفر كانت بداية جديدة لبطل الرواية، وما أريدُها نهايةً له، لكنها الحقيقة: إنّه الصفر الذي لا يمكن أن نجزمَ معه شيئًا، يطلِقُ سيناريوهات في لحظة ويُضمِر أخرى؛ تبدأ من اللاشيء وتنتهي مع براءةٍ طُفوليّة تستقبِلنا تُزوّق المشهد لتمحو أثر الصدمات!
نعم إنّني أهذي، بل أُهلوسُ يا نسيم، وليس عليك أن تُراوغ بعدُ في هذا.. حقيقة واضحةً يتيمةَ الأصدقاء!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد