مرة بعد مرة تتحسس أنوف الجزائريين رائحة القذارة تجوب الجو الاجتماعي والفكري في البلد، ولا شك أنه لا يختلف اثنان في مصدرها ومحل انبعاث هذه القذارة الفكرية التي تُزكِم الوعي الجزائري وتغير المزاج العام لهذا المجتمع أسبوعًا كاملًا. فقد عودتنا قنوات الصرف الصحي التي تتبنى أجندات معروفة سواء داخلية عمِيلة ومدفوعة ومعروفة التوجه، أو صاحبة أجندات خارجية فرنكفونية مناقضة لمقومات وهوية المجتمع الجزائري، وهذا بفعل تلك البرامج المعروضة في بلاتوهاتها والتي تشبه في طرحها أكياس الحفاضات العفنة وعلب البيض الفاسد.

آخر خرجة كانت لأحد أفران الوعي الجزائري، وفي إحدى حملات سقوط الثياب التي تتعمدها هذه القنوات كعجوز في التسعين تريد بجسدها المترهل فتنة الشباب الكامل الفتوة، ذلك الجسد الذي يجزم الجميع أنه يحتاج جولة لحمام «المسخوطين» في قالمة.

قناة Beur TV على برنامجها Emission Impossible الذي يقدمه مروان بوذياب وقطب رحاه الفرونكفوني الليبرالي عبدو سمّار صاحب موقع Algérie focus، ويَعرف الجزائريون هذا الأخير عبر ما يثيره موقعه وتصريحاته مرارًا من استهجان المجتمع لمناقضته ثوابت المجتمع الجزائري ومثال ذلك: تطاوله على ثورة التحرير، دفاعه عن المثلية الجنسية والعلاقات العاطفية المفتوحة. يحاول طاقم هذا البرنامج كسر التابوهات السياسية والاجتماعية وإثارة مواضيع قد تكون أحيانًا جريئة ومهمة، لكنها هذه المرة قد جنَت على نفسها براقش.

كان الضيف الرئيس في البرنامج سعيد جاب الخير، خريج جامعة خروبة تخصص علوم إسلامية، الذي يقدم نفسه على أنه باحث في التصوف والطرق الصوفية وله كتاب بهذا الشأن، ولك أن تتذكر معي بعد قراءتك للفظة «تصوف» ما فعله هذا النمط من التدين من «أفينة» للشعب الجزائري عبر تاريخه، هذا الشعب الذي لم يتسن له الاستفاقة من نشوته وثَمَلِه الصوفي إلا ويتفاجأ بالاستعمار الفرنسي على مواني سيدي فرج. بل إن مقولة ماركس عن الدين تنطبق تمامًا على هذا النموذج من التدين المثالي الحالم الذي يُخرج معتنقيه وأتباعه عن الواقع ويحشرهم في جولة مع الأفيون المعنوي في زوايا الدروشة وبين جنبات الخرافة والوهم، وبينما كانت أوروبا تطور في المنهج التجريبي والنظريات العلمية الأساسية من لدن عصر النهضة وما بعده، كان المتصوفة ومن شابههم من بائعي الأفيون يبحثون عن سبل للعشق الإلهي والغياب عن «هذه الدنيا الدنيئة» والبحث عن مراتب وهمية راحوا يتنافسونها.

فمنذ مدة يصول هذا الرجل ويجول في المنابر الصحفية المكتوبة والمرئية ويقيم الندوات عبر ملتقاهم «ملتقى الأنوار للفكر الحر» الذي ليس له من اسمه نصيب. جاب الخير، كلما وجد جُحرًا إعلاميًا دخله متجرئًا بطرحه الضعيف الهزيل مستخفًا بعقول من استضافهم ومن يستمع إليه، زاهيًا بما يقول، حيث ينطبق عليه قول الشاعر:

لو أن لي من جلد وجهك قطعة *** لقددت منها حافرًا للأشهب

هذا الرجل قد أمرض أمعاء متابعيه بأطروحاته «البايتة» التي يستخرجها من الثلاجة في كل ملتقى أو ندوة، مجترًا فيها أطروحات الحداثي الفرنكوجزائري محمد أركون.

محمد أركون مفكر حداثي يهدف مشروعه الفكري لجعل عالمنا الإسلامي نسخة من العالم الغربي سواءً بسواء في جوانبه الاجتماعية والثقافية، ولَيْت مشروعه كان في تقليد الغرب في تكنولوجيا النانو أو الطاقات المتجددة بل كان مشروعه حوض حمض يريد أن يذيب فيه ثقافتنا وديننا رغم أنوف الجميع مشارقة ومغاربة، فحرية أتباعه من الحداثيين والليبراليين الجزائريين لا حدود لها، فلا تتوقف حتى تتدخل في ملابسك الداخلية وحجاب زوجتك أما حريتك فهي عند أقرب مِكَب قمامة من بيتك. يتناسى أركون في مشروعه هذا عمدًا المسيرة التاريخية المتناقضة بين العالَمين الإسلامي والغربي وخطَّيْ الإنتاج المختلفين لكل من واقِعَيْهما وظروف كل منهما الفكرية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وممارسًا لجهل فج في نقده للتراث الإسلامي مستعملًا فلسفة عبثية لا علمية بالمرة، لا تعطي اعتبارًا لثابت ولا لمقدس وهي فلسفة التفكيك لصاحبها جاك دريدا الذي عاصره أركون في فرنسا وتأثر به كما تأثر بغيره.

يزيل محمد أركون القداسة عن القرآن وينفي الاعتماد العلمي والشرعي للسنة النبوية راميًا إياهما بجهله من أرضية الأعداء ومستعملًا طرائقهم، إنها سبيل أولئك المستشرقين الذين ناصب أغلبهم من قبل حملة نابليون على مصر إلى اليوم العداء لمجتمعنا وتاريخنا وارتباط اسمهم كعاضد للاستعمار في بلداننا وما معهد تراند عليكم ببعيد. يستعمل هذا الهالك المنهج التاريخي والفيلولوجي الذي استُعمله لعلاج إشكالات كتب النصارى واليهود المقدسة – مخطوطات التوراة والإنجيل – وما حملهم على ما اكتنف مخطوطات كتبهم من ترجمة وتحريف وعدم تطابق وضياع وإشكالية إثبات النص، إذ لا تعدو أن تكون في المستوى العلمي للقصيدة الملحمية الأسطورية إلياذة هوميروس. لم يكتف أركون للنظر للعالم الإسلامي من هذه الزاوية بل رفع كعبه مقتفيًا المستشرقين في نظرتهم الدونية للموروث الإسلامي والعالم الإسلامي ككل.

يهمل أركون كون القرآن الكريم نصًا إلهيًا مقدسًا ثابتًا بالأدلة المتواترة الراسخة، مُنزلًا القرآن لقيمة كتاب بشري وُجِدَ منذ مئات السنين، وقد نازع في قداسته باستعمال الهوس الحداثي بالتفسيرات السياسية غير الموضوعية واللاعلمية بالمرة بل والساقطة تاريخيًا. ويكتنف هذا الوهم الأركوني ضعف الرجل العلميَّ بالتراث، وكيف لا وقد تصدر لنقد التراث وهو قد تكاسل عن قراءة كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي واكتفى بالفهرس كما يخبر عن نفسه! ولأجل هذه الجهود «الجبارة» اكتسب أركون مكانة ما عند الغرب في مشروعه الذي يسحب فيه العالم الإسلامي لقبو المنازل والحدائق الخلفية، فقد نال لصنيعه هذا في احتراف التخبط والعشوائية والولاء للغرب جوائز عدة منها وسام «جوقة الشرف» برتبة ضابط الذي قلده إياه الرئيس الفرنسي جاك شيراك!

المنهج المعرفي الصحيح هو ذلك المنهج الذي يكون متفقًا مع طبيعة المعطى المدروس سواء كانت أحداثًا تاريخية أو ظواهر طبيعية أو ظواهر اجتماعية ويتشكل وفقًا لما يقتضيه الوصول للحقيقة الموضوعية خارج الذهن بُغية الوصول للمعرفة، ولك مثال في الجهود الجبارة لعلماء الحديث الذين شكلوا منهجهم للتثبت من نسبة أقوال النبي – صلى الله عليه وسلم – وتصنيفها منطلقين من الواقع الموضوعي إلى الذهن وفقًا شروط صارمة، وبين أعينهم حديث متواتر لمن نذروا حياتهم لتقصي أقواله وأخباره وأفعاله وهو قوله: (من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار).

أما التلفيق المنهجي بكل معنى الكلمة فهو استعمال المنهج الصحيح لتقصي مادة ما ذات حيثيات مختلفة عن طرائق المنهج وسبله، فينشأ هنا التناقض مع الواقع والفكر بدون شك. وهذا هو المطب الذي سقط فيه أركون وأنصاره وكان هو محل ضعفهم المنهجي واضطراب نتائجهم. أما جاب الخير الذي وصفه المبهورون به في ملتقى الأنوار الحداثي في بيان شجب للاستهجان الشعبي ضد طعنه في السنة بأنه «وريث محمد أركون»! أجزم أن هذا وريث عاق بأبيه الروحي وأضعف منه لحد يفرض نفسه على العقلاء من أتباعه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد