الدولة العميقة مصطلح قديم حديث، برز بقوة إبان ثورة 25 يناير المصرية وتداوله نشطاء وإعلاميون مهتمون بالشأن المصري، ومن قبل ومازال النظام التركي الحالي يحذر منه ومن محاولاته الساعية إلى إحداث انقلاب على الديمقراطية بأي شكل من الأشكال. فيما يُعرّف البعض الدولةَ العميقة بأنها مجموعة من التحالفات النافذة المناهضة للديمقراطية داخل النظام السياسي، وتتكون من عناصر رفيعة المستوى داخل أجهزة المخابرات (المحلية والأجنبية)، والقوات المسلحة والأمن والقضاء والمافيا والميليشيا، إذ أن فكرة الدولة العميقة مشابهة لفكرة “دولة داخل الدولة”.

وعلى وفق نظرة المعتقدين بوجودها، فإن أجندات الدولة العميقة تتضمن الولاء للقومية أو للحزب أو لشخص بعينه، وقد يتم توظيف العنف ووسائل الضغط الأخرى تاريخيًا بطريقة خفية في الأغلب؛ للتأثير على النخب السياسية والاقتصادية لضمان تحقيق مصالح معينة ضمن الإطار الديمقراطي ظاهريًا لخريطة القوى السياسية.

أما في العراق “الجديد”، عراق ما بعد الغزو الأمريكي 2003، فإن تحذيرات أطلقها المتعاقبون على إدارة السلطة فيه، من عودة البعث وتعليق كل ما يحدث في العراق من عمليات قتل وتفجير على شماعة البعث “الصدامي”، قبل أن يدخل الإرهاب و”داعش” وبقوة على المشهد العراقي، ليحل محل البعث. إلا أن أحدًا لم يذكر كيف أن “داعش” ظهرت في توقيت فاجأت به الجميع بعد شهرين فقط من إنتهاء الانتخابات النيابية في نيسان 2014، في وقت كانت فيه الحوارات السياسية قد بلغت ذروتها بشأن من يتولى رئاسة الحكومة الجديدة، مع اتساع دائرة الرافضين (داخليًا وخارجيًا) لتولي رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ولاية ثالثة.

فوضى أمنية

وفي الوقت ذاته كانت المحافظات السنية (موصل, أنبار, صلاح الدين, ديالى, كركوك) قد اشتعلت بعد أن ترك أبناؤها ساحات الاعتصام حاملين سلاحهم، ردًا على رفض حكومة المالكي تنفيذ أي مطلب مشروع لهم بعد عامين من التظاهرات السلمية, بل وعلى العكس فقد أقدمت الحكومة على اعتقال أحد أبرز رموز ساحات الاعتصام بمحافظة الأنبار أحمد العلواني، الذي كان في وقتها عضوًا بارزًا في مجلس النواب العراقي ويمتلك حصانة، إضافة إلى اقتحام ساحة اعتصام الأنبار ومن قبلها ارتكاب مجزرة في ساحة اعتصام قضاء الحويجة بمحافظة كركوك راح ضحيتها عشرات القتلى من المدنيين العزل.

وبالرغم من كل هذه التطورات في الساحة العراقية بقي الجدل مستمرًا بشأن رئيس الوزراء المقبل وضرورة أن يكون مقبولًا من جميع الأطراف السياسية؛ لتوحيد الصف الداخلي والوقوف بوجه تمدد تنظيم “داعش” الذي سيطر على الموصل وأجزاء كبيرة من الأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك، ليخرج المالكي في تصريح مثير للجدل أطلقه خلال كلمته الأسبوعية قال فيه: إن أية محاولات غير دستورية لاختيار بديل له في رئاسة الحكومة سيفتح “أبواب الجحيم” في العراق. والرجل يعني ما يقول، فقد جرب العراقيون الُسنة طوال 8 سنوات من حكمه، حين قال لهم مقولته الشهيرة “انتهوا قبل أن تنهوا”، في إشارة إلى إنهاء التظاهرات، حيث عصفت بالعاصمة بغداد موجة اغتيالات طالت العشرات من أبناء المكون السني وعلى رأسهم الشيخ قاسم المشهداني، القيادي وملهم الشباب بساحات اعتصام العاصمة بغداد، على يد ميليشيات مسلحة اتهمتها أطراف سياسية ودينية سنية بأنها تخضع لإمرة المالكي.

زرع النفوذ داخل الدولة

وبعد أن يئس المالكي الذي كان قائدًا عامًا للقوات المسلحة العراقية، ووزيرًا للدفاع والداخلية، وقائدًا لجهاز المخابرات بالوكالة طيلة فترة حكمه التي استمرت ثماني سنوات، وتنبه إلى طبخة سياسية تعد من أطراف سياسية داخل كتلته النيابية سارع إلى اتخاذ قرارات عدة خلال شهر واحد أرسى خلالها دعائم صلبة يصعب اقتلاعها في مؤسسات مهمة وحساسة بالدولة، كان من أبرزها تنصيب أمين عام مجلس الوزراء علي العلاق محافظًا للبنك المركزي، وتعيين مدير مكتبه حامد خلف أحمد خلفًا له في أمانة المجلس، وتنصيب النائب السابق المقرب من المالكي علي الشلاه أمينًا عامًا لشبكة الإعلام العراقي، إضافة إلى تعيين مستشاره الإعلامي علي الموسوي مديرًا عامًا في وزارة الخارجية، وتعيين ضياء القريشي مدير المالية في مكتبه وكيلًا لوزير التخطيط. أما باقي القرارات فلا تعرف الكتل السياسية بشأنها الكثير لأنها سرية، ويتحدث نواب خلف الكواليس عن قيام المالكي بتعيين العشرات من الموالين له في دوائر أمنية وحكومية حساسة وإحالة آخرين للتقاعد، وإصدار أوامر بصرف مبالغ مالية خارج صلاحياته، ومنح رتب عالية للكثير من الضباط في الجيش متجاوزًا بذلك مصادقة البرلمان على تلك القرارات.

حسم الجدل ظاهريًا

وجاء ترشيح حيدر العبادي، وهو رئيس الهيئة السياسية لحزب الدعوة الإسلامية بزعامة المالكي لتولي منصب رئيس وزراء الحكومة الجديدة، بتدبير من زعيم الحزب السابق إبراهيم الجعفري، الذي أطاح به المالكي سابقًا، وحليفه حسين الشهرستاني؛ ليحسم الجدل السياسي بشكل ظاهري على أمل فتح صفحة جديدة مع خصوم رئيس الوزراء السابق المالكي في (الداخل والخارج) سعيًا للحصول على توافق وطني يلملم شتات الحقبة السابقة. فبعد تولي العبادي رئاسة الوزراء وتشكيل الحكومة، رشحت كتلة دولة القانون زعيمها المالكي لمنصب نائب رئيس الجمهورية لدرء انشقاق حتمي داخل حزب الدعوة يبعثر الكتلة الأكبر المتمثلة بائتلاف دولة القانون ويحافظ عليها، لكن إجبار المالكي على التنحي لرفيقه العبادي لم يمر بسهولة، فإن الأول رفض تسليم قصر رئيس الوزراء إلى العبادي وعلى الرغم من تدخل قيادات حزب الدعوة لثنيه عن هذا الأمر إلا أن المالكي ظل متمسكًا بالقصر، وقال لهم: “خلعتموني من رئاسة الوزراء وقبلت على مضض, لكن هذا القصر لن أتنازل عنه ولو على رقبتي”.

ونقلت المصادر عن أحد أعضاء الوفد قوله للمالكي: “علاوي سلم القصر إلى الجعفري، والجعفري سلمه لك وعليك أن تسلمه إلى رئيس الوزراء الجديد وهو بدوره يسلمه إلى من يأتي بعده, لأنه ملك الدولة”.

وهذا ما أكده النائب العراقي عن التحالف المدني مثال الآلوسي، بأن “نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي ما يزال يسكن القصر الجمهوري بالمنطقة الخضراء، ويتقاسم مع رئيس الوزراء حيدر العبادي المكاتب الحكومية داخل القصر”، مؤكدًا أن “المالكي يمارس دور رئيس الحكومة العراقية من خلال تحكّمه بقوة عسكرية شَكّلها على مدى 8 سنوات”.
وأشار إلى أن “من يحكم العراق حاليًا اثنان، هما رئيسا الوزراء حيدر العبادي ونوري المالكي”، مطالبًا العبادي “بإخراج المالكي من القصر الجمهوري الذي ينبغي أن يكون مقرًا لرئاسة الحكومة وليس مكتبًا خاصًا، فما زال المالكي يسكن ذات الغرف داخل القصر الجمهوري ولم يغادرها”.

ولفت رئيس كتلة التحالف الديمقراطي النائب مثال الآلوسي أن “المالكي استولى على الأموال العراقية منذ توليه الحكم وشكل ميليشيات مسلحة تدين بالولاء له”.

قرارات لم تجد نفعًا

حاول رئيس الوزراء حيدر العبادي فور تَسلّمه مقاليد الأمور في البلد أن يُحجم دور سلفه نوري المالكي وتدخلاته في إدارة ملفات عدة ومن أبرزها الأمن؛ فسارع إلى إصدار قرارات بتغيير 120 قائدًا في وزارة الدفاع، وأحال اثنين من أبرز القادة المحسوبين على معسكر المالكي، وهما معاون رئيس أركان الجيش الفريق عبود قنبر، وقائد القوات البرية الفريق علي غيدان إلى التقاعد، وحل مكتب القائد العام للقوات المسلحة الذي كان يُدار بإشراف مباشر من نجل المالكي (أحمد) البالغ من العمر 30 عامًا، وبميزانية مالية ضخمة خصصت للمكتب.

كما أن العبادي أمر القوات الجوية بوقف قصف المناطق السكنية في الموصل والأنبار وصلاح الدين، حفاظًا على دماء الأبرياء، إلا أن القرار أثار حفيظة المالكي ودعا خلال زيارته إلى محافظة كربلاء الحكومةَ إلى إعادة القصف بالبراميل المتفجرة والصواريخ والطائرات على المدن التي تشهد عمليات عسكرية.

وادّعى المالكي أن القصف الحكومي لا يستهدف العوائل، وأنه نُفّذ بدقة وأن أيًا من المدنيين لم يصب جراء القصف، متناسيًا أن القصف الذي نُفذ على المدن (السنية) بأوامر منه أدّى إلى مقتل وإصابة الآلاف من المدنيين غالبيتهم نساء وأطفال وفقًا للإحصاءات الرسمية.

على أرض الواقع

وبالرغم من القرارات الجريئة التي اتخذها العبادي لتقليم أظفار المالكي، والحد من دوره النافذ في مؤسسات الدولة ولا سيما العسكرية منها، إلا أن حليف المالكي هادي العامري عُين بتوجيه إيراني قائدًا لميلشيات الحشد الشعبي التي تقاتل تنظيم “داعش” في المحافظات السنية، وارتكبت جرائم مروعة بحق المدنيين السنة، وفقًا لتقارير منظمتي هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، الأمر الذي يُبقي دور المالكي بشكل فاعل في سيطرته، وإدارته للملف الأمني بالعراق.

إضافة إلى زرع أتباعه في مواقع حساسة في البلد واحتلالهم مناصب عليا في إدارة الدولة تبدأ من مدير عام، وتصل حتى الوزراء أنفسهم. فإن كل ذلك يعمل وفق منظومة فساد متراكبة ومتناسقة يديرها أحمد المالكي وأصهار المالكي، وهي ما يطلق عليها الدولة العميقة التي تمتلك قابلية تغيير القرارات وإصدارها، وإيقاف تشريع القوانين التي تضر بمصالحها. وإن حقيقة ما نعيشه اليوم على أرض الواقع هو دولة المالكي داخل دولة العبادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد