مؤلمة هي الأحداث التي عشناها، تركت في نفوسنا الكثير من الأسى والألم والحسرة، كلنا شاهد الدم المهراق على حدود غزة وفِي ساحات الأقصى، كلنا دمعت عيناه لمشاهد القتل البربري في سوريا النازفة، جميعنا اعتراه الحزن لترويع الآمنين والأبرياء وصرخات الأرامل والأيتام والثكالى في اليمن وليبيا والعراق وأراكان وأفريقيا الوسطى وغيرها من البقاع.

هذه الأحداث الجسام التي شاهدها هذا الجيل مرّت على عيوننا جميعًا، وهي مشاهد غير مألوفة للأجيال السابقة، ولا يمكن لعاقل أن يقبلها أو يعتبرها (روتينًا) من روتين الحياة اليومية، حتى لو تكررت.

لكن وسط هذه المشاهد القاتمة، وما بين زخات الرصاص وأصوات الانفجارات، وصراخ الأطفال، وأنّات الجرحى، صورة غائبة قاتمة لا بد أن نلتفت لها جميعًا وبسرعة كبيرة، فإن خسرت جولة في الحرب يمكن لك البناء على ما تبقى للنهوض من جديد والاستمرار، أما إذا خسرت الخسارة الكبرى، فلن تقوم لك قائمة.

أتحدث هنا عن كل بلادنا العربية والإسلامية، تلك التي شهدت ثورات ونزاعات وتلك التي لم تشهدها، فالجميع وقع في ملحمة الصورة الحزينة القاتمة، ولكن الصورة الخفية خلف هذا المشهد الأسود، صورة أكثر إيلامًا وسوداوية مما قد يراه النائحون!

إنها صورة الشاب أو الفتاة الذين شاهدوا كل هذه الفظائع فصمتوا، ولا مجال أمامهم للتعبير عن مكنونات أنفسهم بسبب البيئة التي يعيشون فيها، فأوجدت هذه المشاهد العنيفة والقاسية لديهم حالة أشبه ما تكون بحالة الردة الحقيقية، ردّة قاسية شاملة لم تعد تقبل بأي دين أو تقليد أو عرف، كفر من خلالها عدد كبير من الشباب بالمجتمعات التي يعيشون فيها، فغاصوا في عالم الخيال بعيدًا عن كل ما هو حولهم، وبدؤوا في عزلة الوهم وإنشاء غرف الحوار الخفية الخاصة، ومواقع التواصل التي وقعت الطيور فيها على أشكالها، وبدأنا نشهد مجموعات من الأفكار والممارسات غير المألوفة.

صفحات على الإنترنت، مواقع ومسميات في عالم الفضاء الإلكتروني، عشرات من صفحات فيسبوك وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي بدأت بالظهور في السنوات الأخيرة تمثل جزءًا من هذا المشهد الخفي الذي يتغافل عنه كثير من الحكماء والعقلاء تحت ذرائع واهية.

لقد بدأ الكثير من الشباب العربي اليوم بطرح أسئلة تحتاج إلى إجابات، والكلام العام، والتوجيه اللغوي المنمق، والتعبيرات الإعلامية لم تعد تقنع هذا الجيل الناشئ في رحم الأزمة، واضح أن كثيرًا من الناس اعتراهم اليأس، وآخرون فقدوا البوصلة، وغير هؤلاء وهؤلاء من فقد ثقته بنفسه وبالآخرين، فانتشر مشهد سوداوي قاتم لا يجد فيه الشاب بصيص أمل، ولم يعد يلتفت فيه لمن يخاطبه باللغة التقليدية الروتينية الساذجة.

تذكرت هنا حادثة الرجل الذي جاء إلى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له: يا أمير المؤمنين! إن لي عندك حويجة – وهي تصغير حاجة – فرد عليه ابن الخطاب بكلمة لا بد أن تكون شعارًا لهذه المرحلة، فقال: اطلب لحويجتك رجيلًا، والمعنى: أن الرجال هم من يقصدون وقت الحاجات!

إن عالمنا برغم مآسيه فيه ألف ألف بارقة أمل لا يراد لها أن تظهر، فيطويها الإعلام ويشغل الناس بالسياسة، ولو أبصر هذا الشباب حالات المبادرة والإيجابية والتنافس في الخير برغم كونها بعيدة عن عيون الإعلام – بكل أسف – لتغيرت نظرته، ولامتلك الشجاعة ليواجه نفسه ويوجهها، ويعرف معنى الخسارة والربح، ومعنى الفشل والطامة، ولبدأ يبحث عن طريقه في الواقع، لا في عالم الخيال، وسط صحبة سوء مرذولة يائسة بائسة فاشلة محبِطةٍ محبَطة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد