لن تستجيب لعبارة سيدنا المسيح عليه السلام «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟» كما سيخيل إليك للوهلة الأولى، ولكنك ستحاول أن تخدع نفسك وتقنعها بأنك استجبت إلى عبارته لكي تحافظ على أحلامك وعلى المعاني الإنسانية داخلك، ولكن في الحقيقة الأمر ليس بالسهولة التي كنت تتخيلها، وبدون أدنى موضوعية ستصب جام غضبك على سيدة قلبك حينذاك، التي طغى عقلها على قلبها وإحساسها في هذا الوقت، بعد أن كانت تشبهك مسبقًا بشخصية ثورية أحبتها شاهدتها في مسلسل تلفزيوني، تحديدًا في مسلسل «بنت اسمها ذات» المأخوذ عن رواية «ذات» للروائي العظيم صُنع الله إبراهيم، ولكن حين ستنظر إلى الأمر من الزاوية التي تنظر إليها هي له، ستعرف أن مثل هذه الشخصيات بالنسبة لفتاة مثلها لا تكون أكثر من محل إعجاب لها إذا رأتها أثناء مشاهدتها في عمل تلفزيوني أو قرأت عنها في رواية أدبية، وأنه لا يمكن لفتاة طغى عقلها على قلبها وإحساسها أن تقدم تضحيات أو تخوض مغامرة غير معلومة العواقب لمجرد أنها أعجبت بشخصية كهذه في وقت من الأوقات، فأهمية مثل هذه الشخصيات بالنسبة لها تكمن في التسلية بمشاهدة ما يمكن أن تقدمه في الحياة، والثمن الذي من الممكن أن تدفعه فحسب.

لحظة ما ستدرك هذه الحقيقة لا أخفي عليك أنك ستكتئب وستحبط، وستتخذ بينك وبين نفسك موقفًًا منها، وستنعتها بالقاسية، خاصة حينما تجدها ترتبط بغيرك، بل الأكثر من ذلك حين تجدها ترد عليك برقة في إحدى المرات التي كنت تريد أن تتجاذب معها أطراف الحديث بأنها لا تريد أن تسبب لك إحراجًا مع من سترتبط به رسميًّا، ساعتها ستأخذك المفاجأة ولن تدري بنفسك غير وأنت تقول لها «حاضر.. من عنيا.. أنا آسف والله مكنتش أعرف..مع السلامة»، ولكن حين تفوق من الصاعقة التي نزلت عليك مع كلماتها، ستصعب عليك نفسك، لا لأنها تحدثت معك بهذه الصورة، ولكن لأنك أحببتها كثيرًا، ولأن مشاعرك التي أفصحت عنها كانت في غير محلها، لأنها لو كانت في محلها لما كانت دهستها بقدميها بهذه السهولة، ولكنك حين ستهدأ وتتروى وتنظر إلى الأمر من منظور إنساني وموضوعي، ستكتشف أنها غير مجبرة على أن تتحمل منك ما لا طاقة لها، أو تحمل نفسها أكثر من وسعها، وأنها بحسابات العقل كانت على صواب، ولكن ما صدمك هو أنك حتى اللحظات الأخيرة كان يخيل إليك أنها لو أعطت لقلبها فرصة الاختيار لاختارتك أنت، لا لأنها أحبتك كما أحببتها، ولكن لأن قلبها سيحدس أنك أحببتها بالفعل من قلبك، حتى ولو تأخرت في الإفصاح عن مشاعرك إليها، بل حتى ولو خشيت من الإكثار في الحديث معها من فرط خوفك عليها وعلى مشاعرها في وقت من الأوقات.

لا أعدك بأنك ستستطيع أن تتعافَى بسرعة من الآثار السلبية التي انطبعت على نفسك وروحك، بل ستشعر بأن حياتك توقفت عند هذه اللحظة، وأنك لن تستطيع أن تستأنف حياتك بصورة عادية، خاصة أنها كانت بالنسبة لك المرسى الذي ترسى به عندما كنت تُستنزف وتستهلك في مجتمعك، وحين سيراك المقربون منك على هذه الحال، سيحاولون أن يخففوا عنك بأنها ليست آخر فتاة في هذا الكون، وأنك لا بد من أن تبحث عن رفيقة غيرها، حتى يتسنى لك الاستمرار في هذه الحياة، ساعتها ستنظر إليهم نظرات تنطق بأنهم لم يشعروا بك؛ لأنهم لو كانوا شعروا بمشاعرك الصادقة نحوها لما قالوا لك مثل هذه العبارات، ولما استخفوا بما تعرضت له بهذه الصورة، ولكنك ستلتمس لهم الأعذار؛ لأنهم لم يقولوا لك مثل هذه العبارات إلا بعد أن رأوا انطفاء روحك التي كانت مفعمة بالأمل والحياة، في الوقت نفسه التي تعيش فيه هي أسعد لحظات حياتها وهي تجهز لخِطبتها، فحين تستجيب لنداء الأحباء، وتحاول أن تجعل عقلك يطغى على قلبك للحظات، لن يكون أمامك إلا الاستجابة لنصائحهم، لا النصائح التي تحثك على البحث عن فتاة أخرى، فالأمر لم ولن يكون كذلك، ولكن إلى النصائح التي تحثك على محاولات الاستمرار في المُضي قدمًا نحو تحقيق ما تعتقد أنك خُلقت لكي تحققه في هذه الحياة، ولأنك لو استسلمت وسلمت نفسك إلى براثن اليأس، ستعرف وقتها حق المعرفة كيف يمكن أن يجري اغتيال إنسانيتك وأحلامك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد