استودع الله سبحانه وتعالى في الإنسان استعدادات مزدوجة، فهو مُخيرٌ بين طريقين؛ الخير والشر؛ قال تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) وكلاهما –الخير والشر- يعتمل في قلبه فأيهما رجحت كِفته وغلب اكتسى بكِسائه، ولأن الإنسان ابن عصره وزمانه؛ فإنه يتأثر به وبأناسه وباهتماماتهم، ويشغله ما يشغلهم، ويتشكل وفقًا لبيئته، ومهما وَعَى وفَطِن لنفسه وتدارك حاله؛ فإنه لا بدّ وأن يعْلق فيه أمور لا تزول منه إلا بزواله وفنائه، ولما كان زماننا زمان غلب عليه الشر  –التي أثّرت في النفوس وربما صاغتها- فتَعِسْنا وانتَكَسْنا، فأصبح من الصعب أن نحافظ على نمو الجانب الطيّب فينا بشكل سوي، ولأنه نما فينا مشوهًا التبس علينا فلا يوجد للناس مُعينٌ لأن يبقوا طيبين، ولا أحد يساعدهم لأن يرتقوا ويصبحوا طيبين حقيقيين، بل أصبحوا للسذاجة أقرب منهم للطِيبة. وسبب ذلك فَقْدُ القدوات وعدم ورؤية الطِيبة مجسدة في شخوص، ولا يصل للطِيبة الحقيقية إلا من صدق مع نفسه ودفع الثمن واجتهد وجاهدها بحق، وأقال عِثار الناس وتقبل ضعفهم، ولم يلمهم أو يزدرهم، بل أخذ على عاتقه أن يكون إنسانًا ذا نفس طيبة مؤمنة، وكان له ذلك وبجدارة.

فما معنى الطِيبة؟ ومن هو الطيب؟ وهل صحيح أن للطِيبة زمنٌ قد ولّى؟ – أسئلة بدهيّة لكن هل من السهل سَبْر أغوارها؟ الطِيبة لغة: من «طَابَ» أي لذ وحلا، وحسُن وزَكا، فهي صفة حسنة فيها معاني العطف والرحمة، وهي لم تقتصر على الجنس البشري دون غيره، فهي مزروعة في فطرة الإنسان وفي غريزة الحيوان أيضًا. وإذا سألنا من هو الطيب؟ فالطيبون نوعان؛ الأول: «الطيبون الحقيقيون» وهم قلة ونادرون، والنوع الثاني «الطيبون السذّجْ» الذين نراهم كثيرًا في حياتنا اليومية. فالأول هو المثال والقدوة والواعي وذو البصيرة النافذة والرأي الثابت والمبدأ المستقر، والثاني هو المتمسكن الضعيف المتردد المهزوز الجامد الكسول الذي لا يزن الأمور ولا يعي المواقف ولا يفهم الظروف.

والطيب الحقيقي: هو كريم الخلق، سهل المعشر، سَمْحُ المُحَيّا، يفهم الناس ويهتم بهم ويتسع صدره لهم، ونفسه تفيض بالحب فيضًا طبيعيًا دونما تكلف، معطاء إلى أبعد حد، ويمد يد العون قبل أن يُطْلبُ منه، ومع كل ذلك فهو مَهيب الجانب بهيبة محبوبة، وهو مؤمن بالغيب لا محالة، وطيبته عن إيمان وقوة.

أما الطيب الساذج: هو المدعي لكل ما سبق ادعاء باطلًا، فهو يرتدي ثوبًا ليس ثوبه، وينكشف ذلك بسهولة وذلك عندما يكون الخاسر في أي معادلة في الحياة، أو في أي علاقة من العلاقات، أو إذا لم يُعْطَ مراده؛ تراه ينقلب إلى الضّد تمامًا، وهو متمسكن بطيعة الحال وديدنه الأخذ والكسب من الآخرين، وهذا طيبته عن خور وضعف.

وحُق لمن يرى في الطيبة «سُخْف وضعف وقلة حيلة وسذاجة» ؛ لأن أصحابها من النوع الثاني «الطيبون السذج»، الذين اتخذوا من الطيبة درع وقاية، وحيلة لاستدرار عطف الناس وشفقتهم ولتحصيل المزيد من اهتمامهم ورعايتهم وكسب ما عندهم، وما ذاك إلا لكسل فيهم وعجز، ولأنهم لا يستطيعون التعامل مع الواقع فهم يرونه معقّد ومتناقض، واستيعابه أمر صعب جدًا، وأحيانًا يشعرون بأنه قاسٍ ومؤلم، فيُخيل لهم أن تظاهرهم بالطيبة سوف يحل مشاكلهم وبمجرد استجلاب شفقة الآخرين ستكون الأمور على ما يرام، وهذا الاستسهال –هو السذاجة بعينها- وهو ما يوقعهم في المشاكل فيصبحون عرضة للخداع والغبن باستمرار، وتكتمل القصة حين تكون ردة فعلهم عند وقوع المحظور؛ البكاء والتحسر ولعب دور الضحية والتأكيد على أنهم مُستَغَلِّين دائمًا من قبل الناس، فيأخذوا بِلَومِ الناس والزمان والتباكي على طيبتهم وطهارتهم، وذلك بدل أن يستيقظوا من سكرتهم وسباتهم، فتراهم يرددون عبارات مثل: «لماذا الناس تخدع وتغدر وتنصب وتحتال؟، لماذا أفعلُ الخير فألقى الشر؟!، أيعقل! ألا يوجد في الناس خيرًا؟»، ولا يعلمون أنهم هم وبمحض إرادتهم الذين اختاروا الطريق السهل، فآثروا (أن يسيروا مغمضي العيون بتسليم أمورهم) على (تحمل المسؤولية والتعايش مع الواقع المتناقض غير الكامل) والإصرار على حسن الظن الساذج، فتعاملوا مع الآخرين بسطحية شديدة وسرعان ما يستحضرون النصوص والأمثال التي تحث على الخير والصدق وحسن الظن والبر والأمانة … إلخ، لكن دون تحكيم لعقل ودون حكمة بل ربما دون سابق معرفة بالأمور والأشخاص فيقع ما يحذرون.

ربما شددنا الوطأة قليلًا على «الطيبين السذج» ولكن يجب أن يعوا الحقيقة، فإن رؤية العالم بألوان وردية طوال الوقت له عواقبه الوخيمة، وإن التسامح والتفاؤل بدون قوة مُهابة وعقل يكبح أيضًا يؤديان للنقيض، فإصرار هؤلاء الطيبين كل مرة على التعامل مع الواقع والآخرين بنفس الطيبة (السذاجة) قد يودي بهم إلى التهلكة، فهم يريدون بإصرارهم – وربما دون وعي منهم – فرض «صورة ذهنية وردية مثالية» في «مخيلتهم» على «الواقع»، ويا ليت شعري؛ فليس ذلك بمتحقق، والصواب هو العكس تمامًا وهو محاولة النهوض بالواقع للاقتراب من الصورة الذهنية المثالية التي في عقولنا، وإذا لم تفلح محاولاتهم على طريقتهم سيصبح ما يُفعل بهم من استغلال وخداع وغيره؛ مبررات للانتقام وفعل الشر، وربما انحط بهم الأمر وتبنوا نظرية الشر والعداء للناس والمجتمع.

فلِعْبُ دور الضحية باستمرار قد ينقل صاحبه للعب دور المجرم فيما بعد، وإن حصل هذا فهو دلالة على أن الضحية كان مجرمًا منذ البداية وجرمه أنه تهرب من كل أمر يريه الواقع كما هو وبالتالي ليفهمه ويتعامل معه بالشكل الصحيح، وبالتالي حُرم من كل فرصة تجعل من شخصيته الهشة أقوى فأقوى مع مرور الأيام والتجارب.

لكن هل استغلال الناس للطيبين (السذّج) مبرر لتخلي الطيبين عن طيبتهم (سذاجتهم) ؟ نعم ؛ فرصة جيدة للتخلي عن السذاجة مع إبقاء الطيبة، فليس الشر هو البديل، ولكن كيف يتكيف الطيبون في العيش في هذا الزمان؟ أقول: أولًا الحل نصفان؛ النصف الأول: هو الإحساس بالمشكلة ابتداءً والاعتراف بها، ثم النصف الثاني: وهو بذل الجهد في تزكية النفس وتعلم المهارات الحياتية المختلفة وذلك لرؤية الصورة كاملة وتوسيع الأفق قلبًا وعقلًا وتقبل الآخر مهما كان مختلفًا، ومن ثم الاندماج السوي بالمجتمع دون التخلي عن المبادئ، ونحمل مسؤولية أنفسنا بالكامل، هذا ومن ثم تغيير نمط الحياة بالكلية وعدم الاعتماد على الآخرين في كل شيء، والاعتماد الكامل على الذات والتوقف عن الاستسهال في إيجاد الحلول للمشاكل، وعدم وضع الثقة في الناس بسهولة، والأخذ بالأسباب بشكل كافٍ ووافٍ وليس بشكل سطحي لرفع العتب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تنمية ذاتية
عرض التعليقات
تحميل المزيد