حين تستعيد حياتك وتيرتها الطبيعية بعد أن سلمت للواقع المؤلم الذي أعانك المقربون على التسليم له، سيخيل إليك في بداية الأمر كما سيخيل إليها هي أيضًا وإلى المقربين منك، أن النسيان هو أمر بيد كل إنسان فما عليه إلا أن يتخذ قرار النسيان لكي يجد بعد ذلك أن كل ما حدث كأنه شيء لم يكن، ولكن الأمر لن يكون كذلك، فحينما تستهل حياتك من جديد ستداهمك جميع الذكريات التي جمعتك بالفتاة التي أحببتها، بالرغم من محاولاتك الدؤوبة لكبحها وتجاهلها.

وعندما تستسلم لتداعي الذكريات البسيطة، ستثتوثق من قناعاتك القائلة إنك مسؤول – مثلما هي مسؤولة بعدم تفهمها لك – عن الوصول للنقطة التي وصلتما إليها، وأنك لم تكن أبدًا الملاك الذي لا يخطئ، وأنك تعاملت معها بجفاء في كثير من الأوقات، حتى ولو كنت تؤنب نفسك بشدة حينذاك قبل أن تهرع إليها معتذرًا عما بدر منك، وأنك كنت تغلب عقلك على قلبك وإحساسك، مثلما اتهمتها أنت حينما تجاهلت هي مشاعرك التي أفصحت عنها إليها بعد سنوات بأنها رجحت عقلها على قلبها وإحساسها، وأنك كنت جاحدًا لمشاعرك تجاهها طيلة الوقت، بل كنت تتعمد أن تظهر هذا لها عندما كنت تتحدث معها، بل الأكثر من ذلك حين كنت تتحدث بينك وبين نفسك بصوت مرتفع، وعزاؤك الوحيد هنا أنك بالفعل كنت تخشى أن تتورط في الإعراب عن مشاعر لم تتثبت منها بعد، أو تطوق عنقك بوعود تكتشف لاحقًا أنك غير قادر على تلبية مقتضياتها، وعلى الرغم من محاولاتك المتكررة لإنكار أي مشاعر حب تجاهها، كان هناك شيء أقوى من محاولاتك الخائبة في قرارة نفسك كنت لا تفهم كنهه، شيء هي نفسها شعرت به دون أن تنبس عنه ببنت شفة، شيئء كالشيء الذي كنت تظن أنه يوجد مثله في حنايا صدرها على الرغم من أنها لم تفصح عنه صراحة، ولكنك كنت تشعر به حينما تلتقي عيناك بعينيها وتبتسم لك ابتسامة مليئة بالخجل الذي كان يظهر على وجنتيها.

وحين تفضي للمقربين منك بهذه الهواجس، ستتباين آراؤهم، فمنهم من سيتفق مع قناعاتك هذه، ومنهم من سينفجر في وجهك قائلًا لك إن كل هذه القناعات محض أوهام، وأنها لم تكن بداخلها تجاهك ثمة مشاعر صادقة من الأساس، لأنها لو كانت هناك مشاعر صادقة لما ماتت بهذه السهولة، ولكانت احترمت خوفك على مشاعرها حتى ولو بالغت فيه، واحترمت خوفك من أن تصرح إليها بمشاعر كنت تخشى طيلة الوقت أن تكون مشاعر مراهقة، ولاحترمت إرجاءك الإفصاح عن مشاعرك حتى تتأكد من أنها خارجه من ينبوع قلبك بالفعل، ثم سيختمون كلماتهم الموجهة إليك كالسهام، بأنك لم تكن أكثر من لُعبة بالنسبة لها، لذلك ينبغي لك أن تنساها وتمحو أي ذكرى تخصها من ذاكرتك، لأنك إن لم تفعل ذلك بعد كل الذي حدث لك ستقل من نظرهم هم أيضًا وستكون بالفعل (كما وصمت سابقًا) عبيطًا وساذجًا.

ستثير هذه الكلمات اللاذعة حَنَقُك، وستتمنى لو أنك تستطيع أن تصرخ في وجوههم قائلًا لهم إن من المستحيل أن تفكر هي بهذه الصورة المُخيفة، أو أن تكون رقتها زائفة، أو أن يكون ما كنت تشعر به عبارة عن أوهام، أو أن تكون هي قد تعمدت إيلامك، حتى ولو تعاملت معك بقسوة دون أدنى مبالاة، فينبغي لنا دائماًً أن نحسن الظن بالآخرين، وأن ننظر إليهم من خلال منظور إنساني، حتى ولو استبد بنا الغضب في أحيان، ودفعنا هذا إلى تنحية هذا المنظور جانبًا، فلا بد أن يكون هذا الغضب عبارة شعور وقتي فقط، لا قاعدة عامة في التعامل مع الآخرين، لأننا لو جعلنا غضبنا يطغى على أفعالنا وعلى نظرتنا للأمور، سيتم اغتيال معنى من المعاني الإنسانية داخلنا، وبالتالي سيتحطم حلمنا في أن نغادر هذا العالم دون أن نفقد شيئًا من هذه المعاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد