يقول فيلسوف: “إن الأحلام أفكار لا تحقق النجاح”

ويقول المجتمع: “بقدر حلمك تتسع لك الأرض”

نسي المجتمع غالبًا وكل مدربي التنمية البشرية والأخصائيين النفسيين أنّ بيع الوهم أكبر مشكلة نعاني منها أصلًا وأن أحد أهم الأمراض النفسية التي يعاني منها جيل الشباب الآن هي انفصالهم التام عن الواقع، وصدمتهم إذا انغرسوا فيه ومن ثم القلق والتوتر والذي سيؤدي بالضرورة لاكتئاب.

يقول فريدريك نيتشه في هذا الشأن: ” أحيانًا لا يرغب الناس في سماع الحقيقة لأنهم لا يريدون أن تتحطم أوهامهم”.

ونحن لم ننسج الأوهام بقدر ما نسجنا الأحلام، وثقافتنا المجتمعية لم تخبرنا يومًا أن يشترط أن تكون الأحلام واقعية ومنطقية كيلا تخالف سنن الله الكونية في الأرض، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى مع أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، لم يخبرونا وهم يشحنوننا تجاه كل الفائقين ويوجبوننا أن نكون مثلهم تمامًا وألا بد كي نُحترم أن نكون فئة من هؤلاء، وأن المجتمع عبارة عن “أطباء ومهندسين وأناس آخرين عديمي القيمة”… إلخ.

نسوا وهم يخبروننا أننا “سوبر مان” أن هناك بالضرورة فروقًا فردية وأنكم تجلبون لنا المرض النفسي فعلًا حينما تعززون قدرات قد لا تكون موجودة أصلًا وتهبوننا كل الإمكانيات وتُيسرون كل المصاعب، بل وتسفهون من حزننا كثيرًا!

عذرًا: نحن لسنا سوبر مان، ولا أنت، وسوبر مان ليس إلا شخصية خيالية تمامًا كالشخصية التي رسموها لنا ونحن لم نكنها يومًا، لم نكن أبدًا نبني كل يوم آلاف الإنجازات ولم يكن لدينا يومًا جناح، نكون ناجحين حينما نفعل إنجازًا وقد يكون بسيطًا تمامًا، قد نكون ناجحين إذا فعلنا شيئًا، قرأنا شيئًا، كتبنا، رسمنا، أو مسحنا حزنًا أو حتى رسمنا ابتسامةً بوجه عبوس، وقد يكون نجاحًا كبيرًا إذا قدرنا أن نعانق بحُب أحدًا من الحيارى البائسين، أو أن ننهض بعد أن نتعثر، أو أن نلاعب طفلًا صغيرًا، أو أن ندلل أمهاتنا ونقهقه مع مساكين وندافع عن مظلومين ونرافق أيًا من المحتاجين.

لا يهم أن تذكُرنا الأرضُ جميعًا بعد رحيلنا، قد نكون أحدًا من الأخفياء الأتقياء، ومن الممكن أن نكون من العابرين بخفة وانسيابية في الحياة فتركنا أثرًا ولو بنفس بشرية واحدة، ببساطة لأننا بشر ولسنا خارقين ولا ملائكةً منزلين، حتى رسولنا صلّى الله عليه وسلم قد كان “بشرًا رسولًا” فكيف تطلبون منّا ألا نكون بشريين؟

لابد من تغيير نمط الخطاب الموجه للشباب الآن، لابد أن يعي الكبار والشباب والصغار والجميع، أن الأصل في الأناسي هو الاختلاف، وأن الكمال فينا هو النقص، وأن الحياة لم تكن يومًا “بمبي” وكان يستوجب على حمزة نمرة أن يغني “اصحى معايا” كي تنفذ “احلم معايا”، لابد وأن نفهمهم أن التفكير الإيجابي مختلف تمامًا عن عدم الواقعية، وأنه ليس بديهيًا أن نكون في الظروف الحالية والأوضاع المزرية هذه وأن نقف راقصين مؤمنين بذواتنا وأنّنا سنقهر كل من يقف تجاه أحلامنا، وأن أحلامنا المجتمعية فوق الجميع وإن فعلنا ذلك فنحن بالطبع لسنا أسوياء!

يستوجب علينا أن نُخبر مدرب التنمية البشرية أن ليس بالضرورة أن يكون غدًا أفضل، وأن الأفكار السلبية كفيلة أن تقتادنا إلى الفشل، هذه حقيقة. أما الأفكار الإيجابية غير المنطقية ستؤدي بالضرورة لدمارٍ نفسي وفقد الثقة بالذات وفشل، وأنّني لا أكون سوداوية حينما أتوقع أمرًا سيئًا ـ واحتمالية حدوثه كبيرة ـ وإنما هذا قد يعصمني من الصدمة التى تكررت فقصمت ظهورنا، وأنه بدلًا من بيع الوهم يمكن أن تعلمونا قيمة ذاتنا وتستخلصوا منا قدراتنا الحقيقية وتهبونا أيًا مما أفقدته لنا مرارة الأيام هذه، وتساعدونا على تقبل فكرة أنّنا مازلنا قادرين على الإنتاج.

ليس مهمًا أن ننتج بمثالية الآن ولكن المهم ألا نتوقف، وحقيقٌ عليكم أن تخبرونا أن نحاول سعيًا ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، لا أن نحلم ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وأنّ لكل وقتٍ طموحًا خاصًا به وأحلامًا ـ واقعية ـ له، وأنّك لن تكون كريستوف نولان في inception

وتقوم بزرع أفكارٍ بأحلامي أصحو لأطبقها، قد كان فيلمَ خيالٍ علميّ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد