عزيزي القارئ الشخص الذي أحدثك عنه، في هذا المقال أنت تعرفه، ربما تعرفه معرفة جيدة، قد تكون زاملته في الدراسة، أو في العمل، أو في الأنشطة الاجتماعية، والسياسية المختلفة، قد يكون قريبك بأي درجة من درجات القرابة، المهم كن حذرًا منه، إنه الشخص (م ن)!

حكى لنا أستاذنا في المرحلة الابتدائية –الفصول المتقدمة– أنهم في عهد حكم الفريق «إبراهيم عبود»، كانوا طلابًا في المرحلة المتوسطة، وكانت الأجواء غائمة بين العسكر حكام السودان والأحزاب السياسية، مناوشات، وتكتيكات، ومطاردات، واعتقالات، خرجنا من فصول الدراسة، عندما علمنا أن رئيس الجمهورية في زيارة لمدينتنا بورتسودان، وكان من أسباب الصراع، قبول حكومة «عبود» الانقلابية بمشروع المعونة الأمريكية، وقد رفضته الأحزاب السياسة المؤتلفة في حكومة ديمقراطية عدا بعض نواب حزب الأمة في البرلمان.

تسلم الفريق «إبراهيم عبود» الحكم في السودان بانقلاب عسكري وصف أنه: انقلاب أبيض 1958م.

يقول: خرجنا وكانت خطتنا أن نمر بسوق بورتسودان ونحن نهتف «داون داون يو إس ايه داون داون يو إس ايه» هتاف ضد المعونة الأمريكية وضد أمريكا لنحرج الرئيس وحكومته.

ولكن عندما دخلت مسيرتنا السوق لحق بها السوقة من مجالس المقاهي والمتسكعين وأخذوا يهتفون «داون دوان عاوز إيه»! للرئيس، حرّفوا هتافنا عن أصله لعدم فهمهم لعبارة يو إس ايه.

وقد تناولتنا سياط العسكر وأبرحت أجسادنا نحن من سلمنا من الاعتقال.

وكنت قد قرأت مقال قبل 10 سنوات من الآن للأسف لا أذكر عنوانه، ولا حتى اسم كاتبه، حوى المقال طرفة احتفظت بها يقول كاتب المقال: إنهم كانوا في مسيرة سياسية ضد حكومة المشير «جعفر محمد نميري» (استلم جعفر نميري السلطة في السودان بانقلاب على حكومة ديمقراطية 1969م). وكنا نهتف ضد جهاز أمنه القامع «جهاز الأمن جهاز فاشيستي، جهاز الأمن جهاز فاشيستي» والمسيرة في طريقها التحقت بها جموع من عامة الناس وحُرِّف هتافنا إلى «جهاز الأمن جهاز لاسلكي»!

عزيزي القارئ المخلوق الذي حذرتك منه هو أخطر مخاليق الله!

من الطرائف أنه حكى لي صديق ممارس للعمل السياسي قال: إنهم كانوا يجتمعون باستمرار للتخطيط وتدبير المكائد للخصوم السياسيين (السلطة) باعتبارها جزءًا من عمل متفق عليه، وكانوا جماعة لا يشك أحدهم في الآخر من الثقة والصدق والإخلاص (جماعة مختارة بدقة) مع ذلك كنا تحت رقابة حزبنا وبعد أن نخطط ونتفق ونستعد للتنفيذ ونبدأ، نكتشف أن الأجهزة الأمنية أحبطت مخططاتنا، احترنا في الأمر، ومن الصعب في مثل هذه الحالة إطلاق الاتهامات دون دليل لأي من الزملاء.

يقول: قصصت لأحد زملائي قصة مكائدنا المكشوفة، سألني هل تشكون في أحد منكم؟ قلت لا. قال ربما أحدكم يعمل جاسوسًا ضدكم (مزروع) قلت: لا أظن!

لكني استدركت يوجد زميلنا فلان، وهو شخص أمين، مخلص للحزب متفانٍ في عمله، نشط لكنه (طيب القلب) ويحب الأنس والمرح، قال: يا أخي صدقني هذا أخطر من الجاسوس! (ده يوديك في ستين داهية)!

عُرف في أدبيات الحياة السياسية في السودان مصطلح المغفل النافع؛ ويرمز له للتعمية بـ«م ن». وهو شخص غير منتم لتيار سياسي، له مقدرات معينة إذا وظفت بصورة جيدة تؤتي نتائجها، شخص ملكة التحليل عنده ضعيفة، أو معدومة، وعاطفي، ومغامر، يستغل لخدمة أهداف محددة، دون أن ينتبه إلى أنه يخدم أجندة غيره.

اختفى هذا الشخص (المغفل النافع) من دنيا الناس العاديين طويلًا باختفاء الحراك السياسي -على الأقل في السودان– وبعد ظهور الطفرة الإلكترونية، التحق بكوكب الفضاء والأسافير، أصبح من (المستنيرين) -هكذا– مرة واحدة، تجده يتحدث في صفحته على وسائط التواصل الاجتماعي، في السياسية، والرياضة، والفن، وقضايا الدين، والمرأة، والحريات، وعلم النساء والتوليد! يعرف بما لا يعرف، يطلق الاتهامات، يؤيد هذا ويؤلب ضد ذاك، دون رؤية وحجة، فقط يريد الظهور وما درى بالمثل الشعبي «الظهور قاصم للظهور» يريد أن يشار إليه أنه مثقف، داعم لقضايا الجماهير، وهو ينفذ حرفيًا أجندة موضوعة –من جهات- مقالات مكتوبة؛ بغرض الإثارة ولفت أنظار الرأي العام عن قضاياه الملحة لقضايا انصرافية.

مثلما كان يخرج بالمسيرات الاحتجاجية والمظاهرات عن خطها المرسوم، يخرج الآن (م ن) بالنقاشات والقضايا الجادة في وسائل التواصل الاجتماعي إلى قضايا يجر لها؛ ليجر معه الجميع إلى اللاشيء أو إلى الورطة!

في الماضي، كان قادة الرأي العام الصحافيين في مختلف فنون الصحافة، والسياسيين، ورجال الدين، والنقباء في نقابات العمال هم من يتولون شرح قضايا الساعة في أبعادها، بمسئولية وحنكة.

لماذا تراجع دور قادة الرأي العام؟

كان (المغفل النافع) شخصًا مستغلًا فقط تابعًا منفذًا، اليوم سقطت أدوار قادة الرأي؛ وسقطت معهم نظرية من أشهر نظريات الإعلام (نظرية انتشار المعلومة على مرحلتين) أصبح (م ن) يتلقى الأخبار والمعلومات ويوجه الرأي العام وجهات (مقصودة من جهات) لتحقيق أهداف مطلوبة!

هل سنشهد المزيد من تساقط نظريات الإعلام في الفترة المقبلة؟

هل نحن في حاجة إلى نظريات إعلام ورأي عام جديدة، تضع في الحسبان منشورات وسائط التواصل الاجتماعي؟

أم نتوقع زوال وكالات الأنباء والمحللين الإخباريين؟ هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي وسائل إعلام؟

كيف نثق بمعلومات وأخبار وسائل التواصل الاجتماعي؟ الآن (م ن) في تجلياته الأخيرة، إنه سيد الموقف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد