default-avatar
مجاهد رشيد
default-avatarمجاهد رشيد

يحصل كثيرًا أن يرسخ من الكتاب قصته، ثم يرسخ محتواه في الذهن.. لقصة الكتاب وصاحبه ونفسيته وعصره الذي سجل فيه مرافعته عاملٌ أساسي في فهم السياقات التي كُتبت بها. وهي أدعى للتجرد والاتزان في النظر للمحتوى.

خلف قصص الكاتب يبحث السائلون: ما هو؟ ولماذا؟ خلف محتوى الكِتاب يبحث السائلون: ماذا؟ وكيف؟ تحاول هذه التدوينة تناول بعض اللطائف والتعليقات، وتزيد عليها فيما يسمح به استنتاج الكاتب واسقاطاته على عالم الاقتصاد السياسي، وهي تساؤلات وأطروحات لا تدعي الوصول للنهايات.
تعجبُ عند تصفح حواشي الكتاب (ما يُرى وما لا يُرى) مجموعة مقالات لكاتبها الفرنسي فريدريك باستيا من كونه منشورًا عام 1850 بجدليات وأفكار لا تزال حديثة الطرح في عالمنا العربي للحظة.. وقد كتبه باستيا أكثر من مرة ثم أضاعه، واضطر لإعادة كتابته.. كانت النسخة الأخيرة منها، والتي حظيت بالنشر ما كتبه على فراش المرض والموت.
أتساءل هنا ما وراء الكتاب: هل كان هذا الظرف الأخير عامل قوة له في كتابته أم عامل ضعف؟ أتساءل كذلك عن كمية المعرفة التي لم تصلنا لظروف أصحابها المشابهة؟
المفارقة الأعظم عندي في المقالات أنها تنطلق من فكرة يؤصَّل لها في نهايات الكتاب؛ فكرة التطابق والتناغم بين الأخلاق والمصالح الاقتصادية والسياسية دون أي تناقض بينها، وأن كثيرًا من بديهيات الأخلاق كالحرية وحق الفرد في التملك والاختيار والاستهلاك الراشد وحفظ حقوق الضعيف المالية هي أساس لتحقيق المصالح الاقتصادية طويلة الأمد والمنعكسة على الأفراد والمجتمع.

لهذا إسقاطات كثيرة على ممارسات الفرد والدولة والمجتمع عند ما يبدو تحقيقا للمصالح على حساب الأخلاق؛ بدءًا من القول الشعبي الذي ينطقه الفرد: السوق وسخ.. المال قذارة، النجاح لا أخلاق له، إلى ممارسات الدولة التي تدعي فيها تحقيق المصالح بممارسات ظالمة كالإسهاب في الضريبة و الإقراض والجمارك والفوائد البنكية.

يضع لذلك سيناريوهات طويلة وافتراضات متخيلة ومنطقية. هبوا أن قرية صغيرة العدد يقوم اقتصادها على الزراعة اليدوية ولها مجلس محلي للحكم يُعنى بحماية مصالح أفراد القرية، اخترع أحد أفراد القرية آلة للحرث الزراعي، والتي تعوض عن خمس مزارعين بعملها وإنتاجيتها ما سيوفر على مالكيها أجور العمال ويزيد في مرابحهم.
قد يبدو من الأخلاقي والمصلحي للقرية أن يقوم مجلس الحكم المحلي بحظر إنتاج هذه الآلة ما سيمنع تهديد وظائف المزارعين في القرية واستقرارهم المادي وتحقيق حاجات أسرهم وزيادة غنى ملاك الآلات والأراضي.. هذا ما يُرى بسهولة.
فيما ما لا يرى من الآثار الخفية؛ أن هذا القرار سيسمح لقرية أخرى باختراع الآلة ما سيدعم انتاجها للخضار بكميات أكبر وسيفرغ ذهن كبار المنتجين لتحسين جودتها وضبطها بتقليل تحديات ومخاطر إدارة البشر باختلافهم وكثرتهم.
فيما لا يُرى كذلك؛ أن تلك القرية المنتجة للآلة سيتعلم أفرادها المتواجدون فيها التعامل مع التقنية الجديدة، بمرور الزمن سيصبحون أخصائيين قادرين على تصدير خبراتهم للقرى الجديدة التي تريد التعامل مع الآلة، العمال العاطلون عند بدء تطبيق التقنية الجديدة سيهاجرون للمزارع في القرى الأخرى بخبرات لا تتوافر في تلك المزارع، وسيتعلمون فيها ما يضيف لخبرتهم وقوتهم، سيعود هذا على القرية بالنفع كذلك من خلال قوة افرادها وتحصيلاتهم المالية.
فيما لا يُرى كذلك أن حقوق العمال في القطاع سترفع بارتفاع قيمتهم على قلتهم وسيزداد احترام الفرد فيها.
عودة للقرية التي تدخل المجلس المحلي فيها وعطل حركة التقدم والحرية الفردية، لن تخرج خضرواتهم من قريتهم، بل سيشتري أفرادها الخضار الأرخص والأجود من الخارج وستدخله الآلة في النهاية بعد أن يكتشف أفرادها أنهم تخلفوا عن السوق وعن الزمن! يحدث هذا كثيرًا في عالمنا، وفي بيوتنا، وفي مصادرتنا للحرية.. باسم العدالة وتولي الأمر!

فكرة المرئي والخفي في عنوان الكتاب (ما يُرى وما لا يُرى)، قائمة على أن الاثار المرئية للقرارات الاقتصادية – فردية أو جماعية – والسهلة الملاحظة لا تعني غياب آثار خفية وعميقة التراكم تحتاج للتحليل والفهم. هذا لا يجعل القرارات الاقتصادية المتداخلة مع المبادئ العامة شرًا مطلقًا، غير أن فهم وتحليل ما تضيعه من فرص على مبدأ (الفرصة البديلة) عامل أساسي لمنظور اقتصادي وسياسي سليم ومتوازن وهذه تحتاج لدراسة افتراضات وتأمل وجدوى عميقة.

ضبط الأخلاق والمصالح، وحصرها وتحريرها قصة أكبر من تنظيرات التدوينة.

لكننا نرفع الحرج بأن ما اجتمعت عليه الأغلبية كبديهية أخلاقية وكبديهية مصلحية لا يتناقض في الغالب ولا داع لحصول تشريعات غير أخلاقية بدافع تحقيق المصالح.

من اللطائف المنطلقة من هذا المعنى العميق ذكره لمفهوم الذكاء الاستثماري والاقتصادي القائم على الاستثمار في المستقبل بما يقابله من تكاليف في الآن واللحظة.. وأن الذكي من يختار اللذة الآجلة بالمشقة الآنية.. وهو مفهوم كثير التكرار مع الناجحين بعكس المستعجلين الذي هم أبعد الناس عن التفكير الاقتصادي الناضج.. وهو منهج ذكي حتى على غير الاقتصاد والأعمال، في السلوك مثلًا يبدو الكسل، والفسوق، والإسراف ممارسات تختار اللذة الآنية على خسارات المستقبل.. وهو تضييع للموارد واستغلالها الأمثل.

شد انتباهي في إشارته للأخلاق والعدالة تجاهله للانسان الجزائري ومصالحه في إشارته لاستعمار الجزائر، رغم ذكره لسلبيات الاستعمار، لكن من منظور فرنساوي بحت يؤكد فيها أن مصالح الفرنسيين ليست في فرض الاستعمار على غيرهم ودفع تكاليفه في الأمد البعيد، وأن فيه خسارة للكفاءات واستغلالها الأمثل.. لا ندري هنا أهو ذكاء يدعي وقوفًا مع مصالح قومه في إقناعهم بوقف الاستعمار، أم غياب لحقيقة الأخلاق في سقوطها على الغير كذلك!

لا تكاد تجد تحليلًا اقتصاديًا سياسيًا، إلا وينطلق من فكرة تكلفة الفرصة البديلة (Opportunity cost) وهو مفهوم مهم يرى أن في اختيار أية فرصة تكلفة قد تأتي على حساب فرصة أخرى مكانها.

اختيارك لقراءة هذه الأحرف مثلًا يأتي على حساب قراءتك لمقال آخر في عنوان آخر أو ممارسة نشاط آخر غير معرفي حتى، شراؤك للوجبة بذات التكلفة على حساب غيرها مما يمكن شراؤه، ولا يُرى في اللحظة التي اتخذت بها القرار، اتخاذك لقرار أسري ما يأتي بحسابات التكلفة الزمانية والذهنية والمادية على حساب غيره من القرارات والنتائج.

وهكذا بهذه الطريقة تبدو تكاليف القرارات واضحة على الفرص التي يمكن بذات الموارد أن تتحصل.. يكاد يقتنع كل عاقل ومنجز أن أعظم موردٍ وأسرعه فناءً وأمضاه نفادًا بلا توقف: الوقت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك