تسلحوا بالوعي

الوعي هذه الكلمة التي باتت تتردد على الألسنة، سواء كان بوعي تام بمعناها أو بنقصه أو عدمه. الوعي هو ذلك المعنى الذي یرمي إلى الإدراك التام بمجریات الأمور ومحاولة الوصول إلیه، من خلال البحث الجاد عن الحقیقة وطرح التساؤلات المفضیة إلى ذلك، ومن ثم العمل والتصرف وفقًا لذلك الوعي.

الوعي أیضًا لا یعني أن تكون خبیرًا أو عالمًا بذلك الأمر، یكفي هنا أن تكون مطلعًا أو على الأقل أن تكون (واعیًا لیس من السهل خداعه بفضل عقلك الذي ُیخضع المدخلات إلى عملیة غربلة وتصفیة إن جاز التعبیر).

البعض عندما یستمع إلى النداءات المتكررة بضرورة الفرار إلى الوعي، یظن أن ذلك الشخص یدعو إلى الكمال رغم تباین المعاني (الكمال-الوعي) أو دعوة إلى الوعي الشامل!

أنا شخصیًا عندما أدعو إلى التسلح بالوعي، أقصد به: الوعي السیاسي والحقوقي، لأن الوعي في تلك الشؤون الهامة هو عبارة عن بوابة لرفع الوعي الثقافي، الدیني، الطبي، الإعلامي… لأنه باختصار عندما یلج الإنسان عالم السیاسة والحقوق، سیعرف بأنها متحكمة بكافة مفاصل حیاته وهي الفیصل في كل القضایا مهما كبرت أو صغرت، وكل شيء یصبح رهن إشارة الحاكم، حتى الدین ومشاعر الشعب أحیانا، كالتعاطف مع دولة أو قضیة ما!

هل المجتمع العربي عمومًا ما زال بحاجة إلى الوعي؟

الظروف التاریخیة والسیاسیة تؤثر في نشأة مجتمع ما عن غیره، وبالتالي تكوین الدولة نفسها، ومن هنا یحدث التباین الذي یفرض علینا مراعاة هذه الجوانب أثناء الحكم على الشعوب.

الشعوب العربیة تختلف درجة الوعي فیما بینها، بحسب ما مرت به من تجارب، فالوعي في الحالة التونسیة أو الجزائریة أو المصریة یختلف عنه في الحالة الخلیجیة وحتى في دول الخلیج الواحد یختلف من شعب إلى آخر! ولكن لكي نقیس وعي شعب ما، نحتاج إلى أدوات أقلها الملاحظة البسیطة وصولا إلى الاستبیان وإجراء البحوث ذات الصلة، وهذا ما یفتقده الباحث أحیانًا في الدول التي تنعدم فیها الشفافیة. لا سیما عند قیاس الوعي السیاسي والحقوقي تحدیدًا.

ولكن إجمالا أستطیع أن أقول المجتمعات بحاجة إلى وعي مستمر، أشبه ما یكون في رحلة علم طویلة لا تنقطع، ولها مراحل من الممكن أن نقول بأن هذا الشعب قد بلغ مرتبة الوعي المطلوب ألا وهي (الوعي بما یحاك ضده من قبل الحاكم بكل أجهزته، ومعرفة ما له وما عليه).

لماذا نحتاج إلى الوعي؟

عندما نرزح تحت نیر الاستبداد، ونحیا حیاة غیر طبیعیة، نكون بأشد الحاجة إلى تشكیل وعی حقیقی بعیدًا عن التزییف الذي تم خلقه، لكي نستطیع أن نواجه به آلة الاستبداد وأهله.

من أین یُستمد الوعي؟

في ظل سیطرة الحاكم الفرد على كافة مفاصل الدولة، یصبح الإنسان واقفًا أمام عقله الذي یستوقف كل خبر أو معلومة ویشك بها حتى وإن كانت من مصادرها التي یسیطر علیها الحاكم، فلا ثقة بإعلام، صحافة، دار نشر، مؤلف … كلها مقیدة ومغیبة عن شمس الحریة والحقیقة. لذلك یبقى على الواعي أن یتوخى الدقة والحذر في قراءاته وتلقیه أي معلومة من أي مصدر كان، وعلیه البقاء بجانب الإعلام الحر النزیه مع مراعاة إعمال العقل دائمًا وعدم تسلیمه للآخرین.

ماذا بعد الوعي؟

من عرف الحقیقة أین تكمن، والحق أین یسكن، یصعب علیه أن یركن للركود والسكون. الوعي والإدراك محركان للضمیر ینفخان الحیاة فیه، حتى لا یعد بمقدور الواعي أن یصمت إلى الأبد، فما بعد الوعي إلا العمل.

صار لزامًا علينا في الوقت الذي يبتكر فيه الطغاة واعوانهم أساليب التكميم والقمع، أن نتسلح بالوعي الحقيقي، فهو الذي سيجعلنا نعرف متى نصمت؟ ومتى نتحدث؟ وكيف نعمل ومع من؟ تسلحوا بالوعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد