فرضًا لدينا أحد الأشخاص يعمل داخل مؤسسة مالية ولديه فرصة سانحة بأن يقوم باختلاس مبلغ من المال من تلك المؤسسة، مع العلم أنه لن يتم اكتشاف الأمر ولن يؤثر على أعمال المؤسسة.

ما السبب الذي يمنع هذا الشخص من القيام بالسرقة خاصة وأن الأمر لن يتم اكتشافه؟

عند طرح هكذا فرضيات طالما كانت الإجابة تتلخص في أنها الأخلاق، ولكن هل القيام بالفعل الأخلاقي يعد دليلا على تمتع الشخص القائم بهذا الفعل بالأخلاق؟

يلخص إمانويل كانط تلك الفكرة عن الأخلاق بالتفريق بين أمرين هما الفعل الأخلاقي والدافع للقيام بهذا الفعل، فلا يكفي القيام بالفعل المتصف بالأخلاق لوصف فاعله بحسن الخلق فمن الجائز أن يقوم شخص ما بأمر هو فعل حسن وبالرغم من ذلك لا يكون ذَا خلق.

وتوضيحًا لذلك لنكمل الفرضية المطروحة بأن ذلك الشخص لم يقم بسرقة المبلغ (وذلك هو الفعل الأخلاقي) ولكن الدافع لذلك كان أنه وبالرغم من علمه بأنه لن يتم اكتشاف فعلته إلا أن خوفه من العقاب كان الرادع لكي لا يقوم بالسرقة، أو في حالة أخرى كان الوازع الديني أو حرمانية فعل السرقة هو ما كان رادعًا له، هل يظل حكمنا على ذلك الشخص بأنه ذو خلق؟

يرى كانط أنه في هكذا حالات وطالما أن الدافع والمحرك الرئيسي للسلوك الأخلاقي لم يكن نابعًا من قيمة الفعل ذاته إذن لا يمكننا الحكم بأن ذلك الشخص قد قام بسلوك أخلاقي.

وعليه في فرضيتنا و حتى يكون الفعل أخلاقيًا، على الشخص ألا يقوم بالسرقة لأنه يعي أن فعل السرقة في ذاته هو سلوك غير أخلاقي ويكون ذلك هو الدافع والمحرك لفعله حينها يمكننا القول بأن ذلك الشخص ذَا خلق حسن وما قام به هو سلوك أخلاقي.

ولكن ما المانع أن نطلق على السلوك الحسن الناتج عن دوافع بعيدة عن نظرية كانط «ذاتية الأخلاق» إنها سلوكيات أخلاقية، ذلك إن أي دافع غير الأخلاق الحسنة في ذاتها سيخضع للأهواء والمواقف وبالإمكان التلاعب به بل وتحويله من كونه فعلًا أخلاقيًا إلى فعل غير أخلاقي أو العكس.

وبما أن الدوافع الرئيسية التي تدعم غالبية التصرفات البشرية هي إما الخوف أو الدين فلنأخذ تلك الأمثلة الواقعية والتي تحول فيها الفعل للنقيض بسبب تلك الدوافع.

أولا المثال الأقرب على الوازع الديني ما تفعله الجماعات الإرهابية وفلسفتها في قتل الآخرين فالقتل في ذاته فعلًا غير أخلاقي خاصة وإن كان في حق أبرياء، وبالرغم من أن الدين لم يكن يومًا داعيًا للقتل أو العدوان إلا أن أعضاء تلك التنظيمات لديهم من الأساليب ما جعلهم قادرين على إقناع أتباعهم من أن الدين هو الدافع للقتل بل وجزاؤه الجنه وجعل من يقوم بالقتل لديه قناعه راسخة بأن ما يقوم به هو سلوك أخلاقي يجب الاقتداء به.

أما عن دافع الخوف فينشأ منذ الطفولة مع قيام الأسرة بتربية أطفالها على الخوف من العقاب الأبوي فلا يجب أن يقوم الطفل بالسلوك غير الأخلاقي حتى لا تتم معاقبته من رب الأسرة، ولكن ماذا لو لم يعلم رب الأسرة بذلك السلوك إذن يكون الطفل قد أفلت من العقاب وعليه تكون لديه القدرة على القيام بالسلوك غير الأخلاقي لأن الدافع للقيام بالسلوك الأخلاقي قد انتفى، وبعد أن يشب ذلك الطفل يظل خوفه من العقاب السلطوي والقانوني مرتبطا بفكرة الإفلات فهو قادر على إتيان الفعل غير الأخلاقي طالما لن يراه أحد أو أنه قادر أن يفلت من العقاب.

ولكن ما الذي يجعل من الفعل أخلاقيًا في ذاته؟ يجيب كانط عن ذلك بأنه الانتشار، فكل فعل يجب تخيل انتشاره داخل المجتمع وما إذا كان ذلك سيكون في صالحه أم أنه سيضر ببناء المجتمع وقيم التعايش بين أفراده، فلا يمكن لأحد أن يعيش داخل مجتمع من الكاذبين أو القتلة أو الزناة أو السارقين وهكذا بينما يمكن العيش داخل مجتمع يتمتع أفراده بالصدق والأمانة والتعاون وهكذا، وبذلك يمكن التفريق بين الأفعال الأخلاقية وغير الأخلاقية في ذاتها بتطبيق مبدأ الانتشار وأن يتمتع كافة أفراد المجتمع بتلك الصفة الأخلاقية.

وبذلك يمكننا القول بأن القيمة الأخلاقية لأي تصرف تتوقف على الدافع الذي حدث هذا التصرف من أجله، فحتى يصبح المجتمع أخلاقيًا على أفراده القيام بالفعل الصحيح للسبب الصحيح وحينها يصبح ما يحرك أفراد ذلك المجتمع نحو التصرفات الأخلاقية هو الضمير أو ذاتية الأخلاق، وعليه فإن أردنا أن نعيش في ذلك المجتمع الفاضل علينا أن نربي أبناءنا على عدم مشروطية الأخلاق وأن يقوموا بما هو أخلاقي لا لشيء سوى أنه الفعل الصواب حتى لا تقع أخلاقهم تحت أهوائهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأخلاق
عرض التعليقات
تحميل المزيد