مصائبُ قومٍ عند قوم فوائدُ، في عالم الغيبيات وحقيقة القدر، لا أحد يستطيع الجزم في التنبؤات والتكهنات، يداهمنا التّخوف من المستقبل لأننا نعيش في عالم متوحش جُرّد من إنسانيته ومات ضميره، المُلاحق والمطارد واللاجئ لم يعدّ يأَمن على حياته في دول اللجوء، فبعد حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي نقرأ ما وراء الحدث لأنّ مقتله فجّر الرأي العام العالمي باعتباره صوتًا كبيرًا ضدّ النظام السعودي، وقد أثّر بشكل كبير ونوعي على حركة وعجلة السياسة والاقتصاد الدولي.

جريمة إنسانية دولية من العيار الثقيل غيّرت في حركة السّوق الدولية وذلك لِتورط النظام السعودي فيها، تلك الجريمة أصبحت نعمة على منطقة الشرق الأوسط، فيما هي أصلًا نقمة سجلت على أكتاف القتلة، ولاحتواء وامتصاص السخط الشعبي عمد النظام السعودي إلى اتخاذ عدة إجراءات أبرزها: الإفراج عن المعتقلين من أبناء العمومة خالد وعبد العزيز وطلال، وإطلاق سراح الموقوفين بقضايا مالية، وهناك أنباء عن إمكانية الإفراج عن بعض الدعاة، أيضًا زيارة الملك لمدينة القصيم وهي معقل «تيار الصحوة» على حدّ وصفهم، زيارة الملك لجرحى اليمن في المشفى، وتوزيع الأموال على شيوخ القبائل والعشائر، كما تمّ إقرار مشاريع بقيمة 16 مليار ريال.

أمّا على الصعيد الدولي: فالولايات المتحدة قضية الخاشقجي بالنسبة لها هي ورقة رابحة، تضغط بها على ابن سلمان في إدارة ملفات (سوريا، اليمن، ليبيا، قطر) وفتح نافذة جديدة وإمكانية استغلال الولايات المتحدة بأن تطلب من السعودية تمويل سوريا لتقف معها في القضية، كما تمّ حصر وتقييد النفوذ الإيراني والروسي في سوريا، وبالنسبة لتركيا التي تدخلت في الحفاظ على الحدود المجاورة والتي يقطن فيها الأكراد -لكن يمكن لواشنطن أن تحصل على تنازلات من قِبل تركيا فيما يتعلق بموقف الأكراد- وفي ما وراء حادثة القتل بدأت الأمور تصطلح وهي فك الحصار عن قطر وإعادة إدماجها كحليف في إطار إعادة العلاقات الدولية والثنائية (القطرية-السعودية) كما كانت في السابق.

هنا يمكن الحديث أيضًا عن تجدد الأمل لدى اليمنيين نحو إعادة النظر في قضيتهم وتوجيه الرأي العام لهم عبر منع الكونجرس الأمريكي ببيع السلاح للسعودية خصوصًا والديمقراطيون أصبح لهم نصيب في اتخاذ القرارات بالقوة الضاغطة بعد حصولهم على أغلبية المقاعد، ورقة قتله رابحة فعلًا لكلّ الفواعل الدولية وصانعي القرار الفاعلين والبارزين على مسرح التّفاعلات والأحداث المتصارعة المتناقضة والمتقلبة، فقضية مقتل خاشقجي ضبطت البوصلة في اللعبة الدوليّة بما تناسب وتوافق مصالح الأطراف الفاعلة والمتحكمة في المشهد، من خلال ما سبق ذكره يتبين لكل متابع أننا صرنا في عصر تأهيل المجرمين وتبييض صفحاتهم ولهم في بشار الأسد أسوة، إنّ نوع التأهيل بمنظور السعودية يأتي على شكل تنازلات أو مفاوضات، أو تصليحات وإجراءات كان الشعب يصرخ بها سابقًا ولا يُسمع له، وأعتقد إذا تمّ الافراج عن الدعاة والعلماء في السعودية ستكون ضربة موفقة من الملك سلمان لتقديم ابنه التائب من جديد، لكن السؤال هل سينجح سلمان يا ترى؟

وعلى ضوء ما جرى نقف محللين أنّ مقتل ذاك الرجل بطل القصة، هو قتل لكلّ ثورة وانتفاضة وصوت حقّ يهدد عرش الطغاة، وعلاوة على ذلك فُضِحت الوجوه، وجوه ورؤوس الثورات المضادّة، ومهما حاول النظام السعودي من الآن فصاعدًا التّفكر في أمره وقراره وأخذه على محمل الحذر بعيدًا عن الفوضاوية، وألا يقوم بأي تصرف قبل دراسته وعقلنته والنظر فيه مرارًا وتكرارًا، وبألا يخضع تنفيذ القرارات لأهواء أشخاص بل لسياسة مدروسة بحسب ما يتطلبه الواقع الدولي، لن ينفعه ذلك في المدى المنظور! ومآله إلى السقوط، وصدق القائل ربّ ضارة نافعة، رحم الله الصحفي جمال خاشقجي لقد أصلح بدمه العالم المتوحش، هنيئًا له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد