أثار قرار انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران 2015، إلى جانب ظهور الخط الساخن الإسرائيلي ضد إيران، تحولًا نوعيًّا في استراتيجيات أمريكا- إسرائيل أمام رسم سايكس بيكو جديد، بالتوازي مع ضرورة التحكم في موازين القوى الدولية الغربية والأوروبية، فبعد ثبات استاتيكي شكلي لاستراتيجيات الصراع العربي، بات من الضروي على قطبي المنطقة تهيئة المناخ العام، قبل الوصول إلى نهاية ترتيبات وضع المنطقة المنظّم، الذي يتطلب قابلية العالم العربي بإقرار نظام عالمي جديد، متحكم بموازين القوى والاقتصاد العالمي، وقد يكون حدث نقل السفارة الأمريكية إلى القدس الاثنين 15 مايو (أيار) 2018، أحد أوجه هذا النظام.

ما يهمنا في هذه الورقة الإضاءة على بعض المتغيرات الدولية التي طرأت في الاستراتيجيات والسياسات الأمريكية الإسرائيلية، وكيفية ترجمتها على الواقع العربي، للوصول إلى بعض النتائج المنطقية التي تفيد واقعنا العربي، وقد يكون الهدف توعويًّا أكثر من المأمول منه عمليًّا، في إحداث نهضة عربية تنقذ الأجيال اللاحقة من الأنظمة الوظيفية التي أنهكت الجسد العربي بتبعيتها للغرب على حساب حرية شعوبها وكرامتهم.

مرحلة ما قبل الفوضى الخلاقة وما بعدها

لم يصل العالم العربي ذروة التبعية للغرب فقط من خلال مسيرة تطبيع العلاقات مع إسرائيل والغرب، فهذا غيض من فيض، فتدمير بلاد العرب وتمزيقها من أوطان إلى دويلات، لم يحدث فقط بفعل الانصياع الكامل للغرب، ففي نهاية المطاف حتى الأنظمة المستبدة ترغب في الحصول على الحماية بأقل خسائر، إذن ثمّة عوامل أخرى كانت من شأنها أن تُفضي إلى النتائج الأخيرة، وعلى رأسها غياب أي دور عربي في تحديد هويتها، بسبب فقدان عامل التأثير في الرأي العام الدولي. ولا شك أن عامل التاريخ بما يحوي من أحداث مهمة هو العامل والمحرك الأساسي للترجمات التي تحدث في محور دول شرق الأوسط.

في عام 1983، وافق الكونجرس الأمريكي على مشروع صاغه المستشرق البريطاني «برنارد لويس»؛ إذ أُطلق على المشروع اسم «حدود الدم»، والذي يهدف إلى تفتيت البلاد العربية الإسلامية وتقسيمها إلى دويلات متفرقة على أساس ديني ومذهبي، وقد وضع هذا الإعلان اللبنة الأولى أمام ما يسمي مشروع شرق اأسطي جديد، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2003 أعلن جورج بوش الابن أمام «مجلس الوطني لتنمية الديمقراطيات» أن واشطن ستتبنى استراتيجية مستقبلية في الشرق الأوسط، وقد لا يغيب عن الأذهان أن هذا الإعلان جاء ترجمة لتداعيات أحداث 11 سبتمر (أيلول) 2001، التي كانت نقطة تحول استراتيجي في السياسية الأمريكية الخارجية، ولعل ما أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية «كونداليزا رايس» 2005 قد ساهم بشكل عملياتي على وضوح التحول النوعي للاستراتيجيات الأمريكية الجديدة، فقد استخدمت الوزيرة آنذاك مصطلحات ماسونية مأخوذة من «بروتوكلات صهيون»، لحظة إعلانها تبني واشطن نشر الديمقراطية في العالم العربي، وهو الحق المُراد به باطل، في نشر الديمقراطية وانتقال دول العرب من عصر الديكتاتوريات إلى عصر الحريات.

إزاء التنقل بين التصريحات والأفعال وتكتيم النوايا، تسارعت الأحداث برمتها، واقترن مصطلح الفوضى الخلاقة بشكل مباشر «بثورات الربيع العربي»، خصوصًا بعد غزو أمريكا للعراق 2003، بذريعة امتلاكها أسلحة دمار شامل، لنتكشف في ما بعد أن هدف نشر الديمقراطية في العراق، كان تقسيمه إلى دويلات على أساس مذهبي وطائفي، وتغذية للصراعات العرقية بين سنة وشيعة، وعرب وكرد، ولكي يتحقق ذلك، تنامى التحالف الأمريكي الإسرائيلي مع إيران الذي قدم لها العراق على طبق من ذهب، وأتاح لها التمدد المذهبي في الدول العربية، مقابل اجتياحها المكونات العربية الإسلامية.

وبعد أن أحكمت إيران قبضتها على العراق، سارعت في تكريس وجودها بموافقة غربية، في لبنان، ونتج من مسرحية حرب يوليو (تموز) 2006، بين حزب الله وإسرائيل، تشكيل جدار شيعي يحمي أمن إسرائيل، إلى جانب بسط أذرعها في الخليج واليمن وآخرها سوريا، لتكتمل بذلك مهمتها على كافة الأوجه.

نهاية التوكيل الغربي لإيران واستكمال مخططات التفتيت العربي

بعد مُضي سبع سنوات من عمر الثورة في سوريا، استطاع الغرب تحقيق حزمة من النتائج العملية التي تخدم جوهر المشروع الأوسطي، فكما انتهى العراق دولة ذات سيادة عربية، انتهت سوريا دولةً وشعبًا، واقُتلع السوريون من جذورهم، وهُجروا من بلادهم، وأصبحت سوريا مقسمة عمليًّا لمناطق نفوذ دولية، بفعل أذرع إيران وروسيا، وكل ذلك حدث بشكل منتظم تحت المناظير الإسرائيلية- الأمريكية، وبتنفيذ الوكلاء روسيا وإيران، واستطاع الأخيران وضع حجر عثر قوي في مياه المتوسط، وفتحت إيران شهيتها لجعل سوريا أرضية حية للجبهة الشمالية الإسرائيلية، بمعنى أنها استغلت تحالفها مع الغرب، واستفادت من عامل الزمن، فهي من جهة حققت مطالب الغرب، ومن جهة أخرى أرادت فرض نفسها لاعبًا إقليميًّا متحكمًا بمجريات رسم المنطقة عبر استجرار النتائج لصالحها.

لم تكن أمريكا وإسرائيل غافلتين عن المخططات الإيرانية الروسية، فكل شيء مدروس وقابل للنفاذ بأي وقت، ما دامت تملك قوانين العبث في المتغيرات وقلب الثوابت أو استبدالها، ولا شك أن العالم قد ذُهل من وصول الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» إلى السلطة، فكيف لرجل يملك عقلية التاجر أن ينفذ إلى قاعة البيت الأبيض، وهو ما بات واضحًا اليوم للعيان، أن مسوؤلية هذا الرجل، هي العبث بالرمال الراكدة، وتبديل الأحجار ووضع أخرى، مع التركيز دومًا على حرف الأنظار والرأي العام عن الأهداف والغايات الأساسية.

نسف الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» حقبة سلفه أوباما، وهو ما بدا ظاهريًّا، لكن جوهريًّا استمر بالنهج نفسه، وغطى على الكثير من الثغرات التي أحدثها أوباما الذي اكتفى بتحقيق إرثٍ شخصي انتهى بتوقيع الاتفاق النووي مع إيران بمشاركة دول 5+1 في 2015، هذا الاتفاق الذي بات اليوم ذريعة أمريكية لوضع ختم نهائي للتوكيل الإيراني.

انسحاب ترامب النووي وبداية تقليم الأظافر

إن استشعار إيران بحساسية وزعزعة العلاقة مع الغرب، دفعها إلى تكريس نفوذها خارج حدودها، محاولةً بذلك بناء خط دفاعي ثانٍ، يسمح لها أن تكون بموضع منافس لكبرى الدول في العالم، فالاتفاق النووي الإيراني مع الغرب، وعلى الرغم من معرفة الغرب لخفاياه، إلا أن أوباما أصر على توقيعه، وقد يكون الهدف آنذاك الاستفادة من عامل الوقت وانشغال الولايات المتحدة بملفات أهم وأعمق، فمن المعلوم أن آخر هم لأمريكا الخشية من النووي الإيراني، وهي التي تعلم تمامًا بأي لحظة كيفية تقليم الأظافر ونزعها، وفي الوقت الذي عُرف بلحظة الحقيقة أعلن ترامب ليلة 8 مايو 2018 قرار الانسحاب، واصفًا إياه بالاتفاق الفاشل الذي سمح لإيران بتغذية الإرهاب وتهديد مصالحها، مُقرًا بالوقت ذاته المزيد من العقوبات الاقتصادية على إيران منتصف نوفمبر القادم 2018.

وفي الحديث عن الدوافع الأمريكية من الانسحاب، نرى أن ثمة رسائل أمريكية إسرائيلية، ظهرت في الوقت المناسب، والغاية والهدف منهما تلبية الرغبات الثنائية من دول حلفاء إيران أولًا ،وإيران ثانيًا، ومن الدول الأوروبية ثلاثًا.

من ناحية عملية أمسكت أمريكا بذريعة الاتفاق النووي طويلًا لتُفجره اليوم على لسان ترامب، بهدف تقليم أظافر إيران المنتشرة بشكل غير منتظم في سوريا والعراق ولبنان، وكان لا بدّ من فرض هذه الذريعة، لإفهام إيران أنها تجاوزت الخطوط المرسومة لها مسبقًا من قبل إسرائيل، التي لم تكن راضية بالأساس عن هذا الاتفاق منذ لحظة انبثاقه، وهناك رسالة ضمنية أخرى لإيران، مفادها أن مسار التحالف الأمريكي الإسرائيلي الإيراني السابق قد انتهى عقده، فما حدث في العراق واليمن وليبيا، يختلف عما يحدث في سوريا، والسماح والتغاضي السابقان يختلفان في سوريا، فمن غير الممكن العبث بأمن إسرائيل، وبعثرة مشروعها في المنطقة، بمعنى آخر إنّ تحالف الغرب مع إيران ربما كان مرحليًّا ومؤقتًا وضروريًّا، بُغية الوصول إلى الفصل الأخير من تفتيت المنطقة قبل رسمها من جديد.

وفي الوقت نفسه يمكن القول إن التوتر الغربي مع إيران، أبدًا لا يعني أن هناك رغبة غربية في فتح حرب مباشرة مع حليفتها إيران، فلا إسرائيل راغبة في ذلك، لا سيما بعد نجاح إنتاجها «الحروب الوكالية»، ولا حتى أمريكا ترغب في ذلك، بعد نموذج أفغانستان والعراق، الذي لا يكاد يغيب عن ناظريها إطلاقًا، من منحى آخر يبقى نمط الحروب الأهلية بأذرع محلية له أفضلية في تحقيق نتائج بتكلفة أقل، وخسائر تكاد لا تذكر.

كما حمل ترامب رسالة للدولة الأوروبية المنافسة له اقتصاديًّا، أن عليها الاختيار إما إيران وإما أمريكا، وهذه الدول تعتبر نفسها المستفيد الأول من الاتفاق النووي مع إيران، بعد انفتاح أوروبي عليها بتوظيف رؤوس الأموال، واستثمارات مشاريع اقتصادية ضخمة، وهذا ما يفسر الخوف الأوروبي من قرار ترامب، والسعي الدؤوب لمرحلة إنقاذه، أو التقليل من أضراره، وقد يقودها المطاف إلى إقناع إيران بتعديل الاتفاق وخوض مفاوضات جديدة، قد تكون منفصلة عن الاتفاق السابق، بما يسمح بإتمام صفقة حول برنامج الصواريخ البالستية، وتموضعها المنظم في المنطقة.

خيارات إيران

إيران بدورها تملك قدرة الالتفاف على أي اتفاق مع نية الاستمرار في التوسع المذهبي خارج الحدود، فالاتفاق بمجمله الذي نص على تحجيم تخصيب إيران النووي، ووضع برنامجها تحت مراقبة الطاقة النووية، لم يتطرق إلى برنامج إيران الصاروخي «صورايخ البالستية الحاملة للرؤوس النووية»، كما استفادت إيران من تأسيس قواعد كيميائية في سوريا، وأخرى عسكرية متاخمة للحدود مع إسرائيل، أي أن الاتفاق لم يمنع إيران من تطبيق برنامج نووي خارج حدودها، إلى جانب كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» عن الوثائق السرية لبرنامج إيران النووي(1).

كان هدف إيران النووي، هو رفع القيود عن العقوبات الاقتصادية، وتحقيق انفراج عن أموال طائلة، لحل الضائقة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، بعدما استنزف نظام خامنئي ثروات إيران في صرف مليارات على تشكيل لواء القدس وميليشيات مختلفة خارج الحدود، ولا يغيب البتّة تراجع الاقتصاد الداخلي وتهاوي الريال الإيراني إلى أدنى مستوياته(2) منذ حلول عام 2018، وقد تذكرنا هذه المرحلة بحقبة «الشاه»، فقبل سقوطه بثلاثة أشهر تم الكشف عن قوائم سرية لأكثر من 179 شخصًا هرّبوا آنذاك أموالهم إلى خارج البلاد.

أمام إيران خيارات ضيقة، كونها تعي تمامًا عدم حتمية استدامة تكتيم الأفواه الداخلية والأصوات المعارضة ضدها، من جراء ممارستها سياسة التوسع المذهبي مع موازاة مسك زمام الأمور داخليًّا، في إشارة هنا إلى قمع الأصوات الاحتجاجية التي انطلقت في إيران أواخر 2017، وبداية 2018.

من ناحية واقعية إيران غير قادرة على مواجهة أمريكا وإسرائيل معًا، بعد استنزافها في السنوات الأخيرة، فإيران هي الحليف الأول لنظام الأسد، فمنذ 2011 وحتى اليوم، لا تزال تقدم الدعم المالي والاقتصادي والعسكري، مأخوذة من مقدرات وثروات إيران، وعلى حساب كامل المكونات الإيرانية، ما أدى إلى استنزافها، وهي النتيجة التي لا يزال نظام خامنئي يتجاهلها على أمل التعويض من ثروات سوريا، لذا نراها اليوم على خلاف مع الحليف الروسي، بسبب ارتفاع حدة التنافس للسيطرة على النفط والغاز شرق سوريا.

روسيا بدورها راضية عن تحجيم الغرب لإيران كونها الحليف الثقيل عليها سوريًّا، وهو ما دفع صمتها عن الضربات الإسرائيلية المتكررة لمواقع حيوية تابعة لإيران، فعقب يوم من قرار الانسحاب، تمت ترجمة حقيقة قرار ترامب، جاء بالتوازي مع زيارة «نتنياهو لبوتين»، والتزم الأخير بعدم الاعتراض على الضربة الإسرائيلية، وقد استهدفت إسرائيل خلال أبريل (نيسان) الماضي أكثر من مرة مراكز وقواعد إيرانية ومنشآت كيماوية ولوجيستية وتقنية في العاصمة دمشق ودرعا وريفي حماه حلب والقنيطرة، من دون أي اعتراض روسي، بل على العكس، تراجع بوتين بعد لقائه نتنياهو عن تزويد دمشق منظومة أس 300، معتبرًا أن دمشق لديها ما يكفي من الأنظمة الدفاعية(3). هذا التحول النوعي في محور حلفاء دمشق، يدل على تطويع روسي للحليف الإيراني، مقابل ضمانات إسرائيلية بنفوذ روسيا في سوريا، وقد نشهد مستقبلًا حلًّا لبعض الملفات العالقة بين روسيا وأمريكا، كملف أوكرانيا وشبه جزيرة القرم والدرع الصاروخي بوساطة إسرائيلية.

إيران ليست بمعزل عن هذه المجريات، وهي تعي تمامًا أن نية الغرب ليست حربًا مفتوحة، بقدر ما هي محاصرة دولية شرعية لإيران لتحقيق الرضوخ النهائي لرغبات الغرب، في هذه الصدد أعلن روحاني عقب يومين من قرار ترامب، قبوله الخوض في مفاوضات جديدة مع دول أوروبا، والبقاء في الاتفاق شريطة تقديم ضمانات أوروبية له، وهو الأمر غير الواضح بعد عند دول أوروبا التي لا ترعب خسارة أمريكا على حساب بعض المشاريع الاقتصادية مع إيران(4)، لكن من المرجح أن توازي دول أوروبا بين مصالحها مع إيران وأمريكا، وهو ما يتم العمل عليه اليوم عبر مطالبتهم العالمية تهدئة حدة التوتر والعداء، لضمان سلامة الأمن النووي في العالم.

يبقى على إيران أن تحدد خياراتها في أقل الخسائر، وبعد استبعاد خيار الحرب الإقليميةـ والرغبة في الحفاظ على المكاسب المذهبية في المنطقة، يبقى لها خيار وحيد، هو عدم خساراتها دول أوروبا، والقبول في تعديل الاتفاق النووي بما يضمن مصالح وجود إسرائيل وأمنها، وقد يترتب عليها الانسحاب من مناطق النفوذ الإسرائيلي في سوريا بمسافة المنطقة الآمنة التي أعلنت عنها إسرائيل المقدرة بـ30 كم باتجاه العمق السوري، مقابل ذلك سيتم احتواء إيران دوليًّا، مع استمرار تحالفها التاريخي مع إسرائيل وأمريكا، للمضي بعد ذلك قدمًا نحو المزيد من تطبيق المخططات والمشارع على حساب خيرات وشعوب الدول العربية الإسلامية، ولا نستبعد أبدًا أن يكون القادم على دول الخليج والسعودية وتركيا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد