جلس المُريدُ إلى شيخه في ساعةِ صفاء؛ لينهلَ من أنهار معرفته ما يرطّب بهِ مجاري قلبه التّي جفّفتها الدّنيا؛ فجعلتها قاسيةً كالمفازةِ الجرداء إذ تنتصفُ فيها شمسُ الظّهيرة في الصّيف شديد الحرّارة.

كانت حركةُ العلمِ في تلكَ الفترة من الزّمن في ازدهارٍ وازدياد، فقد شَرَعَ أهل اللهِ في بناء الزّوايا في حواضر البِلادِ وأريافها؛ لقلعِ الجهلِ الّذي أحاط بالنّاس وكَفرِ بذور المعرفةِ في تُرُبات تلكَ القلوب الّتي أعيتها الحَيرة مما تداولوه لأجيالٍ من خرافاتٍ عن الوجود ومنتهاه، والإنسانِ وضالّته في هذه الحياة، بعيدًا عن العمل والكسبِ والتزاوج والتّناسل ومشاهدة الغُروب والشّروق بعيونٍ تائهة.

«أنصِت يا ولدي واحفظ -إن شئتَ- عنّي» نطق الشّيخ بصوته اللّين المرصّع بالحزم.

«إنّ المُرادَ من الوجود معرفة مُرادِ الواجِد واتّباعِهِ في حِلّك ومرتحلِك، في جَمعِكَ وخلوتِك، وعليكَ بالجِدّ والسّعي واحذَر من الخِذلان».

«وما الخِذلان يا سيّدي؟» سأل المُريد بلسانٍ ممزوج الفضول بالحياء.

«الخِذلان يا ولدي أن تعلمَ ما يقع على عاتقكَ عمله من أمور ربّك، ثم ألّا تعملها مع قُدرتك، فإنّ الإنسان الحذق قد يهمل بعض الأمور بعض الأحيان؛ ولكنّه إذا جدّ الجدّ اجتهد وعمل، واعلم أنّ العادةَ أقوى من الإرادة فروّض نفسك واصنع عاداتكَ تبعًا لعلمك لا لرغبتك؛ فمن انقاد للعلم نجا ومن انقاد للرغبة فتلك خسارتان؛ واحدةٌ في الدّنيا وأخرى فيما يليها، أمّا من عوّد نفسه العمل صار العمل عادةً عنده ومن اعتاد التّسويف والتّأجيل؛ فقد ظلم نفسه وجعلها تُكابدُ الطاعة كما يُكابد الأسير قيوده».

تحرّك الشّيخ في مجلسهِ مضطربًا وقد سالت على جبينه قطراتُ من العرقِ الخالي من رائحةِ العرق؛ كأنّما هي قطرات النّدى الّتي تزيّنُ بها الورود عندَ الأبكار، وبانت على وجههِ نظرةٌ غير معهودة ولا مألوفة، ثمّ حدّق بالمُريدِ حتّى ظنّ المُريدُ بنفسهِ الظّنون؛ فأخذَ يُعاينُ ثيابه ويلمسُ وجههُ ليرى ما الّذي استبدل الرّيبة بسكينةِ الشّيخ فلم يجد عليه من البأسِ، ولم يكن عليه -أي المريد وثوبه- إلّا ما كان عليهِ عند خروجه من منزله صباحًا، لكنّه التزم الصّمتَ ليفسح المجال لشيخه. نطق الشيخُ أخيرًا بصوتٍ عميق النّبرة:

«يا ولدي، فمن المصوِّر؟»

سكت المُريدُ لٍبُرهةٍ ثم أجاب بصوتٍ متردّد: «اللهُ هو المصوِّر، يا شيخي».

أكمل الشيخ: «فيا ولدي، اِعلم أنّك لستَ صورتك، وأنّ النّاس ليسوا صورهم الّتي صُوِّروا بِها وعليها، فلا يأخذكَ الحُزنُ من قُبحٍ وجده النّاس فيك ولا يرفعنّك الكِبر إذا لوقِيتَ بالمدح على ذات الصّورة، أنتَ لستَ الصورة ولا الشّكل ولا الهيئة، إنّ من يراك إنّما يراكَ بعينِ قلبه لا بعين بصره، ألا تجدُ الحبيب يجدُ الحبيبةَ أبهى النّساء لحبّه لها وهيامه بها؟ مع أنّ العالم مليءٌ بنساءٍ غيرها قد يسبقنها في حُسنِ الملمَحِ أو معالمِ الجسم؟ أولم ترَ أنّ الحاقد يرى قبيلَهُ أقبح النّاس لحقده عليه لا لقبحٍ في صورته؟ فاحفظ عنّي يا ولدي».

تناولَ الشّيخُ قِربة ماء عن يمينه وقَطَر منها في فمه بعض قطراتٍ ثم أعادها إلى مكانها وحَمِدَ الله ورمق المُريدَ بنظرةٍ شديدة كأنّها تنطِقُ من شدّتها، وأردفها بقوله: «إنّ جِهاد العارف غير جهاد من لم يعرف، وإنّ من اختار خوض هذه الطّريق فقد اختار لنفسه تركَ زهرةِ الدّنيا لأهلها، والقبضَ على جمرها قبضَ الغريق على طوق نجاته، فمن عرف -يا ولدي- سُئل عن الّذي عرفه».

استمرّ صمتُ المُريدِ واعترت محيّاه ملامحُ الطّفلِ المرتبكِ في حضرة الوالد المؤدِّب، يريد الكلام ولا يجرؤ عليه، يريد السّؤال فلا تسعفه المُفردات. ثبّت الشّيخُ نظره في الأرض وبدا عليه الشّرود تارةً والتّركيز تارةً أخرى، هزّ برأسهِ ثم استأنف موعظته: «ستُحِبُّ كلّ النّاس يا ولدي، فكلّ النّاس أبناء اللهِ وخلقه، الضّالُّ منهم والمُهتدي، وإنّما يصدق حبّك للخالق بحُبّ خلقه وتعظيمهم، واذكر أنّك لست صورتك إنّما أنتَ ما وراء تلك الصّورة، أنتَ مزيج المشاعر والأفكار والعِلمِ وما أردفتهم من عمل، هذه الصّورة لا تعدو كونها بطاقة تعريفٍ بك؛ كاسمك تمامًا، فهل ترى كلّ من يحملُ اسمًا يحملُ صفاته بالضّرورة؟ كلّا يا ولدي. إنّ لك من الإشاراتِ ما لن يُضيعكَ، كلّما رأيت النّاسِ أجمل عندها تعلم أنّك ذو قلبٍ جميل صافٍ من الغلّ وسائر أمراضِه. أقِم صلاتك بهذا القلب واتلُ كلام ربّك بهذا القلب وتزوّج بهذا القلبِ وأنجِب بهذا القلب ولا ترضَ بقلبٍ غيره، إنّك إن فعلتَ كُنت من الفائزين، فاحفظ يا ولدي -إن شئتَ- عنّي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد