انتشر مرض «محاكم التفتيش» في السجن الكبير المُسمى مجازًا «مجتمعًا» صار الجميع يفتش في دواخل النفس للآخرين، يتابعون التصرفات، ويضعون الحدود التي لا يجب تجاوزها إلا ويتم عقابك بالنفي داخل حدود عقلك، يجب عليك أن تكون «إنسانًا» مطابقًا للمواصفات فتضحك حين تأخذ إذنًا بذلك، تبكي حين يقررون هذا، تتحرك وفق المسموح، تفكر داخل الإطار، تحب بالقدر المباح فقط، هنا فقط ستُمنَح صك أنك شخص عاقل وحكيم ومتفهم، وفي هذه الحالة ستضاف إلى معرض تماثيل المجتمع الناطقة المتشابهة والمشوهة والمملة. وليس هذا فقط ستكون مكبلًا بكل القيود غير المرئية المفروضة وعلى فمك ابتسامة بلهاء كُتب عليها «أعتقد أنني حر» فقط لإيهام الجميع بحرية وهمية حُفرت كخطيئة في اللاوعي حتى لا تتجرأ يومًا وتطلب أن تكون حرًا في حقيقتك.

هنا يظهر «الجنون» مخلصًا كالمسيح، يكسر قيودك الوهمية، يجعلك تخرج من حصارك الفكري المفروض، ففي هذه الحالة يتدخل فعل الجنون على العقل مُحطمًا زيفه، مُسقطًا آطر الشخصية الوهمية، وإزالة غشاوة الأقنعة من فوق أوجه النفس الراشدة.

ففي مجتمعنا الكثير من الأمور المسببة للجنون فإن لم نُجَنّ فهذا يعني أننا أصابنا التبلد ولم يعد يهزنا شيء، فالجنون هنا خير دليل على صحة العقل وسلامة علاقة التواصل مع الوسط المحيط.

فالجنون من الناحية الفلسفية وليست المرضية كان وعاء احتوى الكثير من أفكار النبوغ والتعقل، فالجنون والعقل والنبوغ حلقة مغلقة، فأكثر الناس تعقلًا أكثرهم نبوغًا وأكثرهم جنونًا أكثرهم نبوغًا كما جاء على لسان يوسف السباعي بـ«أرض النفاق».

فيزداد جنون الفرد كلما زادت أفكاره عمقًا ونضجًا، وكلما تشابك مع عقله منفصلًا عن عوامل الضغط والإرهاب الفكري المفروض في محيطه الخارجي، فالجنون هنا يكون حاملًا لتعقل من نوع خاص وندرة من التفكير المختلف. فيرجع «توينبي» أن الطفرات الحضارية قامت بأيدي أولئك النادرين، الذين يسير معهم الجنون في طريقهم.

ويكتب «إدجار آلان بو»: سمّاني الناس مجنونًا، غير أن العلم لم يكشف لنا بعد فيما إذا كان الجنون ذروة الذكاء أم لا، وفيما إذا كان كل ما يسمى مجدًا وكل ما يسمى عمقًا ليسا آتيين من مرض فكري، من حالة روحية تتمجد وتنمو على حساب الذهن العام. هؤلاء الذين يحلمون وهم أيقاظ يعرفون أشياء كثيرة تفلت من هؤلاء الذين لا يحلمون إلا وهم نيام. إنهم يلتقطون – في رؤاهم المغيّمة – لمحات من الأبدية، وإذ يستيقظون يرتعشون لتنبههم أنهم كانوا للحظةٍ على ضفة السر العظيم. إنهم يدركون  شيئًا من معرفة الخير، وأكثر أيضًا من علم الشر. وهم يخترقون المحيط الواسع للضياء الذي لا يوصف.

هذه المقطوعة تثبت الحيرة والقلق من الجنون ننظر دائمًا إلى آراء الناس ويحاصرنا الرعب من سحب اعترافهم بعقلنا، لذا يجب علينا أن نحصل على الجرأة اللازمة للاعتراف بجنوننا، الذي يحافظ على شجاعتنا في مواجهة الأمور الطارئة على واقعنا، يعطينا حرية الاختيار وتقرير المصير، يطلق العنان لحريتنا لنخبر الجميع أننا هنا. فهذه ميزة الجنون يضمن لنا متسع التناقضات هنا تكمن بشريتنا، فالجنون وحده يشمل الإيمان والكفر، الصدق والكذب، الحب والخداع. فعالم الجنون رحب جدًّا كما يعبر عنه «إميل سيوران» فهو يشمل الجميع، هؤلاء الصامتون وأولئك الثرثارون، هؤلاء الذين تخلصوا من كل أسرارهم أو احتفظوا بها الجميع سواء داخل الجنون.

في النهاية إن الضمانة الوحيدة لبناء عالم داخلي راقٍ ومتحضر هو الجنون وإرادة العيش مدفوعة بحلم الفكرة، إن الجنون مغرٍ لكثرة دروبه ومعارفه يفتح أفقًا من الإبداع اللامنتهي، ففوضوية الفكر قد تنتج من عقل أكثر قدرة على التعامل مع متغيرات العصر، عقل مجنون قد يساعد في نهضة مجتمع من الظلمات إلى النور، خير من أصحاب الرزانة المصطنعة الذين يتركون الوضع كما هو عليه محطمًا لخدمة مصالحهم وأقنعتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد