لطالما طرحت السؤال: هل فعلًا كل من يلج الأقسام الأدبية لا يحظى بالذكاء الذي يحظى به أولئك الذين يلجون الشعب العلمية؟

دائمًا ما كنا نسمع أن كل من يتخذ شعبة الآداب مسلكا ليس إلا أولئك الكسالى الذين لا مستقبل لهم، هدفهم الشغب وإفساد راحة الأستاذ أكثر من تحصيل الدرجات العليا. لم يكن هذا الرأي رائجًا داخل المؤسسات التعليمية فقط، بل حتى المجتمع يعترف ويعزز أفضلية الشعب العلمية، فإذا حصل أن ذكرت أمام أحدهم أنك اتخذت الآداب مسلكا، ستجد من الدهشة ما يدعوك إلى الاستغراب، فما يلبثون حتى يتنبأوا بمستقبلك المظلم لا محالة!

الحقيقة المؤلمة أنها لم تكن مجرد فكرة مروج لها داخل المجتمع، بل أصبحت قناعة منغرسة في لاوعي الأفراد شأنها شأن باقي المكرسات التي عمل الفكر التقليدي على غرسها داخل تلافيف المجتمع منذ عصر الانحطاط؛ أصبحت أفضلية الشعب العلمية حقيقة بديهية لا مجال لمناقشتها أو الخوض فيها.

لكي نفهم جيدًا علينا أن نخلع رؤوسنا بكل ما فيها ونفهم من جديد، فكل ما فات لم يكن مسنودًا على اللاشيء، بل على العكس من ذلك، هي خطة ممنهجة تستند على مقومات عدة تبدو كشيء عادي لا يساورنا أدنى شك تجاهها، فلدينا:

أولًا: تخصيص حصة الأسد من المعاهد العليا والمدارس لأصحاب الشعب العلمية مع إمكانية ولوجهم للكليات المخصصة للشعب الأدبية وإن لم يعلموا فحوى تلك الشعب في حياتهم. وهنا تحتاج منا الأمور إلى نظرة ثاقبة لفهم الرسالة الموجهة من نهج هذه السياسة والتي تهدف دون ريب إلى التقليل من أهمية تلك الشعب وجعلها متاحة لكل الفئات مما يجعلها خالية من المضمون، متناقضة تناقضًا صارخًا مع ما تتطلبه الشعب الأدبية من إطلاع مسبق ورصيد معرفي، وتحليلي، ونقدي، أي أرضية خصبة زرعت فيها بذرات في سنين فائته تنمو وتتشعب في الدراسات العليا.

ثانيًا: خلق فرص شغل تتناسب تناسبًا تامًّا مع آليتي الصنع والإنتاج. فالشعب العلمية إنما تدجن الفرد حسب إستراتيجية معينة بهدف جعله معينا على الإنتاج وفقا لما تتطلبه تداعيات العولمة في بلدان العالم الثالث. فرد يخدم مصلحة جهة معينة، دجنته وفق خطتها المدروسة مسبقا لخدمتها بطريقة مبتكرة لا تخلو من دهاء وفطنة؛ يعيش الفرد بذلك فتتعزز الفوارق الطبقية أكثر من السابق وتستمر الثنائية المعروفة، فالأغنياء الذين لا يشكلون سوى أقلية قليلة من المجتمع يزدادون غنى، والفقراء الغالبون على المجتمع يزدادون فقرا!

كون الشعب الأدبية تعتمد اعتمادا كبيرا على التحليل والمناقشة، على ابتزاز العقول وإخراج المعرفة القابعة داخلها فهذا يجعلها خطرا محدقا يحيط بأولئك الساعين إلى مجتمع راكد، لا ينتقد، لا يحلل، لا ينتج، فقط يستهلك. فالدراسة الحقة هي التي تنفتح بك على عوالم عدة، تبحر بك في ملكوت الكون فتريك أخبار الأمم، تجول بك لتستفزك وترغمك على البوح والسؤال، على البحث والتأمل. الدراسة الحقة هي التي تريك زيف الواقع، هي تلك التي تدعوك إلى الانحلال عن قيم المجتمع الزائفة.

وعلى الرغم من كل ما فات، إلا أننا قلما نجد من أهمية معطاة للشعب الأدبية، فلن تسمع أبدا على شاشة التلفاز أن فلانا حصل على ميزة ممتاز في الباكالوريا وهو الآن سيدرس الفلسفة أو غيرها من الشعب، ويتحدث كما يتحدث ذاك الذي حصل على ميزة ممتازة في الشعبة العلمية ووالديه يشجعانه من هنا وهناك! لا لن تجد أي شيء مما فات، كل ما ستجده هو كمية من السلبيين في طريقك يدعونك بين الفينة والأخرى إلى الالتجاء إلى الصلاة والدعاء عسى أن تحدث معجزة فتغير ذلك المصير المظلم الذي قرر بشكل تلقائي جلي وواضح وضوح الشمس. فتقف مدهوشًا أمام كمية البلادة غير الطبيعية التي طبعت على عيون البشر وبصيرتهم فما أصبحوا يفرقون بين الحق والباطل، تجدهم يقسمون الأرزاق بين بني آدام ويحكمون ويستنتجون بناء على أسس واهية لا علاقة لها بالواقع! أمثال هؤلاء الداعين الناشرين لهذه القيم إما أن تجدهم من أولئك الذين ساروا في مجال الآداب فلم يفلحوا بسبب ما تتطلبه هذه الشعبة من دهاء وفطنة، أو تجدهم من أولئك المنتظرين لقضاء الله وقدره أن يحل بهم فيخرجهم من غيابات مجتمعهم إلى النور حيث الخلاص دون أدنى جهد منهم!

أكتب كلماتي هذه ليس بهدف التفريق بين شعبة أو أخرى، أو غايتي التقليل من شأن هذا المسلك أو ذاك، وإنما أقول قولي هذا توضيحًا للأيديولوجيا السائدة داخل المجتمع، تنديدًا بسياسة فرق تسد، التي طغت على مجتمعاتنا، بدءًا بأمور قد يراها الفرد منا بسيطة والمثال أعلاه واضحا جليا! فالفرد يربى منذ المهد على هذه الأيديولوجيا فتترسخ في ذهنه كقناعة لا محيد عنها، شيئا فشيئا تزداد البقعة توسعا حتى تصل به إلى أمور أكبر، فتجده آنذاك يدعم سطوة السلط القامعة، ويعزز وجودها داخل تلافيف المجتمع، فقد برمج الفرد وفق خطة بعينها إذا ماحاول أن يحيد عنها سيجد آنذاك سيوفا طوال متجندة مستعدة لقطع أي سبيل لتغيير بنى المجتمع.

وإني أقول والحق يقال، قد تخلخلت بنى المجتمع وسادها أيديولوجيات تزيد العقل رجعية وتخلف وشغلنا بما لا يعنينا فاشتغلت الدنيا بنا ودست طينا في أفواهنا وصرنا تابعين، آليين، نستهلك وفقًا لمنهج محدد، رسمه أناس سطوا على مجموع السلط ودسوها تحت قبضة واحدة فلا يفلت منها قيد أنملة، وتجاهلوا آلام الشعوب ومصائبها فلا تعيش كما كرمها الله خليفة في الأرض ولا تموت كما يموت الناس مكرمين بكفن أبيض مغسولة أجسادهم بماء نقي وقبر يواريهم التراب فيه فيرقدون آمنين حتى حين. قد أخذت الحروب منا مأخذها وتغلغلت المآسي في جوف بني آدام، فرقنا بدءا بأمور بسيطة، فصرنا إلى حالنا هذا اليوم، جسدا بلا روح! فلن نتخلص من شظايا الأوهام إلا إذا وعينا بدورنا الفعال كأفراد داخل المجتمع هدفهم وغاياتهم استخلاص تداعيات ما علق في مجتمعاتهم منذ عصور الانحطاط. لن تلتحم آمالنا مع الواقع إلا إذا التحمنا نحن مع هذا الواقع وحركنا روح التغيير الغائبة في سباتها منذ قرون. لن نحدث فرقًا إلا إذا وعينا أهمية التغيير وأنه ليس مجرد حلم بل غاية لن تتأتى بين عشية وضحاها، قد لا نكون حاضرين آنذاك في تلك اللحظة إلا أننا بلا شك سنكون فاعلين فيها لأننا وعينا ضرورة تغيير الأيديولوجيات الواهنة، فالشعلة إذًا ابتدأت من عندنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد