كان منطق الخلفاء والتابعين – رضي الله عنهم- في التعامل مع السلطة أن يأتوها كرهًا لا حبًّا، إدراكًا ويقينًا منهم بحقيقة المسؤولية أمام الخالق والرعية. فكان نتاج ورعهم من الحكم تمام قيامهم بشؤون الرعية إخلاصًا وعملًا.

ولما توسع العمران في العالم الإسلامي، وازداد عدد الرعية، وتغير المشهد السياسي بتأثير فواعل عدة (الاستعمار، الحروب، العولمة،…إلخ)، أصبح منطق الزهد في السلطة نادرًا، وحب الرئاسة سائدًا. فتسابق الناس عَوامًا ونُخبًا على ولاية المناصب باختلافها (ولاية القضاء، السياسة والإدارة،…إلخ)، فضاعت المصالح بين غياب الكفاءة والإتقان، أو غياب الإخلاص، أو كلاهما معًا.

ولم يسلم المشهد السياسي في الجزائر من هذه الآفات؛ فكان الإعلان عن المرشحين للانتخابات الرئاسية تعبيرًا صريحًا لهؤلاء الذين يقبلون على الحكم وقد يكون إقبالهم عن جهل، أم جرأة، أم نية إصلاح، ومهما يكن فيبقى ذلك ابتلاءً متبادلًا من الرئيس القادم نحو الشعب. فإن أخلص الحاكم وفقه الله برضا الرعية، وإن فسدت الرعية، ابتلاها الله بجبروت ولي أمرها.

ذلك أن ما وصفه الإعلام الجزائري بالحراك الشعبي، هو في الحقيقة نتاج النظام السياسي الفاسد الذي عمل على برمجة العقل الجزائري، من خلال إضعاف دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية (الأسرة، المسجد، المدرسة، الجامعة،… إلخ). مستعينًا بوسائل الدعاية الإعلامية، والأحزاب السياسية الصورية، والقضاء الممتثل، وأجهزة الأمن.

فتبرمج العقل الجزائري على أنماط تفكير وسلوكيات متشعبة، فتفشت الرداءة في كل الميادين، وساد الظلم، وزُعزع الجزائري المسلم حتى في عقيدته، إما بإحباط عزيمته، وإما باستدراجه نحو فهم خاطئ لمقاصد الشريعة الإسلامية، فشاع التواكل والخمول والغش في المعاملات، وسوء الأخلاق بين الناس.

أما الحديث عن التراكمات التاريخية التي أفضت إلى ما نعيشه اليوم، فنجد لها بداية بعد الاستقلال، حينما عهدت المؤسسة العسكرية التدخل عنوة في الحياة السياسية بسلسلة الانقلابات العسكرية المعروفة، ثم واصلت ذلك من خلال توظيف أجهزة الأمن العسكري والمخابرات، بحيث جرى تحييد هذه الأجهزة عن وظائفها الأصلية من حماية أمن البلاد إلى مهام أخرى.

ثم تواصل ذلك بعد تنصيب رئيس جديد عام 1999 أوهم الجزائريين طيلة أكثر من 20 سنة، إلى أن انتفض هذا الشعب المبرمج في وجه نظام وليد التراكمات التاريخية، فكان الابتلاء متبادلًا، شعبًا وسلطةً. فكان الحراك حراك تذمر ينقصه التأطير وربما الإخلاص، إذ سرعان ما تفرق القوم واختلف، وشاعت الفتن بين الأفراد، وظهرت البرمجة السائدة منذ أعوام إلى الأفق.

وأمام هذا المشهد السياسي يبدو أن هيكلة النظام الجديد بمعية المؤسسة العسكرية يصبو في ظاهره إلى إصلاح الحياة السياسية، من خلال تفعيل آليات قانونية من شأنها فرض استقلالية القضاء، وتحسين مناخ الأعمال، وتحسين ظروف المعيشة للمواطنين، وغيرها من المبادرات المرجو أن ينفذها الرئيس القادم وحكومته.

ولم يبق الحديث عن الانتخابات الرئاسية إلا هامشيًّا ما دامت تراكمات التاريخ السياسي في الجزائر تفرض نفسها، بل وجب الحديث عن إخلاص القول والعمل لدى كل أفراد المجتمع الجزائري؛ حتى تتحقق فينا سنة الله وآيته بأن إن تنصروا الله ينصركم.

ذلك أن المعادلة الإلهية في الأرض أشمل من كل حياة سياسية ورهاناتها، فقد جعل الله عباده مستخلفين فيها، ووضع لهم منهجًا قيميًّا يتبعونه لصلاحهم في الدنيا وسعادتهم في الآخرة، وقد اشتمل هذا المنهج القيمي على أسس المعاملات بين الناس باختلافها وأرشدهم إليها، فلما قرر العباد الحياد عن المنهج، وغاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضاعت البصيرة وضاع معها الحياء ومصالح الناس.

وما استلزم على النخبة الجزائرية من علماء، وأئمة، وجامعيين، ومفكرين، في الوقت الراهن إلا الإقبال بصدق وإخلاص على إرشاد ونصح من استوجب نصحهم من أصحاب الحل والعقد إلى تقوى الله في عباده، وتوعية الرعية فيما بينهم حتى يشمل التوفيق الإلهي كل ركن من أركان هذا الوطن المبارك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد