في عام 2007 نشرت مجلة The journal of Economic Psychology دراسة قام بها خبراء عاينوا قرابة 300 ضربة جزاء سددت في بطولات احترافية. تبين لهم أن الحراس يقفزون باتجاه اليسار بنسبة 49.3% وباتجاه اليمين بنسبة 44.4% بينما يبقون في وسط المرمى بنسبة 6.3% فقط. ومن جهة أخرى تبين لهم أن اتجاه تسديد الضربات يكون بنسبة 32.2% إلى اليسار وبنسبة 28.7% إلى اليمين، أما التسديد في الوسط فكان بنسبة 39.2% من الحالات. وهذا معناه أن إمكانية التصدي للكرة تكون مرتفعة أكثر إذا بقي الحراس في مكانهم ولم يتحركوا.

إذن فلماذا لا يقف الحراس في مكانهم؟

 الجواب بسيط للغاية وهو ينطبق على مجالات وأعمال كثيرة بعيدا عن عالم كرة القدم وحاضرة بشكل جلي في أيام الحجر الصحي هذه.

أولا: ما المقصود بـ«انحياز الفعل»؟

جوهر المشكل يتمثل في أنه لدينا ما يطلق عليه في علم الاقتصاد السلوكي L’économie comportementale بالانحياز للفعل Action bias: نفضل أن يرانا الآخرون بصدد فعل شييء ما على أن يجدونا جالسين لا نفعل شيءا. وهذه الفكرة متجذرة فينا لدرجة أننا نخاف أن نعطي انطباعا على أننا لا نفعل شيءا حتى لو كان ذلك هو الاختيار والاستراتيجية المثلى.

ثانيا: ما هي أسباب انحياز الفعل؟

1- يظهر هذا الانحياز بالخصوص عندما نقوم بما نقوم به من أجل الآخرين أو عندما ينتظر منا الآخرون أن نتصرف. كما هو حال حارس المرمى الذي ينتظر منه الجمهور التصدي للكرة.

2- ترتفع إمكانية الانحياز للفعل عند الأشخاص الواثقين من أنفسهم بشكل زائد (الغرور)، وعند الأشخاص الذين كانت لهم اخفاقات سابقة، حيث عليهم أن يتصرفوا من أجل تحسين الوضعية.

3- الخوف من الندم: ففي الدراسة حول حراس المرمى، طلب الباحثون من عينة من الحراس معرفة استراتيجيتهم في التصدي لضربات الجزاء، فكان جواب أغلبهم أنهم يفضلون القفز يمينا أو شمالا بدل البقاء في وسط المرمى. وعند سؤالهم عن السبب أجاب أغلب الحراس بما مضمونه أنهم سيتأسفون ويندمون أكثر إذا دخلت الكرة الشباك وهم واقفون وسط المرمى بلا حركة أكثر منه إذا قفزوا إلى إحدى الجهتين. وهذا معناه أنهم يريدون أن يشاهدوا وهم يقومون بفعل شيء ما (القفز) حتى لو كان هذا الشيء خاطئا!

 يقول رولف دوبلي في كتابه الرائع (فن التفكير الواضح): «يظهر «انحياز الفعل» بصورة خاصة حين يكون الموقف جديدا أو غير واضح… يظهر أيضا «انحياز الفعل» في أرقى الدوائر تعليما؛ مثلا: طبيب يفحص مريضا ذا صورة مرضية غير واضحة، حين يقف أمام الخيار ما بين هل يتدخل فورا أم لا؛ أي هل يكتب دواء للمريض أم ينتظر، سيجنح غالبا لاختيار الفعل الأكثر نشاطا. ونحن لسنا في حاجة إلى أن نقلل من شأنه بالقول إنه يفعل ذلك لدوافع مالية، إنه ببساطة خطأ «انحياز الفعل» الذي يحركه».

ثالثا: ماذا يعلمنا خطأ انحياز الفعل؟

1- من طبيعة الإنسان العجلة في التصرف خاصة في المواقف الجديدة التي تكون غير واضحة.

2- هذا الاستعجال في التصرف يمنعنا من تقدير الأمور بشكل صحيح، وهل الفعل الذي نريد الإقدام عليه سيساعدنا حقا أم لا؟

3- التصرف السريع من شأنه أن يشعرنا أننا أفضل حالا، وإن لم يتغير شيء، ولكن في غالب الأحيان يكون تصرفا خاطئا.

4- أمام المواقف الجديدة وغير الواضحة لا تستعجل في فعل شيء، تريث!

5- قدر الموقف وانظر إليه من جوانب مختلفة حتى يمكنك فعل ما هو صائب.

6- قاوم الرغبة في الفعل وأحل محلها متعة الفعل (حب الفعل).

7- عندما تتعقد الأمور، خذ الوقت الكافي للتفكير والتعلم.

كتب بليز باسكال في غرفته: «إن مأساة البشر في أنهم غير مؤهلين للبقاء بهدوء في غرفهم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإنحياز, فعل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد