على وقع أحداث فلسطين الأخيرة، حظر موقع «فيسبوك» آلاف الحسابات والصفحات الداعمة للقضية الفلسطينية، وبسبب التفاعل الكبير مع الأحداث، لاحظ الناشطون هذه المرة تحديدًا زيادة الحظر والحذف عن أي مرةٍ سابقة.

قاموس من الكلمات المحظورة!

تخيل أن يُصنف (بوست) كامل بناءً على كلمة دلالية واحدة، وبدون حتى أن يحاول استيعاب سياقها، أو ينظر إلى تفاعلات الناس مع البوست! وهذا هو ما تقوم به خوارزمية «فيسبوك»! تصنف المنشورات بناءً على كلمات دلالية معينة، لا تتوافق مع مزاج «فيسبوك»، مثل: «المقاومة، القسام، الصهيوني، الشهيد، الأقصي، الشيخ أحمد ياسين،…» وغيرها كثير من المصطلحات المحظورة، وعندما يرى الريبورت كلمة من قاموس الكلمات المحظورة، يقوم بمسح البوست آليًّا، وفي أحيان كثيرة يصل الأمر إلي حظر وحذف آلاف الحسابات والصفحات بضغة زر واحدة، وبدعوى مخالفة معايير المجتمع!

لماذا يحارب «فيسبوك» القضية الفلسطينية؟

ما يقوم به «فيسبوك» يعد منهجًا مدروسًا ومحكمًا في حظر ومحو أي محتوى يمت بصلة لفلسطين، وبالأخص حظر أي شخصية أو رمز فلسطيني، في حين أن المحتوي الإسرائيلي لم يطمس، ولم يمس بأي سوء! فلماذا تغيرت وتناقضت معايير «فيسبوك» مع المحتوى الفلسطيني! لماذا حق التعبير موجود في المحتوى الإسرائيلي، بينما مسلوب في المحتوى الفلسطيني؟ لماذا هناك انفتاح وانحياز من «فيسبوك» للسردية الإسرائيلية، مقابل تغييب ومحاربة الرواية الفلسطينية؟

والتفسير الواضح هو أن إدارة «فيسبوك» لديها بُعد سياسي متمثل في دعم رؤية وسياسة الاحتلال الإسرائيلي، ومحاربة القضية الفلسطينية، حتى وإن كانت تنفي وجود أي أهداف سياسية لها! فالمحتوى الإسرائيلي المسيس على «فيسبوك» مرحب به، ولم يطمس أو يمس بأي سوء، بل إن «فيسبوك» الآن أصبح بيت من بيوت الدعاية الإسرائيلية، وأداة لتضخيم رسائل وادعاءات الكيان الصهيوني!

هل توجد تشريعات وقوانين تمنع استغلال منصة «فيسبوك» لأغراض سياسية؟

للأسف لا توجد أي تشريعات تمنع حدوث ذلك، إضافة إلى عدم التزام إدارة «فيسبوك» بالمعايير التي أعلنت عنها، فحين يتعلق الأمر بالمحتوى الفلسطيني تختلف المعايير تمامًا، وهذا ما حدث معي شخصيًّا حين قمت بنشر بوست صغير عن «الشيخ أحمد ياسين» ولم أكن أعرف أن اسم «الشيخ أحمد ياسين» يعد كلمةً دلالية محظورة في «فيسبوك»، وفي إثر هذا البوست أخذت حظرًا لمدة شهر كامل! علمًا بأن هذه أول مرة آخذ فيها حظرًا، وحين قمت بالتواصل مع إدارة «فيسبوك» وأبلغتهم أن هذا أول حظر لي، وطبقًا لمعايير وسياسية «فيسبوك» المعلنة، فإن الحظر لأول مرة لا يكون شهرًا واحدًا أبدًا، الحظر لأول مرة يكون ست ساعات، أو ثماني ساعات، وعلى الأكثر يكون 24 ساعة، وبعدها بثلاثة أيام، ثم سبعة أيام، لكن مع ذلك أخبروني بأن الحظر قرار نهائي! فحين يتعلق الأمر بالمحتوى الفلسطيني يختلف الحظر ويكون شهرًا كاملًا!

والأمر لا يتوقف عند حدود الحظر؛ بل بعد الحظر يفرض على الحسابات والصفحات قيودًا، وتُخفض نسبة وصول المنشورات إلى الناس، وصلت معي إلي تخفيض بنسبة 90%، وهو ما تشتكي منه أغلب الصفحات والحسابات، وحتى الصفحات الأخرى حين قامت بنشر محتوى فلسطيني، كانت نسبة الوصول للجمهور أقل من أي محتوى آخر! هذا إضافة إلى رسالة «فيسبوك» المتكررة بأن صفحتك معرضة لحظر إلغاء النشر، لأنك خالفت معايير المجتمع، وقمت بنشر محتوى فلسطيني!

رهائن لدى «فيسبوك»!

نحن نأتمن «فيسبوك» على حياتنا وذكرياتنا وشبكة علاقتنا، نشارك صورنا ومشاعرنا وآرائنا على حساباتنا، وهذا مهدد بالحذف في أي لحظة نقوم فيها بنشر ومشاركة محتوى فلسطيني، والأصعب أننا في كل عدوان على أهلنا في فلسطين، سنواجه نفس المشكلة مع «فيسبوك»، وسيتم إعدام أصواتنا رقميًّا، ولن نستطيع مناصرة أهلنا في فلسطين بشكل كامل!

وحتى ما نقوم به حاليًا من الكتابة بدون نقاط، يعد حلًّا مؤقت، لأن مع الوقت ستتكيف تقنيات الخوارزميات مع هذه الكلمات، لذلك لابُد من التفكير الجاد للخروج من هذه المشكلة. وفي الحقيقة «فيسبوك» لا يَمُن علي المستخدمين بشيء، نحن ندفع مقابل استخدامنا «فيسبوك» من عائد الإعلانات المليارية التي يحصل عليها «فيسبوك» من خلال مشاهدة المسلمين والعرب للإعلانات.

الاحتلال يقتلنا… و«فيسبوك» يقتل الحقيقة!

ورفضًا للإعدامات الرقمية التي قام «فيسبوك» في الفترة الأخيرة، قام نشطاء بتدشين حملة لإنهاء الإعدام الرقمي، حملت شعار «فسيبوك يعدمنا» وتهدف الحملة إلى إزالة تحيز «فيسبوك» ضد المحتوي الفلسطيني، وشهدت الحملة مشاركة واسعة من مختلف الجماهير، رغم المضايقات التي تتعرض لها الحملة من إدارة «فيسبوك»!

وختامًا، فإن السياسية التي تتعامل بها إدارة «فيسبوك» مع المحتوي الفلسطيني، يُراد لها أن تطمس التاريخ والهوية، في الوقت الذي تُمحي فيه الجغرافيا باستخدام الوحشية والقتل! لذلك من المهم أن يكون لدينا وعي بخطورة ما يقوم «فيسبوك» تجاه القضية الفلسطينية، وللأسف نحن أصبحنا رهائن لدى «فيسبوك» وللخوارزميات المنحازة للكيان الصهيوني، ولم يعرض أحد الحل إلى الآن، لذلك نحتاج أن نفكر أكثر، وألا تكون حُلُولنا حُلولًا مؤقتة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد