الأخ الأكبر أو الكبير، لا شك أن العديد من القراء يعرفون هذا الاسم، هذه الشخصية الغامضة الحاكمة والقوية، من روائع الأعمال الأدبية المتحدثة عن الديكتاتورية والأنظمة الشمولية لجورج أورويل، هذا الحزب أو الفئة التي تحكم بنفوذ شامل، يراقب كل صغيرة وكبيرة ويبرع في الظلم والتعذيب وتزوير الوقائع والتاريخ، كما أنه يرصد عماله ودائمًا تحت سلطته ومراقبته، وأي خلل بسيط عواقبه وخيمة، وهكذا إلى آخر المطاف من حدث لحدث، كتاب شيق وجميل، عمل يقرأ ثم يقرأ من جديد. لعلكم تتساءلون عن سبب هذا العنوان وعن ذكره في مقالتنا؟ لكن في هذه المقالة لن نتحدث عن التعذيب والعواقب، وإنما عن الرصد والمراقبة التي نعيشها في يومنا هذا، المراقبة من الأصدقاء من الجيران من أفراد العائلة من كل جهة متصلة بالشخص المراقب، وهل هذا الشخص المراقَبُ أيضًا يراقب بدوره أشخاصًا آخرين؟

من العادات المغروسة في واقعنا الآن أو التي أصبحت كذلك، أن الناس أو البعض منهم، وهذا يحدث غالبا في الأحياء الشعبية، وهذا لا ينفي وجوده في الطبقة الأولى، ما هو؟ الرصد.

الرصد بمعنى مبسط هو الملاحظة أو الرقابة، أو مراقبة نقطة معينة بغرض استخراج المعلومات أو الحصول عليها من أجل هدف محدد، لكن في مقالتنا هذه فهو غير محدد وغايته فارغة وغرضها الأول هو تداول تلك المعلومات سواء كانت ذات قيمة أو العكس بين الأفراد والجماعات من أجل لا شيء، وإنما الفراغ، الفراغ القاتل.

وفي أحيائنا الشعبية فور خروجك من المنزل تجد الكل ينظر إليك، أو ربما يخيل إليك ذلك، لكنها الحقيقة، إنك مراقب من طرف كل من حولك، منهم من يريد لك الأفضل، ومنهم من يريد لك الأسوأ ويموت حقدًا كلما حققت أبسط الأشياء، لماذا؟ لأنه الفشل، الانسان الفاشل لا يريد غيره أن يكون ناجحًا، وبالخصوص الأشخاص القريبين له، يكره رؤية نفسه فاشلا بينهم وهم ناجحين، ذلك من جهة، ويوجد أشخاص آخرين مثل الأقران والأصدقاء وأبناء الحي، كل من له صلة بك سواء قريبة أو بعيدة من جهة أخرى.

وليس العيب في النظر، ولكن في المراقبة، أنت لا تستطيع بأي حق ولا يمكنك أن تمنع أحد من الرؤية أو ملاحظة ما يريد، لكن في حين أنت ذاهب من زقاق والبعض يراقبك من نقطة لنقطة، ويتهامسون وراءك، حتى أنك تسمعهم أحيانًا، هذا الشعور يؤذيك حقًا كونك لست حرًا في الوسط الذي تعيش فيه، أنت مراقب حتى إذا ذهبت عند البقال، حتى لو ذهبت إلى المشفى، أي مكان تذهب إليه أو تقف فيه تجد نفسك محاطًا بأعين تعرفها حق المعرفة وأخرى لا تعرفها، وكلاكما مدركان لذلك، لكن ما الهدف من المراقبة؟

الهدف من المراقبة يعود للفراغ، هذا الأمر مشاع في الأحياء، لا غاية منه سوى الفراغ والفشل، ولن يستفيد أحد من معلوماتك الظاهرة الملاحظة من قبلهم، كلهم يرونك بأعين إعجاب أو حسد أو حب، كلها نظرات تنتظر نتائجك في حياتك الخاصة، فقط لتبتسم أو لتحزن، أو لتضحك، لكن المراقبة المتبادلة في الأحياء بين البعض لا غاية منها، لا وجود للمعنى من هذه العادات السيئة، يجب على كل فرد أن يراقب نفسه هو لا غيره، أن يسير وفق منهج أو خطة يجوز فيها الفشل ويجوز فيها النجاح، والفشل جزء من النجاح لذا فبعد السقوط هنالك شيء اسمه النهوض، أما المراقبة الفارغة للغير والحقد الدفين والأنانية الخفية التي لا تريد سوى صاحبها في القمة لا فائدة منها، بل لن تتجاوز بك الشارع أو الحي الذي تقطن فيه؛ لأن النجاح أو أي مجال فيه منفعة على الإنسان يحتاج إلى العمل والجهد والمثابرة، وهذه الأشياء لا يمتلكها من يقفون أمام الأحياء أو من حولك من أصدقاء أو أقارب… أو… ويسألون دائما عن نتائجك ويسألون عليك الغير، تجدهم مهمومين ومهووسين بك لدرجة لا توصف، لكن كما قلت سابقًا الفراغ قاتل، ويعود للفشل. والفراغ دريعة الفشل.

كل شخص لديه هدف فليعمل عليه بجد وكد إلى أن يبلغ مناه، واتركوا كل التفاهات والأخبار الفارغة عن بعضكم البعض، حاولوا انتقاد أخطائكم لا غيركم، حاولوا تصحيحها واعملوا على أثر، أثر تتركونه وراءكم يجعل من الآخرين تكريمه وتخليده.

وهذه المقالة التي تتحدث عن المراقبة الشعبية فليست إلا جزءًا من مقالة قادمة، مقالة عن المراقبة الحقيقية والخطيرة شيئًا ما، والتي تدخل في إطار التكنولوجيا والأجهزة الكثيرة الموجودة في عصرنا بما تحويه من برامج لشركات محددة كبيرة، تراقب كل صغيرة وكبيرة، وهذه المراقبة خطيرة لكونها مبنية على غاية أو هدف.

كل شيء متصل قابل للمراقبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد