كل شيء متصل قابل للمراقبة، وربما قابل للاختراق أيضًا.

الكل علم مؤخرًا بقصة تحديث الواتساب الجديد، والذي يخص المعلومات الشخصية للأفراد والتجارة بها وامتلاكها دون حق، عملت هذه القضية ضجة عارمة لدى الأغلبية، وهذه الأغلبية لا شك أنها لا تعلم أنه من يوم أدخلت «واتساب» على جوالها، أو على لوحة إلكترونية ومعلوماتها ليست آمنة من عدة نواح، وليس الأمر جديد الظهور أو لا يعرفون معلوماتك، لا وألف لا.

وفي هذا الصدد سأذكر الموظف الحكومي لدى وكالة الأمن القومي الأمريكية إدوارد سنودن، والذي أحدث ضجة بهروبه من أمريكا إلى الصين وبعدها روسيا، والمشكلة ليس هروبه وحيدًا، وإنما مع معلومات كثيرة سرية شاركها فيما بعد مع الصحافة، والتي بدورها نشرتها وأحدثت ما لم يكن متوقعًا في الحسبان، فضيحة وكالة الأمن القومي الأمريكية، وذلك في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي حكم لفترتين متتاليتين.

لقد سرب سنودن العديد من المعلومات والوثائق السرية المتعلقة بنشاط الوكالة إلى الصحافة، كشف عن المحجوب دفعة واحدة، عن ستار يتربع خلفه ما تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية على مستوى العالم أجمع، من عمليات تنصت سرية على الناس وعلى مكالماتهم الهاتفية الخاصة، واختراقهم لأجهزة الكمبيوتر ووسائط التواصل الاجتماعي.

إن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأقوى حاليًا في أغلب المجالات، وما تمارسه من أعمال سرية خاصة بالتنصت والرصد لها باب جيد وآخر سيئ، الباب الجيد أنها ترصد الأعمال الإرهابية والممارسات المنحطة من طرف الجماعات المتطرفة، وكذلك تحمي أجهزتها من أي اختراقات خارجية أو هجمات أو… أو… كما تفعل العديد من الدول القوية لحماية نفسها، لكن الباب السيئ وصل حد التنصت أو المراقبة للناس البسطاء المدنيين، عن طريق برامج مثل «فيسبوك» و«واتساب»، و«ياهو»، و«مايكروسوفت»، و«جوجل»، «أبل سكايب» و«الهوتميل».

كل هذه الأشياء تتيح للمحللين تتبع حركات الشخص واتصالاته، وبالتالي فقضية «واتساب» وحدها مجرد نجمة واحدة في مداد هائل من البرامج الأخرى المرتبطة أو السائرة بالشركات والقطاعات الخاصة في الولايات المتحدة، وقضية إد سنودن تهم القطاعات الخاصة والعامة التي تمتلكها الدولة، حتى أن تم إخراج فيلم عليها باسمه (إدوارد سنودن) ومثله الممثل الرائع جوزيف غوردون ليفيت، ويوجد أيضًا فيلم تسجيلي، لكن يمثله إدوارد سنودن بنفسه وهو عبارة عن تسجيل أو فيلم تسجيلي «سيتيزن فور» بحيث يظهر وجود سنودن في الصين ومحاولة هروبه أو ذهابه، أو محاولة تأمين ذهابه لروسيا والمطالبة باللجوء السياسي، والذي أخذه فيما بعد لمدة سنة في روسيا لتلحق به زوجته ومن هنالك الأحداث سائرة عن هذه القضية الكبيرة التي أحدثت ضجة عارمة عالمية، أو الفضيحة كما يعتبرها البعض.

وعندما نتحدث عن الرصد أو التجسس بشكل أدق، نتحدث عن ارتباطاتنا بوسائل ذات جانبين، جانب سيء وآخر جيد، فأول ما يطلبه تطبيق ما هو المعلومات الخاصة بك، بريد إلكتروني، رقم الهاتف بالإضافة لاسمك وما إلى ذلك من معلومات أخرى على حساب اختلاف التطبيقات والبرامج، وبالنسبة للواتساب والفايسبوك والأنستاجرام كل هذه تحث يد واحدة، تحت سلطة شركة واحدة، فكيف أنت تجد كل ما تريد على صفحتك من أغراض للبيع، وأشياء تستهويك من صور وفيديوهات وما إلى ذلك من ارتباطات أخرى، لا شيء يأتي بالمصادفة في عالم الإنترنت، كل شيء له سبب، واستغلالك أيضًا لهذه التطبيقات المتطورة جدًا، والمتجددة ليس مجانيًا، ستقول كيف؟ نعم أنت لا تدفع شيئًا مقابل استغلالك لتلك التطبيقات سوى استغلالك نفسه لها، ملايين الدولارات تجنى من ذلك، إذ حتى أنت بإمكانك كسب مساحة بسيطة ليست ملكًا لك، ولكن تتحمل مسؤوليتها، وبإمكانك جني أرباح منها عن طريق الفيديوهات والإعلانات، وما إلى ذلك من شروط واجبة، وأيضًا وجوب ضوابط لإعطائك حق المسؤولية عليها قبل ذلك، لكن السؤال المتبادر هنا. هل معلوماتنا آمنة؟

القول الصحيح هو أن عالم الإنترنت لا يعرف هذا الكلام، وبالتالي فإن كانت لديك معلومات قيمة وذات نفع كبير على جهة معينة فلا يمكنك تأمينها بسهولة، لكن المعلومات التي تداع على التطبيقات التي ذكرناها فهي مجرد تسلية متبادلة بين الوسائل التواصلية، وحتى المعلومات التافهة أصبحت تسرق أو تقرصن، والأفضل أن يجيد الشخص استغلالها وتأمين معلوماته بشكل صحيح موجوب فقط، ولا أعتقد أن المعلومات القيمة يتم نشرها في هذه التطبيقات، إلا بطرق غير شرعية من هذا الباب، غير هذا فالشخص الذي يمتلكها أو أغلب من يشتغل بها، يعرف كيف يستعملها، كما أنها أصبحت في طريق الانحطاط؛ لأن الحدث التافه والمحتوى القبيح غلب عليها، أصبح الجيد قليلًا وصعبًا جدًا.

القاعدة الأولى والأخيرة أن كل شيء متصل قابل للمراقبة، وربما قابل للاختراق.

ومن هذه القاعدة يمكننا أن نستنتج نقطتين، الأولى أن الرصد لا يكون إلا بغاية وجيهة قصد معلومات مهمة تستحق، والثانية أنه لا يمكن أبدًا رصد وترقب شيء تافه لا مغزى منه سوى مضيعة الوقت، أما النقطة الخفية والأساسية، المعلومات ذات القيمة الكبيرة لا وجود لها في مثل هذه التطبيقات أو غيرها، ومن جهة أخرى تكون شديدة الصعوبة، ويستحيل الوصول إليها إلا من خلال مراكز قوية.

أما ما حدث مع إد سنودن فهو حقيقة أحدثت ضجة، ولا أحد يعلم الدوافع الخفية وراءها من قبل الجهتين، لكن يبقى حدث كبير سواء صدقه المرء أم لا، وبالتالي يوجد شيء يجب أن يذكر، الأشياء التي لا تمتلكها لا يمكنك استغلالها مجانًا دون مقابل، ولكل حدث سبب، وما خفي كان أعظم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد