لنتفق أوًلا أن التاريخَ ليس سردًا للوقائعِ وتسجيًلا لها فحسب، بل استعراضها بشيءٍ من التحليلِ والتفسير، لاستنباطِ العِبر والدروس، هكذا – وفي هذا السياق – تفهم المجتمعات الواعية التاريخ وتتعامل معه.

لنبدأ إذًا..

وينستون سميث.. ليس مُجرمًا وليس لصًا، ولا متهمًا تُلاحقه السلطات، بل صحفي يعمل في وزارة الحقيقة “الإعلام”، إلا أنه يخضع للمراقبة الدورية متعددة المصادر وبالتناوبِ بين جيرانهِ ورجال الشرطة، بل – وهو الأهم – من صديقه “أوبراين” أيضًا!

بهذا المشهد الافتتاحي تُكرّس الصورة فكرة “مجتمع جاسوسي” بامتياز!،ويرسُمُ لنا صاحبها الحال مُستقبًلا بطريقٍة تنبؤيةٍ مذهلة. إذًا كما يبدو – عزيزي القارئ – أنني أستلهمُ فكرتي من وحي رواية “جورج أورويل 1984” لاُسقطها على واقعنا الاستبدادي المرير، فحقًا.. ما أشبه الليلةَ بالبارحة!

كيف استعادَ أبطالُ تلك الرواية مواقعهم ونفوذَهُم في أركانِ الأنظمةِ السياسية، وواقعِ البلدانِ العربية عامةً، ومصر في القلبِ منها، فتُصورُ الرواية كيف تتعامل الأنظمة الشمولية ذات الطابع الاستبدادي مع قواعدها ومرؤوسيها، ابتداءً من تفعيل “شاشات الرصد” في كل مكان لتُراقب عموم الناس وتُحصي عليهم أنفاسهم، ومرورًا بزرع ميكروفونات فيالساحات العامة لرصد همسات الشعب، وصولًا “لدقيقتي الكراهية” التي بدورها تُزور الحقائق وتُزيف الوقائع، وتُشوش على الوعي!، “وعي الفرد بتاريخه، بمواقفهِ الولائية، الموالاة والمعاداة… إلخ

وتَأَثُرالشرائح الاجتماعية المختلفة بتلك السموم!، وهو ما رسّخ لدي أنه يمكن فعليًا أن تتلاعبَ بقناعات المتلقي وتُزيف وعيه، وتقلبَ الحقائق بما يسمح له بترك مسافة بينه وبين دوائره رغم متانة وقوة أواصر وصلات الود بينهما!، نعم.. فالإعلام الواعي برسالتهِ واضح الرؤية، مُحدد الوجهة، يستطيعُ ذلك، ليس فقط مع السُذج البسطاء، إنما أيضًا مع الفئات النخبوية في المجتمع.

إذًا بتلك الأدوات بنى “الأخ الأكبر” سلطته، بناها على التزوير في الوقائع والتاريخ، والتنكيل حتى بأتباعه، وكله للصالح العام وباسم الدفاع عن طبقة “البروليتاريا” (مصطلح شيوعي يعني الطبقة الكادحة من العمال المُعدمين)، ليس هذا فحسب.. بل امتدت مظاهر التسلط والديكتاتورية لتصل إلى حظر الفكر واعتباره جريمة تُشرفُ على مكافحتها “شرطة الفكر”.

وقد أدرك وينستون سميث –بطل الرواية- أنه قطعًا دخل عداد الموتى حين خطا تلك الخُطوة،حينما بدأ يُفكر ويُدوّن!، كما عمدَ “الأخ الأكبر” إلى تحطيم العلاقات الأسرية بل والإنسانية إن خرجت عن طوعه وسلطته.

إذًا لسنا بحاجة لسردٍ مُفصّل يُوضّح لأي عصرٍ ننوه، أو أي تجربة تُعد استنساخًا لنموذج “الأخ الأكبر” وسياساته في تصريف الأمور!، فالبيت المصري لا يزال تحت سلطته إلى الآن، يُكابدُ كل تلك المآسي مجتمعة،من وشاية الزملاء والجيران ببعضهم البعض، بل وشاية أفراد الأسرة الواحدة بذويهم.

أيضًا سلوك المراقبة الذي يُمارسه المجتمع كنوع من السلوكيات اللاإرادية تجاه أبنائه، إلى اعتبار الفكر جريمة، فلا تستطيع اقتناء كتاب وقراءته قبل استجوابك، أو في أحسن الظروف إثارة الشكوك ضدك، وإطلاق الأنظار نحوك إلى أن تختفي عنها، ولا تستطيع تنظيم حلقات نقاشية جادة تُثري الفكر وتُنتج تجَارِب قيمة يُستفادُ منها.

لنصلَ إلى “دقيقتي الكراهية” اللتين زادتا إلى ساعات في عصرنا، وساهمت بدورها كآلة إعلامية في اغتيال العقول، ووأد الأفكار، وطمس التاريخ،موالاة النذل والتصالح معه، ومعاداة الوفي والتعسفِ ضده، فتاهت العقول مع تلك السياسات، ولم تجد إلا سموم الإعلام كحقيقة ثابتة لابد من الإيمان بها، وعادةً يعمدُ الطغاة العرب في تبرير استبدادهم هذا أو ممارساتهم تلك –دون توصيف – بالحفاظِ على الأمن القومي، والصالح العام، بداعي الوطنية.

وتلك الغايات المطاطة التي تعكسُ فشل وسائلهم في التعاطي مع الظرف الراهن، كما أوضحَ أحد الكُتاب السياسيين في مقالٍ سابقٍ له أوضحَ فيه أن العملية السياسية هي عملية تنصب على الوسائل وليست الغايات، أي أنها تهتم بالظرف واللحظة الراهنة وكيف تتعامل مع مشكلاتها الاجتماعية والسياسية وغيرها، ولا تهتم بالأساس بالغايات وطنية كانت أم تاريخية، أو لا ينصب التركيز عليها –في الخطاب الإعلامي – على الأقل.

وعندما تتحولُ السلطة – أي سلطة- للتركيز على الغايات فإنها في الحقيقة تسعى لتبرير فشلها وفشل وسائلها في التعامل مع الراهن.

على أي حال.. وباقتباسٍ من الرواية يقولُ الكاتب: أنه من المستحيل أن تُؤسسَ حضارة على الخوفِ والكراهية والقسوة، فمثل هذه الحضارة إن وُجدت، لا يمكن أن تبقى، وكذا نعتبرُ أنظمة الحكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد