كبسة زر واحدة قد تدخلك إلى عالم ربما أكثر واقعية من العالم الذي تعيشه، لتتجول في مساحات رحبة من التجارب التاريخية والمعاناة الإنسانية، وتعيش في اليوم الواحد العديد من الأحداث في كواليس السياسة، والثقافة، والفكر خارج مربع الجغرافيا، والتاريخ.

إنه عالم الإنترنت الذي أثبت في ربيع الثورات العربية أنه أكثر تأثيرًا من وسائل الإعلام التقليدية، ولهذا الأمر حرصت الأنظمة العربية على أن يكون لها قدر من السيطرة على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، فتارة تحجب مواقع بعينها، وتارة أخرى تفرض تكاليف علي الإنترنت من شأنها الحد من عدد المستخدمين، أو تساهم في تشكيل ما يعرف باسم «اللجان الإلكترونية» لتحسين صورة النظام أو للهجوم على المعارضين في مواقع التواصل الاجتماعي.

ففي التقرير السنوي الأخير 2016 لمنظمة «فريدم هاوس»، حصلت مصر على 63 نقطة من 100 لتصنف وفق للمؤشر بأنها «غير حرة»، وتمثل الدرجة صفر أعلى درجات الحرية، بينما الدرجة 100 هي انعدام الحرية، وقد حظيت دول عربية أخرى بدرجات أفضل من مصر؛ إذ سجلت تونس 38 درجة، وهو ما يعني أنها «حرة» على الإنترنت، بينما حصلت لبنان على 45 درجة والأردن على 51 درجة، حتى ليبيا التي تعاني من صراعات داخلية مسلحة فقد جاءت في مرتبة متقدمة على مصر لتسجل 58 درجة، أما دول الخليج العربي فقد بين مؤشر الحرية عن تراجعها في المرتبة؛ بحيث سجلت دولة الإمارات العربية المتحدة 68 درجة، والبحرين 71 درجة، والسعودية 72 درجة، وهو ما يعني أن تلك الدول تفتقر إلى الحرية على الإنترنت، وجاءت سوريا في المرتبة الأخيرة بالنسبة لأقل الدول العربية حرية على النت لتسجل 87 درجة.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد حذر من خطورة شبكات التواصل الاجتماعي في مجمل حديثه إلى ممثلين عن الإعلام والهيئات البرلمانية في 13 أبريل 2016 فيما أسماه بحروب الجيل الرابع والخامس؛ لذا لم تكن أعين النظام المصري بعيدة عن تلك الشبكة العنكبوتية، سواء من حيث الرقابة على الإنترنت أو تنشيط لجانها الإلكترونية للترويج للنظام والتربص بالمعارضين، ففي الأيام الماضية تم الكشف عن إحدى اللجان الإلكترونية بقيادة أحد الصحفيين عبر الفيسبوك في مجموعة مغلقة تسمى «الدولجية» هدفها تأييد قرارات النظام وتشويه المعارضين.

إلا أن الأكثر خطورة من تلك اللجان هو المراقبة المتطورة التي يتبعها النظام المصري على الإنترنت والاتصالات، ففي تقريرها الأخير بعنوان «رجال الرئيس: داخل إدارة البحوث التقنية، اللاعب السري في البنية التحتية للاستخبارات في مصر»، كشفت منظمة «الخصوصية الدولية» عن وجود إدارة داخل المخابرات العامة تسمى «إدارة البحوث التقنية» تتمتع بالاستقلال الكامل في عملها وتخضع للإشراف المباشر من رئيس الجمهورية.

يوثق التقرير قيام تلك الإدارة بشراء تقنيات تنصت متطورة من شركة «نوكيا سيمنز» ومجموعة «هاكنج تيم»، وبحسب التقرير فقد باعت شركة «نوكيا سيمنز» شبكة «إكس 25» إلى إدارة البحوث التقنية وهي تقنية تسمح بالوصول إلى الإنترنت بطريق الاتصال الهاتفي حتى لو أغلقت البنية التحتية الرئيسية للإنترنت في البلاد مثلما حدث في مصر أثناء ثورة 2011.

كما باعت الشركة نفسها إلى إدارة البحوث التقنية نظام اعتراض الاتصالات ومركز مراقبة شبكات الهواتف الثابتة والمحمولة بحيث تسمح هاتان التقنينتان إمكانية التنصت الواسع واعتراض الاتصالات الهاتفية لأي خط يمر عبر نظام اعتراض الاتصالات.

كانت شركة أخرى وهي «المصرية الألمانية لصناعات الاتصالات» المملوكة جزئيًّا لشركة «سيمنز» والمسئولة عن تركيب السنترالات «إي. دبليو. إس. دي» للهواتف الأرضية والمحمولة كانت طرفـَا في شراء شبكة «إكس 25».

كما أظهر التقرير قيام شركة «هاكينج تيم» ببيع أنظمة تجسس شديدة الاقتحام تدعى «ريموت كنترول سيستم» إلى دول كثيرة من بينها مصر، بحيث تسمح هذه التقنية للمهاجم بالتحكم الكامل في جهاز حاسوب المستهدف وأن يصل إلى محتوى الجهاز ويراقب استخدامه، وأن يسجل كلمات المرور وكبسات المفاتيح وأن يأخذ الصور والملفات من الجهاز.

كما كشف التقرير طلب إدارة «البحوث التقنية» من شركة «هاكنج تيم» تقنية لاستهداف أجهزة هواتف «آيفون» وحاسوب «ماك أبل»، وكذلك مستخدمي برنامج «ويندوز» بما فيها النسخ غير القانونية منها، والتي تستخدمها في معظم الأحيان السوق المصرية.

ولم يقتصر النظام على التجسس على الإنترنت، بل أوقف خدمة الإنترنت المجاني التابع لشركة «فيسبوك» المعروف باسم «فري بيسكس إنترنت» في ديسمبر 2015، بعدما رفضت الشركة الأمريكية تمكين الحكومة المصرية من مراقبة المستخدمين، حسب ما نقلته وكالة أنباء «رويترز» في 1 أبريل 2016، وتقدم هذه الخدمة في 37 دولة كان من بينها مصر قبل إيقافها، وتهدف هذه الخدمة إلى إتاحة الفرصة للملايين للدخول المجاني إلى النت، الأمر الذي أدخل شرائح أخرى من المصريين إلى عالم الإنترنت.

وعلى الرغم من الجهود المضنية التي يبذلها النظام المصري ليظل مسيطرًا على الإنترنت والاتصالات، إلا أن مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي استطاعوا بهامش من الحرية الضئيل أن يصنعوا لأنفسهم إعلامًا بديلًا قادرًا على رصد الواقع، والتأثير في الرأي العام.

ولا يكاد يخلو الأمر من مضايقات أمنية بين الحين والآخر، تصل أحيانـًا إلى السجن للمدونيين المعارضين؛ فقد قامت قوات الأمن بالقبض على فرقة «أطفال شوارع» في مايو الماضي، والتي اشتهرت بتقديم مقاطع فيديو ساخرة من الرئيس والنظام على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد أفرج عنهم في سبتمبر الماضي.

كما حكمت المحكمة العسكرية في أكتوبر 2015 على الشاب المصري، والذي كان يقضي فترة تجنيده الإجباري بالجيش، «عمر نوهان» بالسجن ثلاث سنوات لرسم آذان ميكي ماوس على صورة الرئيس السيسي ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك القبض على خمسة مراهقين مسيحيين بتهمة «ازدراء الأديان»، على خلفية ظهورهم في فيديو تمثيلي بواسطة التليفون المحمول يسخرون فيه من تنظيم «داعش»، وكان آخر تلك الملاحقات الأمنية لرواد مواقع التواصل الاجتماعي هو القبض على الشاب «خالد مختار» أدمن صفحة مصرية ساخرة على «الفيس بوك» وعضو فريق إعداد برنامج «أبلة فاهيتا» الكوميدي في أكتوبر 2016؛ وذلك بسبب فيديو ساخر يسخر من حديث السيسي على طلب كسور الجنيه المصري «الفكة»، وهو ما لاقى انتشارًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي لفت نظر الأجهزة الأمنية له.

وتحاول الحكومة المصرية الآن تمرير قانون مكافحة جرائم الإنترنت، ويشدد العقوبة بالسجن المؤبد غرامة قد تصل إلى 20 مليون جنيه، كحد أقصى، لكل مزود خدمة الإنترنت امتنع عن تنفيذ القرار الصادر من محكمة الجنايات، بتهمة غير محددة المعالم اختصرت في نص مشروع القانون بـ«الأمن القومي».

وتحاول السلطات في مصر ممارسة دور الأخ الأكبر على الإنترنت، إلا أن زيادة عدد مستخدمي الإنترنت في مصر ليصل إلى 48 مليونـًا وفق تصريحات وزير الاتصالات المصري، قد حول تلك الشبكة إلى قوة محتملة للتأثير ومسار مواز لاحتكار النظام للمعلومات والإعلام التقليدي.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد