جورج أورويل هو أشهر كاتب وروائي إنجليزي، وتعد روايته 1984 من أشهر مائة رواية على مستوى العالم، والتي صور فيها السلطة الشمولية بأنها (Big Brother) الذي يراقب كل تحركاتك، ويعد عليك أنفاسك، وهو من يعرف مصلحتك، والمفترض منك أن تنصت لتوجيهاته هو السلطة المتحكمة، والكل يجب أن يكون له سمعًا وطاعة.

ومن هذا المنطلق نرى لندرك من أين بدأت وتفشت الفاشية الفكرية في مجتمعاتنا، حيث نشأت سلطات أصغر من السلطة الحاكمة في ما بيننا ومن أبناء جلدتنا، يتوهمون أن بإمكانهم أن يحكموا ويتحكموا جزء من المجتمع، فتلغي الآراء وتكمم الأفواه المخالفة لها، والتي لا تعجبها بلا أسباب ضمنية، ولا تبريرات منطقية، أو أعذار حقيقية، هكذا وكأننا جالسون أمام التلفاز والريموت بيده يريد أن يضع القناة التي تعجبه ويسمع الموسيقى التي تطربه، غير آبه بذوق الآخرين والذين يختلفون عن توجهه.

 البعض أصبحوا يحاربون الحرية الفكرية، ويتصورون أن لهم الحرية المطلقة، واليد الطولى لفرض آرائهم على أين كان، بل وينصبون أنفسهم أولياء على الناس، يريدوا أن يتحكموا بأهوائهم واهتماماتهم وآرائهم، وربما والعياذ بالله بمصائرهم إن استطاعوا، يطبق عليك السلطوية الفكرية بكل ما تحمله من معنى يريد بها أن يحكم عقلك ويتسلط على أفكارك، وحتى إن أمكن أن يغير مبادئك وتوجهاتك بما تنسجم مع معتقداته.

وتبدأ الأنا تستفحل عندهم، وتطغى على أقوالهم، ما يقولونه هو الصواب وخلافهم على خطأ، فبمجرد أن يبرز صوت يخالفهم أو لا يتفق مع أهوائهم فتلك بالنسبة لهم مصيبة، وهي من الأمور العصيبة، وكلماته دومًا غير مصيبة، يريدوك دائمًا أن تحلق في سربهم، وتتمسح بجوخهم، وأن لا تخرج عن طوعهم، ولا تبتعد عن دائرة ضوئهم، وأن تأخذ بآرائهم، وتسمع توجيهاتهم، وتتقبل انتقاداتهم، وتتسامى عن زلاتهم.

الاختلاف بالنسبة له مستبعد ومرفوض، فيحاول أن يسبب لك إرهاب فكري بأن يخرسك ويحبطك بكلمات حادة قاسية، محاول بها أن يهمش وجهة نظرك بأن مثلًا صوتك غير مسموع، وأن محاولاتك هذه ماهي إلا عبثًا، ولن تجدي نفعًا، ومشاركاتك ستذهب هباءًا منثورًا، لا أحد يعلم بها ولن يؤخذ بها، كل هذا وأكثر ما هو إلا محاولات للحجر على الآراء وتكميم الأفواه.

إن الدكتاتورية والاستبداد ليست وليدة اليوم أو الأمس، بل منذ الأزل، ولكن الجديد هي الحلة التي ارتدتها، بحيث إنها أصبحت فكرية أكثر منها فعلية، تنطعية غير منطقية، معبرة عن إنتقائية وقمة المزاجية، فأضحى العالم بالمجمل يتراجع في الحريات، ويعود ليتقوقع على نفسه، وهذا مما أوجدته هذه السلطوية وأبرزته، حيث لم تعد تخفى على كل مدقق خبير، ويراها كل عاقل بصير، ومن آثارها العودة للقبلية، والانغماس في الطائفية، والتوجه لطبقية والمناطقية، وكأنهم يبحثون عن ما يسترون به عقولهم قبل أبدانهم، وليخفوا بها ضحالة تفكيرهم، وقصر نظرهم الذي لا يتعدى مواطئ أقدامهم.

عدم تقبل الآراء والاعتراف بتعدد الفروقات وتباين المسارات تولد ايضًا شوفينية من نوع خاص، تكبر مع الوقت ووتبلور بعدم اعترافه بها غير مدرك نهائيًا لخطرها عليه في المقام الأول، وإنها في إحدى الدورات الزمنية والحقب المرحلية من حياته، بإمكانها أن تسبب خلل في موازينه الحسية وقدراته الإدراكية، فيقف مذهولًا ينظر حينها فإذ به كما الدلو الذي انقطع حبله، أعتقد هذا هو حاله حتى إن كان هذا الحال يطغى عليه التوصيف الفلسفي لمرحلة آتية لا محالة، إن لم يقف أمام مرآة نفسه ويعيد حسابات عقله.

أخيرًا

تعدد الآراء لا يدعو للجزع، ولا يعدو إلا وجهة نظر، وتباينها حالة صحية، ونوع من الارتقاء وفسحة للالتقاء بمنطقة وسط، ونقطة تعد للمختلفين كجزيرة يجتمعوا عليها ويلقوا كل ما في جعبتهم من فكر فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد