بعد السقوط المزعوم الذي هز العالم للبرجين التوأمين في نيويورك، كان لا بد من شخص قوي وذكي يكون العدو المزعوم لأمريكا، فكان الغول أسامة بن لادن الذي بقي مطاردًا لمدة عقد من الزمن حتى أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الأول من مايو 2011 أن القوات الأمريكية قتلت أسامة بن لادن وبعد أن صلوا عليه وفق تعاليم دينه وضعوا جثته في كيس ورموها في بحر العرب.

والسؤال الذي كان وما زال حديث الإعلام إلى يومنا هذا هو: كيف تمكنوا منه وهم الذين أنفقوا مليارات الدولارات في سبيل العثور عليه، وهنا يتفاخر قائد العملية ورئيس قيادة العمليات الخاصة المشتركة الأميرال ويليام ما كرايفن بقوله: «أعتقد أنه عندما يكتب التاريخ في نهاية المطاف عن كيفية تأكد وكالة الاستخبارات المركزية من وجود بن لادن هناك ستكون تلك إحدى أهم العمليات الاستخباراتية في تاريخ الأجهزة الاستخباراتية» ورغم أن السؤال بقي يبحث عن إجابة إلا أن مقتل بن لادن كما يقول ستيفن جراي في كتابه أسياد الجاسوسية الجدد (The New Spay Masters): أصبح انتصارًا لأي شيء تريده أن يكون: للتعذيب والتجسس والهوس بعالم الكمبيوتر والخدمة العسكرية، بل حتى لحدس المرأة فقد قال البعض إن العملية شملت استخدام نظام كمبيوتر كلفته مليارات الدولارات مهمته فرز المعلومات المعقدة وإبراز الاتصالات المخفية والذي أنشأته شركة تمولها وكالة الاستخبارات المركزية تدعى palantir التي أنتجت أحدث تطبيق لمبدأ (الإدراك الجماعي للمعلومات) حيث تمت برمجة الكمبيوتر لمعالجة كميات ضخمة من البيانات غير البنيوية وتوصيل النقاط لإيجاد الروابط والمعاني، وقد كان هذا التطبيق عظيمًا إلى درجة أن أحد الكتاب قال أن يستحق اللقب الشعبي (التطبيق القاتل).

وأيًا كانت مصداقية هذه القصة، فإنها دافع حقيقي لإدراك أهمية تحليل البيانات الضخمة (Big Data) فخلال العقود القليلة الماضية وبعد انتشار الإنترنت في مناطق شاسعة من العالم، أصبح تدفق البيانات أمرًا غير مسبوق فاستحدث العالم أساليب مختلفة لإنتاج البيانات وتخزينها وإتاحتها والاستفادة منها، فأصبح عالمنا متسمًا بالمعرفة في كل شيء فأضحت البيانات في نظر كثيرين هي النفط القادم الذي لا ينضب وهي عمود الثورة الصناعية الرابعة.

وهذا المفهوم يعتبر من أشهر المصطلحات حاليًا في عالم المال والأعمال والتقنية، ومع ذلك لا يوجد تعريف محدد له، ولكن المقصود بها عمومًا بيانات متعددة الأنواع والمصادر والأحجام، وقد عرفت بأنها مجموعة البيانات التي تتميز بأنها فائقة حجمًا وسرعة أو تنوعًا بالقياس إلى أنواع مجموعات البيانات المعهودة الاستخدام. ومن التعريفات الشهيرة لها مجموعة البيانات التي يتجاوز حجمها قدرة أدوات قواعد البيانات النموذجية على التقاطها وتخزينها وإدارتها وتحليلها أو هي عبارة عن حجم كبير من البيانات منظمة وغير منظمة تجمعها هيئات مختلفة باستخدام التكنولوجيا الجديدة، ويمكن أن تضيف مدلولات جديدة إلى البيانات والإحصاءات التقليدية.

وما يمكن أن تقدمه البيانات الضخمة للبشرية يفوق الحصر، فيمكن من خلالها المساعدة في دقة اتخاذ القرارات وحسن فهم الشركات لاحتياجات العملاء وتحديد ما يمكن توفيره من تكاليف وما يمكن اكتسابه من كفاءة ومقدرة عملية من خلال التحليل الشامل للعمليات التنظيمية والتشغيلية المختلفة، وبهذا تعد ميزة تنافسية كبيرة للشركات. وقد جاء في تقرير شركة ماكينزي وهى شركة رائدة في مجال استشارات الاعمال- أن القطاع الصحي بالولايات المتحدة لو كان يستخدم تقنيات تحليل البيانات الضخمة بفاعليه وكفاءه لكان قد أنتج أكثر من 300 مليون دولار أمريكي كفائض سنوي من ميزانيه الصحة وتمتد منافع البيانات الضخمة إلى الطاقة والتعليم والمشاريع العلمية الضخمة مثال مشروع الجينوم البشرى (دراسة كامل المادة الوراثية للبشر) والذى يحتوى على 25 ألف جين التي تحتوى بدورها على 3 مليار زوج من القواعد الكيميائية المكونة لـــ DNA.

في عام 2009 أطلق الأمين العام المتحدة مبادرة النبض العالمي الهادفة إلى تسخير البيانات الضخمة، باعتبارها منفعة عامة في خدمة التنمية المستدامة والعمل الإنساني وفي عام 2014م شكلت اللجنة الإحصائية للأمم المتحدة الفريق العامل العالمي المعني بالبيانات الضخمة، وأنشئت الشراكة العالمية بشأن بيانات التنمية المستدامة بين الحكومات والشركات والأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية والجهات الأكاديمية ومنظمات لا تتوخى الربح وهي تضم حاليًا 150 عضوًا.

ولعل أبرز الاهتمامات العربية بموضوع البيانات الضخمة اجتماع ما يربو عن 150 مشاركًا من ممثلي المنظمات الدولية والإقليمية والمكاتب الإحصائية والوطنية والأكاديميين ومجتمع الأعمال يومي 10 و11 أكتوبر 2016م بقطر لمناقشة فرص وتحديات البيانات الضخمة في المنطقة العربية ودورها في تنفيذ أهداف التنمية الاستدامة 2030م وبناء القدرات الإحصائية للمنطقة، وقد اتفق المشاركون في هذا المنتدى على تبني (إعلان الدوحة حول ثورة البيانات) وإطلاق عملية تقود لتحقيق خارطة طريق لثورة البيانات في المنطقة العربية تتضمن نقاط عمل محددة وقد وضعت أحكامًا قانونية تخص البيانات في الدول العربية كعمان والإمارات وقطر والسعودية والمغرب يضيق المحل عن سردها.

ولا بد أن ندرك أن تحقيق التنمية البشرية للجميع يستتبع عملية شاملة تضم المزيد من المعنيين لإنتاج المعلومات ونشرها باستخدام التكنولوجيا الجديدة، ففي عام 2013م دعا الفريق الرفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة الذي شكله الأمين العام للأمم المتحدة إلى تسخير ثورة البيانات لأغراض التنمية المستدامة إلى مبادرة دولية جديدة، من أجل تحسين نوعية المعلومات والإحصاءات المتاحة للمواطنين.

وحين نستعرض كل هذا الاهتمام العالمي بالبيانات الضخمة ونتابع التصريحات والمنشورات المعنية بهذا الاتجاه، فإننا نجد شبه اتفاق بين كل المهتمين أن البيات الضخمة وقود المستقبل وسر ثورته التكنولوجية القادمة فهي سبيل الابتكار وطريق النمو الاقتصادي ومحرك التقدم، ومن خلالها يمكننا الإجابة عن الكثير من التساؤلات الطموحة التي يضعها بعض البشر الحالمين بغد مشرق نحو: كيف يمكننا التنبؤ بالتهديدات الطبيعية كالزلازل والأعاصير بشكل موثوق في وقت مبكر جدًا يمكن من خلاله التدخل وهل يمكننا التنبؤ بالأوبئة أيضًا في وقت مبكر يمكن من خلاله التدخل؟ وهل يمكن وضع تصور عن خصائص المادة الجديدة قبل توليفها من عناصرها الأولية؟ كل هذه الأسئلة الحالمة وغيرها من الأسئلة يمكن للتكنولوجيا المتقدمة في تحليل البيانات الضخمة الإجابة عنها وقد ذكرت لجنة البيانات الضخمة التابعة لمؤسسة (TechAmerica) في تقرير أصدرته أن البيانات الضخمة تنطوي على إمكانية تغيير الحكومات بل والمجتمع نفسه ويختزن هذا الكم الهائل مما ينتج اليوم من بيانات بتنوعها وسرعتها الفائقة معلومات ووقائع وعلاقات ومؤشرات ودلائل جديدة إما تعذر عمليًا اكتشافها في الماضي أو ببساطة لم تكن موجودة من قبل وهذه المعلومات الجديدة إن جمعت وأديرت وحللت بفعالية يمكنها تحسين فعالية الحكومات بطريقة جذرية.

وهذه التقنيات وإن كانت توفر فرصًا كثيرة للبشرية في العديد من القطاعات، فإنها أيضاً قد تشكل تهديدًا حقيقيًا للأفراد والمؤسسات، من حيث انتهاك الخصوصية وأنها قد تسلك سبلًا غير نزيهة في سبيل الوصول إلى هذه البيانات وكذلك تمثل خطرًا حقيقيًا على الأمن السيبراني، وكذلك نجد إرباكًا كبيرًا عند كثير من المهتمين والباحثين بشأن الإجابة على سؤال كيف يمكن دمج أنظمة البيانات الكبيرة في أنظمة البيانات الحالية لدينا؟ وما هي التحديات التقنية التي يجب معالجتها لتسريع نشر حلول البيانات الضخمة؟ وما هي البنية التحتية اللازمة للدول النامية للاستفادة من هذه التقنية؟ وكيف يمكن توفيرها؟ ونحو ذلك من الأسئلة الإشكالية التي تعبر عن الصعوبات التي تواجه مشروع البيانات الضخمة ومن الصعب علينا في هذا المقال التعريفي الاستطراد في بيانها، فالمهم لدينا أن تدرك شعوبنا ملامح المستقبل القريب الذي أضحى حاضرًا في كثير من البلدان أما عن هذه المصاعب، فلا ريب عندي أن العقل البشري قادر على إيجاد الحلول اللازمة لها، المهم ألا يبقى العقل العربي يراوح مكانه لا يدرك تبعات تأخره عن ركب التقدم الإنساني.

وهذا الزخم الكبير الذي تحدثه البيانات الضخمة ولما تدخل بعد تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في الاستعمال الشعبي نحو إنترنت الأشياء والذكاء الصناعي وشبكات الجيل الخامس 5g وتقنيات البلوكشن، لذا ينبغي على الحكومات العربية أن تدرك هذا التحدي القادم وأن تعد له البنية التحتية اللازمة من رأس المال البشري والتكنولوجيا المتقدمة، وخاصة أن تطبيع التكنولوجيا في بلداننا يدخل على استحياء، وإن وجد في بعض الدول الريعية فهو استهلاك متوحش للمنتج الغربي ليس به أثر من إبداع أو ابتكار.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد