جلسنا متحلقين في منزل صديقتي عندما دبت الفكرة في مخيلتنا جميعًا؛ فصحنا سويًّا “هيا نسافر”.

أخذت أفكارنا تتأرجح ما بين المغرب، بالي، واليونان، حتى قفزت إحدى صديقاتنا والتي كانت تعيش في زامبيا فترة من حياتها، قائلة:

ماذا عن زانزيبار؟

فسألناها: وأين تقع زانزيبار هذه؟!

قالت: في إفريقيا، شرق إفريقيا، إنها جنة على الأرض، مجموعة جزر تقع في المحيط الهندي، تابعة لتنزانيا.

ثم استطردت: زرتها مرة في زمنٍ مضى مع والدتي وإخوتي.
نظرنا إليها في ريبة ثم طالبناها بأن تجلب لنا صورًا لتلك الزانزيبار، ففعلت. وبعد أن فعلت، وافقنا جميعًا!
سبعة من النسوة، ذهبنا في مغامرة إلى وسط إفريقيا، إنها عملية الهروب الكبير من روتين العمل ورتابته إلى جزء من قارتنا التي لم نفكر في استكشافها قبل ذلك اليوم.

ليس من الصعب استخراج فيزا للسفر إلى تنزانيا، لذلك ما هما إلا شهرين أعددنا فيهما كل ما نحتاج إليه من حجوزات عبر الإنترنت، حتى كنا على متن الطائرة المتجهة إلى دار السلام- تنزانيا، وقد كانت خاوية إلا منا وعدد ضئيل من الركاب الأجانب!
في وسط دهشة من العاملين في المطار وتعليقهم “ما دار السلام هنا إيه في مصر رايحيين بعيد ليه، ده حتى الطيارة مليانة على الآخر” بدأنا رحلتنا.

نزلنا في مطار دار السلام، مطار متواضع للغاية. بعد بعض إجراءات التفتيش والتدقيق خرجنا من المطار لنصطدم برطوبة تعدت أي نسبة توقعناها، فشعرنا وكأننا نحاول تحرير الأوكسجين من بين ذرات الهواء، إلا أن منظر الشروق الجميل قد خفف علينا كثيرًا، فالسماء بتدريجات ألوانها الحمراء أذهلتنا فخففت من صدمة الرطوبة القاسية.

ذهبنا أولًا لتبديل الدولار بالعملة التنزانية “الشيلينغ”. العملة الورقية التنزانية تشبه كثيرًا أوراق لعبة بنك الحظ، بالألوان الأحمر والأزرق والأخضر. الورقة الواحدة قيمتها 10 آلاف شيلينغ، و5000 آلاف شيلينغ، وأقل ما وصل إلى يدي من عملة ورقية كان 500 شيلينغ. الشيلينغ عملة متدنية للغاية إذا ارتفع الدولار أكثر فستشعر أنها بلا قيمة! نعم يمكنك أن تعيش ملكًا بخمسمائة دولار هناك.

ثانيًا، كان علينا أن نذهب إلى شباك حجز تذاكر الباخرة التي ستحملنا إلى زانزيبار، اليوم كان الأحد، والأحد هو يوم العطلة الرسمي، لم نكن نعلم ذلك، لذا فوجئنا بامتلاء الاستراحة المجاورة لشباك التذاكر عن آخرها واختلطنا في لحظاتنا الأولى في دار السلام بعامة الشعب التنزاني.

شعب بسيط، لا يلقي بالًا للزي، فهناك من تلبس الحجاب وتعري ذراعيها وجزءًا من كتفيها، وهناك من تلبس الزي التنزاني التقليدي بألوانه المتعددة الزاهية، وهناك من ترتدي العباءة، وهناك من ترتدي فستانًا ضيقًا يبرز جسدها، وهناك من تلبس الجينز، وهناك من ترتدي النقاب. أما الرجال فهناك من يرتدي الجلباب، وهناك من يرتدي القميص والبنطال. كما رأيت فيما بعد زي القبائل القديمة في زانزيبار وهو عبارة عن زي أحمر يُلف على الجسد كملابس الإحرام، ويمسك الرجل بعصا، ويلبس أساور في ذراعه.

لا أحد ينظر لأحد باستغراب أو بشيء من السخرية على الإطلاق، لديهم تنوع في الزي كتنوع ألوان زيّهم التقليدي، ولا تجد أي اعتراض من أي أحد.

يتحدث الناس بشكل أساسي اللغة السواحلية (سواهيليي كما ينطقونها)، والإنجليزية، والقليل جدًّا من العربية.
بعد صعوبة شديدة في الوصول إلى باب دخول العبارة، وبعد الوقوف في طابور طويل في عز الشمس، جارين حقائبنا وراءنا، ركبنا. التذاكر عليها أرقام، فبدأنا نبحث عن مقاعدنا حسب الأرقام، ولكن المفاجأة كانت – كما أخبرنا أحد الرجال الذي بدا لنا أنه عربي – أن الجلوس عشوائي! بالطبع قد فات حينها أوان تمكننا من إيجاد مكان لنا.

حاولنا إيجاد أي مكان، حتى أخبرنا نفس الشخص بإمكانية إيجاد بعض المقاعد على سطح المركب. وحتى هذا لم يكن سهلًا! وقفنا في طابور كي نجلس على سطح المركب، في الطابور سألني منظم الدخول عن البلد التي ننتمي إليها فقلت “إيجيبشن” فرد

بالعربية في سرور: اه مصري مصري، ما شاء الله.

ثم استطرد بالإنجليزية: أهلًا بكم في بلادنا، تفضلي تفضلي.

بعد ساعتين في عرض البحر أو أقل قليلًا، وصلنا إلى زانزيبار ومنها إلى منتجعنا المنشود على خليج شواكا، شرق زانزيبار. كان يومًا متعبًا لذا قررنا جميعًا أن نستريح، ولكن ذلك كان بعد أن قررنا أن نبلل ثيابنا في المطر، وأرجلنا في بقايا البحر المنحسر. نعم كانت الشمس ساطعة منذ قليل، ولكن هذا لم يمنع السُحب أن تتراكم، ولم يمنع المطر في أن يهطل بغزارة؛ فشهر أبريل يتمتع عندهم بأجواء استوائية غير مفهومة في أحيان كثيرة، أي كما يقول المصريون مستشهدين بجملة أحمد حلمي في فيلم الناظر “حر برد صهد نار”.

ذهبنا في يومنا الأول إلى مركز زانزيبار للفراشات، صحيح أنه لم يكن هناك الكثير من الفراشات، لكن الغابة التي مشينا فيها إلى حيث توجد شباك الفراش كانت مذهلة، الطبيعة في زانزيبار ساحرة، على طول الطريق لا تجد إلا غابات عن يمينك وعن شمالك. بعد مركز زانزيبار للفراشات، ذهبنا إلى “غابة جوزاني”، صحبنا داخل الغابة مرشد يدعى “سالمين”، اغتبط سالمين حينما علم أننا مصريون قائلًا “ما شاء الله مصري”.

“ما شاء الله” هي كلمة إطراء تعودنا عليها من الجميع إذا ما عرفوا أننا مصريون؛ العامة، المرشدون السياحيون الذين تعرفنا عليهم في زانزيبار، أو حتى صاحب السوبر ماركت الذي كنا نشتري منه.

الغابة ضمت أشجارًا بجميع تدريجات اللون الأخضر، شجيرات قصار، شجر شديد الطول، شجر ذو جذوع ضخمة، شجر ذو جذوع نحيفة، الغابة لا تهدأ، صوت صرصور الحقل في كل مكان، وكذلك بعض الطيور، ويمكنك أيضًا أن تجد بعض الدجاجات وأنت تسير في الغابة.

الغابة مقسمة إلى ثلاث مناطق، منها منطقة تحفل بالقرود، القرود ذوات اللون الرمادي الممزوج بالأحمر هي الأكثر انتشارًا هناك، إنها لا تهدأ على الإطلاق، ولا تكف عن القفز من فوق رأسك كي تعبروا إلى الشجرة الأخرى، كما أنك لا يمكنك أن تقطف أيًّا من ثمار أشجار الغابة لأنك بذلك تنافسها في رزقها ومن الممكن أن تنقض عليك!

ذهبنا في الأيام اللاحقة إلى عدة مناطق، وكنا في كل مرة نتناول الغداء في مطعم جديد، وفي يوم طلبنا من سائقنا “رمضان” والذي تعرفنا عليه في زانزيبار واصطحبنا إلى الكثير من الأماكن، أن يدلنا على مطعم للمأكولات المحلية الزنزيبارية، وبالفعل ذهبنا إلى مطعم في قرية على الشاطئ تدعى “باجي”.

القرية صغيرة ولكن فيها محال يعمل فيها رسامون ماهرون اشترينا منهم لوحات زيتية تصور قبائلهم وألوانهم الجميلة. عندما ذهبنا إلى المطعم، ما إن عرف مدير المكان أننا مصريون حتى طفق يتحث بالعربية ويرحب بنا، ثم فوجئنا بأغنية “علي يا علي” تخرق أسماعنا، فحرنا هل نحن مازلنا في زانزيبار أم أننا في مصر!

ثم بعد ذلك قام بتشغيل موسيقى “عشرة بلدي” أيضًا لكي يرحب بنا، ولكننا سألناه أن يبحث لنا عن أغنية زانزيبارية حتى نحصل على أجواء زانزيبارية متكاملة.

الغداء كان لذيذًا للغاية، لكننا لاحظنا أن المطبخ الزانزيباري قد اكتسب الكثير من المطبخ الهندي ولعلك تجد الكثير من مأكولات المطبخ الهندي كالمسالا، والعيش النان، والشاباتي، متواجدة بقوة في قوائم الوجبات في المطاعم المحلية، وكذلك فإنك تجد العديد من الهنود هناك.

سألنا الشاب الذي قدم لنا الطعام: “هل تعرف مصر؟”

فقال: نعم، محمد مرسي.

ضحكنا جميعًا، إنه لا يعرف شيئًا عن السيسي، توقفت المعرفة لديهم عند محمد مرسي، وهذا لم يكن الأول من بسطاء المحليين الذين أجابوا هذه الإجابة، لا أتذكر إلا اثنين ممن علموا أن من يحكم مصر الآن هو السيسي.

على أي حال الناس في زانزيبار طيبون للغاية، وليس لديهم معرفة بالكثير من الأمور في العالم، فقط يعملون بالصيد، أو بالطبخ، أو ببيع الفواكه، والقلة يملكون المال لكي يمتلكوا سوبر ماركت أو ما شابه، وهم في عمومهم ليس لديهم طموح كبير في الحياة، بشرتهم سوداء لكن قلوبهم بيضاء. ولكنك تجد التليفون المحمول في جيب أغلبهم، حتى أن سائقنا كان يستخدم الإنترنت لكي يحدثنا عبر تطبيق الواتس آب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد