قال مسؤول أوروبي لمعمر القذافي إبان حكمه ليبيا، قبل ثورة الخامس عشر من فبراير 2011، سيدي الرئيس في بلادي يستطيع المواطن أن ينتقد الحاكم ونظامه، ويذهب إلى بيته سالمًا دون خوف – في إشارة لحالة القمع التي كان يمارسها القذافي على بلاده – فرد عليه القذافي بحسه الفكاهي، قائلًا: «وفي ليبيا أيضًا يستطيع أي شخص أن ينتقد نظامك وحاكمك، ويذهب إلى بيته سالمًا».

استجاب الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرًا، للضغوط الدولية التي تطالبه بتحسين ملف حقوق الإنسان في مصر، معلنا في خطو «ماكرة»، عن «الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان»، رغم إنكاره لوجود انتهاكات في عصره، وبعد أن كان يصيح في وجه الغرب منددًا بتدخلهم في ذلك الملف، ومطالبًا بعدم مقارنة شعبه بشعوبهم – في خطابه الشهير أمام الرئيس الفرنسي ماكرون – أصبح الآن يؤكد ضرورة حماية حقوق المصريين، ومنحهم فرصة للتعبير عن آرائهم حتى ولو كانت مخالفة لما يراه.

في خطابه الأخير الذي أكد خلاله ضرورة حماية حقوق الإنسان، لم يكمل الحديث في ذلك الشأن دون أن يتفاخر، بافتتاح أكبر مجمع سجون في البلاد، وبهذا التصريح فند الرئيس ونظامه المصون، نيتهم لإحداث انفراجه في الحياة السياسية، فكأنما يقول للحالمين: «لا تفرحوا كثيرًا فإستراتيجية حقوق الإنسان يرافقها سجن كبير في انتظاركم».

على إثر ذلك، انطلقت الأذرع الإعلامية مهللة، ومكبرة، بقرار الرئيس وهمته في إصلاح الملف الشائك – معترفين ضمنيًا أن مصر تعيش أزمة حقوقية كبرى منذ تولي سيادته الحكم – وأفردت القنوات التلفزيونية، والمحطات الإذاعية، والصحف مساحات كبير وصفحات عدة، للترويج لبنود الإستراتيجية «الخادعة»، التي لم تأتي إلا لصرف أنظار الغرب وأهله، عن الانتهاكات التي يعاني منها الحقوقيون والصحفيون والنشطاء السياسيون في مصر – بحسب ما قالته منظمة العفو الدولية في تقريرها الأخير.

الإعلان عن عزم الرئيس حماية حقوق الإنسان، جاء بعد أن قررت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تعليق 130 مليون دولار من المعونة العسكرية الأمريكية، رهنًا باتخاذ خطوات لتحسين أوضاع حقوق الإنسان. وقرار الإدارة الأمريكية جاء بعد أن حثت جماعات حقوقية كبرى، بايدن على الالتزام بوعده خلال الحملة الانتخابية الرئاسية عندما صرح بأنه «لا مزيد من الشيكات على بياض لديكتاتور ترامب المفضل».

وبرغم الاتفاق المصري الأمريكي في آيار (مايو) الماضي على أهمية الحوار البناء حول حقوق الإنسان، إلا أن البيت الأبيض طالب النظام في مصر بضرورة اتخاذ خطوات محددة لإزالة المخاوف العالمية بشأن حقوق الإنسان، مؤكدًا أن ذلك الملف يحظى بمتابعة خاصة من الرئيس شخصيًّا».

ورغم ما لاقته الإستراتيجية من استحسان وإشادات المقربين من النظام ومؤسساته، والتابعين لدوائر الحكم، نددت منظمة العفو الدولية في تقريرها الأخير بما تمارسه أجهزة الأمن من خروج عن القانون، وقالت في تقريرها الذي جاء تحت عنوان: «مصر: ضعوا حدًّا لشبكة الخوف التي يستخدمها الأمن الوطني للتحكم بحياة النشطاء»، أن القطاع الأمني، يستخدم بشكل متزايد نمطًا مُحكمًا من الاستدعاءات غير القانونية والاستجوابات القسرية، التي ترقى إلى المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

ويعتمد الجهاز إجراءات تشمل المتابعة والمراقبة المُفرطة ضد المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء سياسيين، وصحفيين، في محاولة لمضايقتهم وترهيبهم بهدف إسكاتهم، ما يؤدي إلى تدمير حياتهم، بحسب التقرير.

واستشهد التقرير الدولي، بعشرات الضحايا ووصف كيف يعيشون في خوف دائم من الاحتجاز على أيدي «قطاع الأمن الوطني»، ما يرميهم في حالة من القلق والاكتئاب، ويحرمهم من حقوق أساسية، ويعيق بشدة قدرتهم على أن يعيشوا حياةً طبيعية.

ونتيجةً لذلك، يشعر كثيرون منهم بالخوف الشديد من التعبير عن آرائهم أو المشاركة في أنشطة سياسية، بينما اضطُر البعض إلى مغادرة البلاد – كما هو الحال معي – ومن لم ينجح في الخروج أصبح حبيسًا في دائرة ضيقة أرهقته وعائلته في دوامة من الإجراءات والزيارات والمتابعات الأمنية.

التقرير منشور بكامل تفاصيله ومشاركات عدد من الحقوقيين طالهم الأذى، على موقع المنظمة الرسمي، على شبكة الإنترنت، لمن أراد الاطلاع عليه، وبمناسبة صدوره أدعو الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أطلق وعوده بحماية حقوق المواطنين في حرية التعبير عن الرأي أن يكلف من يتابع ما ورد به من أدلة وشهادة الشهود، ليقف على ما تفعله الأجهزة الأمنية، ويعاقب المسؤولين إن كانت في نيته رغبة حقيقة في تحسين ذلك الملف الذي أصبحت الانتهاكات فيه نقطة سوداء في تاريخ مصر، وامتدادًا لعهد بائد ثار عليه الشعب بغية حرية حلم بها واستيقظ على وعود ضخمة بجمع سجون تاريخي، ينسف آمال التغيرات الحقيقية في حياة المصريين.

في خطوة غير مستغربة من عضو مجلس الشعب مصطفى بكري الذي طالما صدع رؤوسنا بقيمه الزائفة، وتصدر لسنوات صفوف الثوار والمناضلين، مدعيًا تأييده لحرية التعبير والرأي، ومتقمصًا شخصية المدافع عن حقوق الإنسان، خرج علينا في برنامجه التلفزيوني الذي يذاع على فضائية صدى البلد، ليطالب الأمن باعتقال الصحفي صلاح الإمام الذي انتقده في منشور على صفحته الشخصية على الفيس بوك، وكشف بعضًا من أكاذيبه وافترائه عن مرسي إبان توليه السلطة.

لم يحتمل بكري الذي كان يسير في ركب الإخوان خلال شهور حكمهم ونظام مبارك من قبلهم، ذلك الانتقاد وادعى أن الصحفي – الذي كان يومًا ما زميلًا له – حرض على قتل وزير الأوقاف، وأهان المشير طنطاوي. الأمر الذي تحرك على إثره الأمن بهدف اعتقال «الإمام»، الذي فر من منزله تاركًا بيته وأسرته وحياته لينجو بنفسه من هلاك ينتظره بعد بلاغ على الهواء بتهمة التعبير عن الرأي.

لم يفوت الشامتون وأتباع النظام الحدث، وخرجوا مهللين مؤكدين أن الصحفي صاحب المنشور، سيكون السجين رقم واحد في المجمع الجديد الذي أعلن عنه السيسي، وكأنهم يكذبون أنفسهم ويفندون ما يقوله الإعلام عن حقوق الإنسان وحق المواطن في التعبير عن رأيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد