«لقد تحولت لعبة كرة القدم إلى مجرد استعراض، فيه قلة من الأبطال وكثير من المشاهدين، إنها لعبة للنظر. تحول هذا الاستعراض إلى واحد من أكثر الأعمال التجارية ربحًا في العالم، لايتم تنظيمه من أجل اللعب وإنما من أجل منع اللعب!» *إدوارد غاليانو

عملت الأنظمة المصرية العسكرية على مدار عشرات السنوات الماضية، وتحديدًا منذ الانقلاب العسكري في 23 يوليو (تموز) 1952، على أخذ نسق الحضارة الفرعونية في البناء والإنشاء لمشاريع البنية التحتية لإثارة شعور عام بالإنجاز وصناعة صورة كاذبة حول تحقيق النجاحات مما يوحي بأداء نشط نحو نهضة اقتصادية وطنية. إلا أن عبد الفتاح السيسي، صاحب الانقلاب العسكري الثاني، لا على الملكية هذه المرة، لكن على الثورة والديمقراطية المصرية في 3 يوليو 2013، تمادى في هذا الأمر، ليكسر الرقم القياسي في الإعلان عن أكبر عدد من المشاريع العملاقة في وقت محدود جدًا، ضاربًا بالوضع الاقتصادي والشعبي الاجتماعي عرض الحائط، ومطبقًا لعقيدة الصدمة – كما يقول الكتاب – لفرض سياسات نيوليبرالية من التخصيص للممتلكات العامة، ورفع الدعم، وفتح السوق للأجانب وغير ذلك من الخضوع لأوامر صندوق النقد الدولي كتعويم الجنيه المصري، ما لم يكن مطروحًا يومًا، بل هو معاكس تمامًا، لتطلعات المواطن المصري في حكم الرئيس المتنحي محمد حسني مبارك، أو في ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 وما بعدها. 

توجه النظام الحالي في مصر لتتويج عقيدة الصدمة بإستباحة إرهاب الدولة داخل المحافظات وفي الأطراف، حيث تم انتهاك حقوق الإنسان المدني بدواعي غير مبررة كالحرب على الإرهاب، واعتقال الكثيرين بلا تهم، أو بتهم ملفقة، وآخرين بالاختفاء القسري، وذلك بعد مذبحة رابعة العدوية الشهيرة، حيث تم أيضًا إصدار أحكام بالإعدام على من انتموا لتيارات معارضة للنظام شاركت في هذه الوقفة من قريب أو بعيد، كما تم التنكيل بالمعارضين الذين وقفوا مع النظام في انقلابه في البدايات أو حتى بعد ذلك بتسجيلات فضائحية بعضها بالصوت وأخرى بالصوت والصورة، ثم تصاعد البطش ليطال الباحثين المصريين والأجانب الذين اعتقلوا، كإسماعيل الاسكندراني، أو قتلوا كالإيطالي وجوليو ريجيني، وبالطبع كان تقييد حرية التعبير والتظاهر والحركة أمرًا طبيعيًا تحت حكم الاستبداد القائم، بل خرج التسلط عن حيز الثوريين والأحزاب السياسية إلى مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي والمساجد والجامعات وغيرها من أماكن التجمع والأنشطة الاجتماعية. أما بالنسبة لجزيرة سيناء فالتغطية الإعلامية لم تكن محايدة بالمرة، حيث لا يمكن للمواطن وللعالم معرفة حقيقة ما يجري إلا من خلال إعلام النظام نفسه، بدعاية تم التشكيك في صحتها ونقضها من قبل بعض الباحثين؛ حيث كشفوا كيف يستخدمها النظام لخدمة أجنداته الخارجية، النظام الذي يتهم كل معارضيه بالإرهاب والتآمر والخيانة، وهو ما يعني الاتهام بالكفر في قاموس الدولة الوطنية. وأخيرًا أثبت السيسي كفاءته لشريكه الأول في المنطقة إسرائيل، ليس فقط على مستوى السياسات الداخلية والخارجية، لكن حتى في العلمليات العسكرية المشتركة في سيناء، حيث يظهر عجزه عن حماية ظباطه وجنوده؛ فضلًا عن مواطنيه في داخل وخارج مصر نفسها. هكذا وبعد سقوط الأقنعة فقد الشعب المصري حسه بالتعاطف والتأييد.

لذلك، لزم على نظام السيسي الجوء لأساليب نظام مبارك وغيره من الديكتاتوريات القديمة، كموسوليني في إيطاليا وفرانكو في إسبانيا وفيديلا في الأرجنتين، ليتمكن من ضرب عصفورين بحجر واحد. أولًا تشتيت اهتمام الجماهير عن النظر والانتقاد لمشروعاته الفاشلة، وتبعات ذلك على مستقبلهم، عبر الإلهاء بالحدث الرياضي، ولتعزيز سلطة مؤسسته العسكرية في الحكم، والتي تحولت من جهاز لردع الأعداء والحرب، إلى مؤسسة اقتصادية تسيطر على أموال الدولة وتقمع الشعب سياسيًا واجتماعيًا، وتعقد الصفقات دولية مع من أجل شرعية وهمية خارجية وبعض المنح من الأموال والأسلحة. يأتي هذا التشتيت أيضًا كحركة سياسية لكسب الجماهير مرة أخرى ومحاولة تحسين صورة النظام وسمعته في العالم، والتغطية على ظلمه وجرائمه وفشله بأشكالهم المتنوعة والمتفاوتة والمتزايدة. ثانيًا، يسعى نظام السيسي لكسب ود رأس المال الملحي والإقليمي والعالمي ليتمكن من الحفاظ على علاقة الحب بينهما؛ ما يعني بالضرور الاستبقاء على وجوده، وزيادة تمكنه من الهيمنة القمعية مستخدمًا معها أداة الإعلام للترويج والتبرير لكل ما يفعل.

ولما كان المنتخب المصري من ضمن المنتخبات المؤهلة لكأس العالم 2018 بعد غياب 27 عامًا، كانت فرصة النظام الذهبية لحشد الجماهير حول معركة مختلقة جديدة في ساحة الرياضة. ورغم علم الناس بضعف مستوى المنتخب نظرًا لوصول القمع إلى المنظومة الرياضية نفسها. إلا أن إعلام النظام لعب على الأمل في رؤية ما يخالف التوقعات، خاصةً مع وجود مصر في مجموعة بدت من الأسماء التي ضمتها أنها سهلة نسبيًا، والشعب كان جاهزًا لبلع الطعم؛ كالظمآن في صحراء جرداء وبركة مائية متوهمة. هنا سيطر شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) مشتركًا بين النظام والشعب، حيث طبقه الأول لترسيخ آليات الديكتاتورية العسكرية، وطبقه الثاني ليتجاهل ما يمر به أملًا في ما هو أبعد.

لم يدم الأمل طويلًا، انهزم المنتخب المصري في معاركه الكروية العالمية. وللعجب، لم يترك النظام هذا الفشل إلا واضعًا عليه بصمته أيضًا، فالعبث باتحاد الكرة والجهاز الإداري لبعثة المنتخب أدى إلى السماح للعديد من المشجعين والفنانين والإعلاميين والبرلمانيين التابعين والمبعوثين من النظام للدخول لغرف اللاعبين وحيزهم الخاص، فأثاروا استفزازهم قبل مباراة كانت حاسمة لمصيرهم في هذه البطولة. مما لم يُفقِد الجماهير فرحتها فقط، بل زاد سخطها وحنقها على هذا النظام المفسد لكل آمالها وتطلعاتها، القريبة منها والبعيدة.

ومع وصول مصر لأول مرة في تاريخها لرئاسة الاتحاد الأفريقي، مما مكنها من استخدام المنصب لتمرير سياساتها الإقليمية في السودان وليبيا وكسب شرعية ودعم اقتصادي دوليين، سارعت للتقدم لتنظيم بطولة كأس أفريقيا في مقابل دولة جنوب أفريقيا، الدولة المستقرة سياسيًا والمستضيفة لكأس العالم 2010 والمتاح فيها للجماهير بحضور مباريات كرة القدم؛ ما قد منع في مصر من النظام. وبغض النظر عن الاتهامات الموجهة لأنظمة دول أخرى تدعم أو تفتح المجال للتيارات المعارضة للنظام المصري، ككل من تركيا وقطر، كاتهام الأخيرة باستغلال نفوذها المادي لحيازة تنظيم كأس العالم 2022، يبدو أن مصر حصلت على تنظيم بطولة أفريقيا بنفس الطريقة التي تتهم بها الآخرين؛ حيث فازت لا لكفائتها إنما لعلاقاتها كرئيسة الاتحاد الأفريقي ولنفوذها السياسي، كما قال طارق بوشماوي عضو المكتب التنفيذي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم أن هناك نقطة قوية رجحت ملف مصر على جنوب أفريقيا في سباق تنظيم كأس الأمم الأفريقية 2019، وهو (دعم الدولة ممثله في الحكومة المصرية) ما شكل الأفضلية لمصر؛ أي فوزها بالتزكية.

يظل التساؤل والارتياب مثارين حول إمكانية نظام السيسي على تنظيم بطولة ككأس أفريقيا. فالنظام أثبت فشله على مستوى إدارة المراحل الانتقالية وما بعدها، في كل من الإصلاح الاجتماعي، والانتقال ديمقراطي، وفتح المجال العام للباحثين والنشطاء والفاعلين، مرورًا بمحاربة الإرهاب، وإصلاح مؤسسات التعليم والصحة، وبناء مشروعات اقتصادية مؤثرة في حياة المواطن المصري، وتحقيق مطالب الثورة التي خرج الناس من أجلها ومات بعضهم في سبيلها، انتهاءً بفشله في أبسط الأمور كإدارة بعثة منتخب بلاده لكأس العالم. إضافةً لمذبحة بورسعيد الكروية في حكم المجلس العسكري بعد الثورة والتي قتل فيها 74 شخصًا، ثم موقعة استداد الدفاع الجوي وممر الموت التي قتل فيها 20 شخصًا في مباراة لنادي الزمالك في عهد نظام السيسي.

وبينما يمثل استضافة هذه الفاعلية الكبيرة إضافة أخرى لسجل المشروعات العملاقة التي تبناها النظام، بينما سياساته المتبعة لا تتعدى كونها سياسات أقزام في أكبر شؤون الدولة وحتى تنظيم مباريات كرة القدم داخلها. فحاليًا، لا يُسمَح إلا لأعداد محدودة من المشجعين بالحضور في المدرجات الكروية. وذلك بعد أن حرص النظام على محاربة وتفكيك وغلق كل السبل أمام روابط الألتراس المصرية التي كان يتعدى تفاعلها الرياضي إلى الاجتماعي والسياسي. فيبدو أن هناك جانبًا مشرقًا ولو ضئيلًا من عودة بطولة كأس أفريقيا لأرض مصر، بعد آخر مرة استضيفت بها في الـ2006، وهي إعادة إتاحة دخول الجماهير وتقليص الفجوة بينها وبين المدرجات، ما يعني استعادة موجة مؤثرة في حراك ونفوس الجماهير المصرية الثورية، وهو التشجيع الذي يمثل التجمع والهتاف والتلاحم، وما لذلك من قدرة في نشر الإحساس بالقوة الفريدة لروح الجماعة، والتذكير بأيام الثورة في ميدان التحرير والألتراس في المدرجات.

وكما أن المستبد يبغض من يفوقه علمًا وعقلًا، لأنه يستحقر نفسه أمامه، فإن المستبد يغار ممن يفوقه رشدًا ومالًا، ولعل ذلك يكون سببًا في استجلاب تنظيم كأس أفريقيا الآن. فلا يصح أن تستضيف دويلة قطر كأس العالم، ولا ترد مصر بالبطولة الأفريقية كأقل تقدير. وهذا الاستثمار السياسي في أصله، نابع من رغبة قوية لـ(كيد العزال) وإضفاء قيمة غير حقيقية على نظام مصر الذي يُدعَم عربيًا من دول معادية لدولة قطر. ويتعامل معهم النظام المصري كحقائب محملة بالأرز، بينما يستعملونه لمصالح جيواستراتيجية. وليس ذلك فقط، بل إن استضافة لبطولة كهذه في الوقت الحاضر هو محاولة لإعادة إحياء الروح القومية الميتة التي يريدها العسكر، متزامنة مع انقلابه العسكري على الرئيس المصري المنتخب الراحل محمد مرسي، ومصحوبة بإعلانات حكومية، وخاصة في شوارع القاهرة بشخصية (توت) الكارتونية لطفل أسمر يرتدي زي المنتخب مع غطاء رأس فرعوني، ما يمثل محاولات النظام لاستبدال هوية المصريين من الهوية العربية الإسلامية إلى الفرعونية، ليس فقط من خلال التضييق على المتدينين من خارج وداخل الحركات الإسلامية المسالمة والسياسة والمسلحة بدعوات تجديد الخطاب الديني الماكرة ومكافحة الإرهاب الباطشة وغيرهما، بل أيضًا بفرض علمانية صلبة معادية للدين لتكوين جيل جديد مسخ في المستقبل يسهل على النظام التحكم فيه واجتذابه للاصطفاف حول أجندته الخاضعة للقوى الإقليمية والكولونيالية، وهو ما أطلق عليه السيسي (بناء الإنسان المصري الجديد). وهكذا يرى السيسي تلك البطولة كوسيلة لترسيخ رغبات نظامه في تشويه الوعي والثقافة المصرية، ولتكوين صورة غير صحيحة حول إنجازات غير نافعة، ما يجعل من فوز مصر بهذه البطولة فوزًا شخصيًا له ومهمة وطنية قومية، يدعمها هو في أعلى المدرجات ووينفذها اللواء أركان حرب الكابتن محمد صلاح في الملاعب. لقد تغير الوضع كثيرًا عن وقت حسني مبارك، لما كانت هذه البطولة رفاهية وترف وانتسابها إلى النظام شيء يعزز من شعور الناس بأبويته، إلى أن أصبحت مسألة إثبات ذات؛ معركة حياة أو موت.

وبالنسبة للماديات، لم ترض جنوب أفريقيا بالـ20% كعوائد ربح من البطولة، بينما وافقت مصر على ذلك مع توفير ميزانية أعلى للتنظيم. وكلف حفل قرعة أمم أفريقيا 2019 مبلغ 50 مليون جنيه مصري، ووصت لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب المصري، بزيادة المخصصات المالية لوزارة الشباب والرياضة في موازنة العام المالي 2019-2020، ردًا على تخفيض وزارتي المالية والتخطيط لمخصصات تطوير مراكز الشباب من 550 مليون جنيه في العام المالي الحالي 2018-2019 إلى 200 مليون جنيه في العام المالي الجديد، بنسبة خفض تبلغ 70%، بدعوى توجيه هذه الأموال لتنظيم كأس الأمم الأفريقية. وقال رئيس الإدارة المركزية للاستثمارات الرياضية في المجلس القومي للشباب، عادل رضوان، أن الاقتطاع من ميزانية المجلس كذلك لصالح إنشاء ملاعب وحمامات سباحة في المدينة الرياضية بالعاصمة الإدارية الجديدة، مشروع السيسي الأكبر، ليعقب النائب طلعت خليل، بالقول إن 50% من موازنة المجلس القومي للرياضة تذهب للعاصمة الإدارية، وهو أمر مرفوض لأن الإنشاءات المتعطلة في المحافظات أولى بهذه المبالغ.

تمشي هذه البطولة جنبًا إلى جنب مع اجتياح التضخم الاقتصادي في مصر وارتفاعه، ليثار الغلاء مرة جديدة في وقت قياسي على كل من تذكرة المترو وأسعار الوقود والكهرباء وما يترتب على ذلك من زيادة أسعار السلع والخدمات بشكل متضاعف، ما يعني انطلاق الاقتصاد المصري نحو الانهيار، نتيجة لعدم المهنية وتحييد الكفاءات وعدم الاكتراث بتغيير السياسات الاقتصادية والخارجية والداخلية، متمثلة كأبسط الأشكال بمصير مراكز الشباب التي تم التضحية بها، والتي تمثل منافذ الرياضة والثقافة للشباب في أنحاء مصر في القرى والنجوع والمحافظات والأحياء الشعبية، من أجل انتصار القيادة العسكرية، لا في ساحة الحرب لكن في ساحة البروباجاندا، بمشاريعها العملاقة على حساب شعبها باتباع سياسة الأقزام؛ هو ما يلخص قصة مصر منذ عام 2013.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد