الصديق والفاروق ، سيدان من سادة قريش قبل الإسلام، سيدا كهول أهل الجنة كما بشرهما النبي ﷺ، من أعظم رجال الإسلام ودعوة التوحيد، إن لم يكونا الأعظم بعد أنبياء الله عليهم السلام، صهرا رسول الله، وأوائل خلفاء المسلمين، رفيقا درب النبي خلال حياته، وحملة شعلة دعوة الإسلام بعد مماته، قال عنهما الرسول الأعظم: إن أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم. رضي الله عنهما.
كانت المنافسة بين الصديق والفاروق في قمة احتدامها، ولكن أي منافسة؟ إنها المنافسة الكبرى في إرضاء الله والتقرب إليه، قدم فيها كلٌ منهما الغالي والنفيس في سبيل الله، وهذا شأن عظيم أكرمهما الله به، ولا يليق إلا بعظيمين مثلهما، وإن كنا نتحدث عن منافسة هنا ؛ فهي ليست بمسابقة لها شروط وقوانين، وليست سباقًا له بداية ونهاية ؛ بل هي منافسة ضمنية بينهما، فيا ترى ما هي أحداث وملامح تلك المنافسة؟

كيف وجد الصديق الوقت ليفعل كل هذا؟

صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ فقال عمر: لم أحدث نفسي بالصوم البارحة فأصبحت مفطرًا، فقال أبو بكر: ولكني حدثت نفسي بالصوم البارحة فأصبحت صائمًا، فقال: هل أحدٌ منكم اليوم عاد مريضًا؟ فقال عمر: يا رسول الله لم نبرح فكيف نعود المريض؟ فقال أبو بكر: بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاكٍ فجعلت طريقي إليه لأنظر كيف أصبح، فقال: هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينًا؟ فقال عمر: صلينا يا رسول الله ثم لم نبرح، فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا بسائل فوجدت كسرة من خبز الشعير في يد عبد الرحمن فأخذتها ودفعتها إليه ؛ فقال: أنت فأبشر بالجنة، ثم قال كلمة أرضى بها عمر، وزعم عمر أنه لم يرد خيرًا قط إلا سبقه إليه أبو بكر.
يعلمنا الصديق في هذه الحادثة درسًا ناصعًا في أعمال الخير التي لا تتطلب وقتًا محددًا، ولا تتطلب تكلفًا مبالغًا فيه، ولكنها تحتاج همةً عالية تعانق السماء، لا ترضى بأقل من الإمتياز في كل عمل يرضي الله ويقرب إليه.

إنك لسباقٌ بالخير

فيما لا تزال المنافسة مشتعلة بين الصديق والفاروق، نقف عند قصةٍ جديدة بطلها ابن مسعود رضي الله عنه، حيث يروي لنا موقفًا جمعه بأبي بكر وعمر ومن قبلهما النبي ﷺ حيث يقول: كنت في المسجد أصلي فدخل رسول الله ومعه أبو بكر وعمر، فوجدني أدعو، فقال: سل تعطه، ثم قال: من أحبّ أن يقرأ القرآن غضًا طريًا فليقرأه بقراْة ابن أم عبد، فرجعت إلى منزلي، فأتاني أبو بكر فبشرني، ثم أتى عمر فوجد أبا بكر خارجًا قد سبقه، فقال: إنك لسباقٌ بالخير.
كعادة أبي بكر دومًا يفوت الفرصة على عمر، ولا يدع مجالًا لأي أحد أن يزعزع مكانته في صدارة السباقين إلى فعل الخير، وكأنه يقول: لن يسبقني أحد !

لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر!

وفيما يُروى من روائع تهافُت الصديق والفاروق في الطاعة وفعل الخيرات هو تلك القصة الجميلة مع العجوز الضريرة التي ضرب لنا فيها خليفة الإسلام الأول الصديق مثلًا في التواضع والتفرغ لخدمة المحتاجين رغم علو شأنه وكثرة انشغالاته.

ذكر د. محمد العريفي في كتابه الشهير «استمتع بحياتك» هذه القصة، فقد روي أن عمر بن الخطاب كان يراقب أبا بكر الصديق في وقت الفجر وشد انتباهه أن أبا بكر يخرج الى أطراف المدينة بعد صلاة الفجر ويمر بكوخ صغير ويدخل به لساعات ثم ينصرف لبيته، وهو لا يعلم ما بداخل البيت ولا يدري ما يفعلة أبو بكر داخل هذا البيت لأن عمر يعرف كل ما يفعله أبو بكر من خير إلا ما كان من أمر هذا البيت الذى لا يعلم عمر سره!
مرت الأيام وما زال خليفة المؤمنين أبا بكر الصديق يزور هذا البيت وما زال عمر لا يعرف ماذا يفعل الصديق داخله إلى أن قرر عمر بن الخطاب دخول البيت بعد خروج أبو بكر منه ليشاهد بعينه ما بداخله وليعرف ماذا يفعل فيه الصديق بعد صلاة الفجر! حينما دخل عمر في هذا الكوخ الصغير وجد سيدة عجوز لا تقوى على الحراك كما أنها عمياء العينين ولم يجد شيئا آخر في هذا البيت فاستغرب ابن الخطاب مما شاهد، وأراد أن يعرف ما سر علاقة الصديق بهذه العجوز العمياء؟
سأل عمر العجوز: ماذا يفعل هذا الرجل عندكم؟ فأجابت العجوز وقالت: والله لا أعلم يا بنى فهذا الرجل يأتى كل صباح وينظف لي البيت ويكنسه ومن ثم يعد لى الطعام وينصرف دون أن يكلمنى ! جثم عمر ابن الخطاب على ركبتيه واجهشت عيناه بالدموع وقال عبارته المشهورة: لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر.  وقد قيل أن خليفة الإسلام الثاني الفاروق عمر ظل يتعاهد هذه المرأة بعد وفاة أبي بكر، فسألته: أمات صاحبك؟ فقال: وما أدراكِ؟ قالت: جئتني بالتمر ولم تنزع منه النوى!
وهذه القصة إن صحت لهي خير درس في حرص الصحابيين على التسابق إلى مغفرة من ربهم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، وكأن لسان حال عمر يقول: أتعبتنا يا أبا بكر؛ حتى بعد مماتك لم نجاريك!

اليوم أسبق أبا بكر!

في محطةٍ جديدة من محطات تنافس الصديق والفاروق ما يرويه عمر بن الخطاب نفسه بقوله: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال يا أبا بكر: ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا.
نجد الفاروق عمر شديد الحرص على التصدق وكان هذا في غزوة تبوك فقدم نصف ما لديه، وهذا أمر عظيم؛ لكن الصديق كعادته يأبى إلا أن يحافظ على تميزه فيقدم كل ما يملك لله ورسوله في مشهدٍ لا يكاد عقلٌ بشري يتخيله في زماننا هذا؛ ليجعل عمر يقر بعدم قدرته على مجاراة أبي بكر، ويكأنه لا ينافِس أبا بكر، إلا أبي بكر! 

ختامًا، وإن توالت القصص التي تظهر بشكل واضح أفضلية أبي بكر الصديق فهذا لا يقلل من شأن الفاروق عمر، فهو بشارة النبي حينما سأل الله أن يعز الإسلام بأحب عمرين إليه، وهو الذي كان ينزل بعض من القرآن بما يوافق رأيه ؛ إنما مثل هكذا تنافس ليضع الصديق في مكانته الطبيعية التي استحقها بفضل شهادة النبي ﷺ عنه، وبفضل أفعاله التي شهدها المسلمون قبل وبعد توليه الخلافة، ولعل هذه المنافسة بينهما متفردة في كونها لا تشمل ربحًا ولا خسارة، فلا يخسر من يتاجر مع الله، رضي الله عنهما وأرضاهما، لنا فيهما خير قدوة، لنرفع سقف التحدي ونبدأ المنافسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد