التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في أنقرة، منهيًا رسميًّا سنوات من العداء الذي شهد تركيا ومشيخة الخليج على طرفي نقيض من الصراعات الكبرى في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي ووسائل الإعلام.

وقد قوبل محمد بن زايد، الذي يقوم بأول زيارة رسمية له إلى أنقرة منذ ما يقرب من 10 سنوات، بضجة، وأقام أردوغان مراسم ترحيب لولي العهد في القصر الرئاسي تضمنت موكبًا لسلاح الفرسان.

وبعد ساعات، أعلنت الإمارات عن صندوق استثماري بقيمة 10 مليارات دولار في قطاعات متعددة من الاقتصاد التركي ، بما في ذلك الطاقة وتغير المناخ والتجارة، وقد تؤدي هذه الخطوة إلى دعم الاقتصاد المتعثر في تركيا في وقت تسارعت فيه أزمة العملة المستمرة منذ سنوات، وكدليل أولي على الأثر الاقتصادي لزيارة ولي العهد، ارتفعت قيمة الليرة التركية بنحو نقطة واحدة بعد أن سجلت مستوى قياسيًّا منخفضًا في الأيام الأخيرة.

وقد اندلع التنافس بين الإمارات وتركيا في بعض أكثر ساحات القتال فتكًا في المنطقة على مدى العقد الماضي، مما أعاد تشكيل الشرق الأوسط في هذه العملية.

وتعود جذور العداء الأخير إلى حملة محمد بن زايد للقضاء على حركة الإخوان المسلمين المحافظة في جميع أنحاء المنطقة؛ ومن جانبه، كان أردوغان أقوى داعم للجماعة الإسلامية.

ولطالما كان محمد بن زايد داعمًا رئيسيًّا للجيش المصري، الذي أطاح بأول رئيس منتخب ديمقراطيًّا في البلاد – عضو الإخوان المسلمين محمد مرسي – في أعقاب الربيع العربي في عام 2013، ثم نصَّب الجنرال السابق عبد الفتاح السيسي رئيسًا، وترأس السيسي أشد الحملات القمعية ضد الإخوان المسلمين والناشطين السياسيين في تاريخ مصر الحديث.

وفي ليبيا، دعم محمد بن زايد الجنرال خليفة حفتر في محاولته لانتزاع السلطة من الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس، المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين والتي يدعمها أردوغان.

ولكن الأسلحة ظلت صامتة نسبيًّا منذ ذلك الحين على العديد من خطوط التصدع في المنطقة، ويجب على لاعبيها الرئيسيين الآن أن يتعاملوا مع الاقتصادات التي تعاني من الآثار المشتركة لعدم الاستقرار الإقليمي والوباء، وتركيا هي إحدى الدول التي تكافح من أجل الحفاظ على اقتصادها طافيًا في السنوات الأخيرة. وفي إطار إحياء علاقة أنقرة بأبي ظبي، وجذب عدد كبير من الاستثمارات من الإمارات الغنية بالنفط، قد يأمل رئيس تركيا القوي في شريان الحياة الذي تشتد الحاجة إليه.

وفي المقابل، قد تسعى أبوظبي للحصول على تنازلات بشأن العديد من بؤر التوتر الإقليمية، مثل ليبيا، مما يثير شبح المقايضة التي قد تغير قواعد اللعبة.

ويقول المحللون إن العامل الآخر الذي يدفع إلى التقارب الواضح هو التشكيك في التزام أمريكا تجاه الشرق الأوسط. ومع إعادة تركيز رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين على آسيا، يشعر العديد من القادة الإقليميين الرئيسيين بشكلٍ متزايدٍ أنهم بحاجة إلى تدبير المزيد بأنفسهم، ويبدو أن الإمارات عازمة على قيادة الزمام لجعل الحي أكثر أمانًا.

ولسنوات، تدخلت في عدد من الحروب، حيث واجهت شركاء إيران الإقليميين شبه العسكريين في دول مثل اليمن وسوريا والعراق، بالتوازي مع حملتها ضد جماعة الإخوان المسلمين، والآن يبدو أنها تريد أن يُنظر إليها على أنها صانع السلام الرئيس في المنطقة.

ومنذ آب (أغسطس) 2020، قامت الإمارات بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ورأبت خلافًا سياسيًّا استمر لسنوات مع قطر الغنية بالغاز، وقدمت سلسلة من المبادرات الدبلوماسية للعدو الإقليمي إيران، وقادت الحملة على نطاق المنطقة لإعادة دمج سوريا في العالم العربي، والعمل على إنهاء العزلة الدبلوماسية للرئيس بشار الأسد التي استمرت عقدًا من الزمان.

ويعد اجتماع محمد بن زايد مع أردوغان الاجتماع الأكثر بروزًا بين المنافسين السابقين حتى الآن.

وقبل بضعة أيام، أصدرت دول الخليج العربية بيانًا مشتركًا أيدت فيه إحياء المفاوضات لإعادة الدخول في الاتفاق النووي الإيراني، وكانت بعض هذه البلدان من بين أشد المعارضين للاتفاقية صخبًا عندما تم التوصل إليها لأول مرة في عام 2015.

ويقول المحللون إن الدافع الرئيس وراء هذا الانفراج هو فك الارتباط المتصور من جانب الولايات المتحدة من المنطقة — وهو تأكيد نفاه المسؤولون الأمريكيون مرارًا؛ ومع ذلك، يبدو أن اللاعبين الإقليميين قرروا أنهم لم يعودوا قادرين على الاستعانة بمصادر خارجية لأمنهم للولايات المتحدة، التي قفزت ذات مرة للدفاع عنها خلال غزو صدام حسين للكويت عام 1991، لكنها لم تفعل شيئًا – على الأقل علنًا – ردًّا على هجوم على مصافي النفط السعودية في عام 2019 أدى إلى خفض إنتاج النفط في المملكة إلى النصف، وكل هذه البلدان الآن تعيد صياغة سياساتها وتستعد لتقليل مشاركة الولايات المتحدة، وتدرك أنها بحاجة إلى لعب أدوار أكثر استباقية مع جيرانها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد