من المُسلّم فيه أن كل والدين يحبون ويسعون أن يكون أبناؤهم الأفضل، وأن يكونوا أصحاب خلق وأدب وعلم، هذا الأمر لا يأتي دون جهد أو تعب أو مثابرة، ولا يعقل أن يبقى الأهل مراقبون لأبنائهم دائمًا في كل تصرف وقول، ولن يستطيعوا حتى وإن أرادوا ذلك؛ فطبيعة الحياة أن الأبناء لا بد أن ينفصلوا عن آبائهم، سواء أكانو ذكورًا أو إناثًا، لكن لو قام الآباء بتربية أبنائهم منذ الصغر وطيلة فترة ارتباطهم بآبائهم على المبادئ والدين والعلم وحب الخير؛ لوجدوا ثمار هذه التربية في جميع أمور حياتهم، وكانوا على اطمئنان وثقة أن ما يفعله أبناؤهم في غيابهم هو ما يتطلعون إليه.

وخير مثال يقتدى به على هذا من سيرة رسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو أول معلم ومرب لنا؛ فقد كان بمثابة أب ومعلم ﻷصحابه ولكل المسلمين حتى يومنا هذا ولآخر الزمان، فقد علم ودرس ووعظ وأرشد في أحسن الطرق والأساليب، ولم يكن بمثابة محاسب أو مراقب لكل صحابي في كل قول وعمل، فهو علمهم ورباهم في أحسن ما يكون، ثم أعطاهم كامل الثقة لينطلقوا في هذه الحياة، وفي حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) لابن عباس:: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. وهذا دليل، ومثال واضح على أسلوب الرسول في التعليم والتربية وأسلوبه المؤثر في التعليم.

كلٌ في ميدانه ومجاله

وهذا لا يكون في تربية الأبناء فقط، بل هي الطريقة الأنجع والأفضل لكل معلم وصاحب فكرة يريد أن يعلم طلابه أو يوصل فكرته لطلابه، فعليه أن يبني فكرته في نفوس طلابه ويرسخ مبادئه وآراءه بالطريقة الفعالة ليكونوا حملة لهذه الأفكار، وبهذا يكون قد ساهم في بناء جيل واع وله تأثيره وثماره في هذه الحياة، ولا يهم العدد (فأن تخرج بإنسان واحد تكون قد ساهمت بإصلاحه وبنائه على الخير هذا لأمر عظيم فعلًا).

فمثلًا كونك مدرس للعلم الشرعي، فأن تعلم الطلاب وتكونهم على أساس التفكير الجيد والمنطقي الموافق لمنهج الرسول (صلى الله عليه وسلم) وصحابته، أن تدرسهم كيف يستطيعوا أن يخرجوا الأحاديث لتمييز الصحيح من الضعيف، أن تعلمهم كيف يستطيعون أن يعرفوا الراجح من المرجوح، كيف يستطيعو، أن يتعاملوا مع تعارض النصوص، وكيف يواجهون اختلاف آراء المذاهب، واختلاف العلماء في كثير من المسائل الفقهية، لا أن تمضي سنوات تدريسك في تلقين الطلاب هذا صحيح وهذا خطأ، هذا راجح وهذا مرجوح، وطريقة التعليم هذه لا تكون في تدريس العلم الشرعي فقط، بل في كل العلوم، في مواد التربية والرياضيات والاقتصاد وغيرها.

أن تربي أبناء صالحين وفاعلين في المجتمع، أن يكون أبناؤك أصحاب خلق وعلم هو بحد ذاته انجاز كبير ومجهود له وزنه عند الله تعالى، وأن تكون معلم وتخرج بطلاب يحملون أفكارًا سامية، ويكون لهم دورهم في هذه الحياة، إنما هو خدمة عظيمة للإسلام لرفعته ونصرته، فأنت عندما تغرس الفكرة السوية والقيم النبيلة حتى لو بإنسان واحد فأنت لا تعرف كم عدد الذين سيلحقون بهذا الواحد، تكون قد ساهمت ببناء جيل.

ولا ننسى أن ما نبنيه هو الدين، هو العلم، هو الخلق، هو القيم، هو الوطن، هو القدس، هو الأقصى، فإن ما تبنيه ستلاقي ثماره في الدنيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد