بعد قرابة 10 سنوات من اطلاق واشنطن حربها على الإرهاب ابتغاء مطاردة المتسببين في هجوم الحادي عشر من سبتمبر، وعلى رأسهم ابن لادن، أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مقتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الذي طاردته منذ إعلانه في فتوى أثارت الجدل عام 1998 الحرب على الولايات المتحدة وتبرير مهاجمة المدنيين من مواطنيها بحجة أنهم يمولون ويدعمون سياسات بلادهم الخارجية التي تقتل وتشرد وتظلم الشعوب الأخرى على حد وصف ابن لادن.

وقد أدرجت الولايات المتحدة ابن لادن وعددًا من عناصر تنظيم القاعدة على قائمة المطلوبين بعد اتهامهم بالتورط في هجمات استهدفت السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا في أغسطس (آب) عام 1998، ومن بعد ذلك أصبح ابن لادن أهم مطلوب للولايات المتحدة على وجه الأرض، وأصبحت أشرطة ابن لادن ومقابلاته وبياناته تحرج إدارة بوش، ومن بعده أوباما مع مرور السنوات على إسقاط حكم طالبان في أفغانستان، وتدمير الولايات المتحدة بالقصف والعمليات الميدانية بمشاركة 40 دولة في تحالف ضد الإرهاب لم يستطع أحد في واشنطن الإجابة عن سؤال حيّر الأمريكان حول أين يختبىئ ابن لادن؟

السؤال الذي وجد فريق الأمن القومي التابع لإدارة أوباما إجابة له في الساحة الخلفية لأحد أهم الكيانات والقواعد العسكرية في باكستان في أبت آباد، وبالرغم من نفي باكستان المرتبك حينها لعلمها بوجوده على أراضيها، فإن إدارة أوباما نجحت في إرسال فريق لقتل ابن لادن، وحمل جثته في ليلة الأول من مايو (أيار) 2011 فيما عرف لاحقًا بعملية أبت آباد.

العملية – التي ضمنت لأوباما إعادة الانتخاب لفترة رئاسية ثانية، حسب رأي كثير من المحللين الأمريكيين – كانت نقطة تحول في الرأي العام الدولي والأمريكي على وجه الخصوص حول مبررات الاستمرار في الحرب على أفغانستان، ودعم حكومة لا تتمتع بالشعبية المحلية فيها بعد تحقيق الهدف وإعلان أوباما إتمام المهمة التي ذهبت أمريكا من أجلها إلى أفغانستان.

ولكن استمرار حرب الولايات المتحدة في أفغانستان بُررت بأنها تسعى إلى مكافحة معاقل الإرهاب وداعميه، وهو ما استمرت واشنطن في بيعه كمبرر لاستمرارها في أفغانستان لـ10 سنوات لاحقة، معلنة قادة طالبان كمطلوبين باعتبارهم إرهابيين متورطين في عمليات استهدفت الولايات المتحدة وجنودها.

لم يكن صانعو القرار في واشنطن طوال فترة أوباما يتوقعون أن يأتي يوم يصافح فيه مسؤول أمريكي مسؤولين من طالبان بمعزل عن حكومة كابول، ويوقعون على اتفاقية إنهاء الاحتلال الأمريكي لأفغانستان من جهة، وبدء العد التازلي لعمر الحكومة التي دعموها، والقواعد العسكرية التي أسسوها لمراقبة جوار أفغانستان، والضغط عليه بتواجد عسكري إستراتيجي كان يخطط له أن يجد طريقة للتعايش مع طالبان بعد الإجهاز على القاعدة، ودفع طالبان إلى التبرؤ منها صراحة أو ضمنيًا.

أما بالنسبة لطالبان فقد أعطى مقتل ابن لادن خارج أفغانستان لها مزيدًا من المصداقية بأنها تقاتل في أفغانستان من أجل تحرير الشعب الأفغاني من الاحتلال، بدلًا عن الديباجة التي روجت حولها من أعدائها المحليين بأنها ضحت بالبلاد من أجل حماية القاعدة ورفض تسليم قادتها، وهو ملف آخر من الملفات الجدلية في تاريخ طالبان حول مدى تهور قيادة الحركة في قراراتها فترتها الأولى في الحكم بإيواء من اعتبرتهم شركاء في الحرب ضد السوفيت، ولم تشأ أن تتخلى عنهم بتسليمهم، ولكن كل هذه الأخطاء مسحت من تاريخ طالبان الوطني بعد مقتل ابن لادن على أرض خارج أفغانستان.

الخاسر الأكبر من لحظة مقتل ابن لادن كانت باكستان التي اتهمت من الجميع إما بتخبئته، أو بعدم معرفة ما يدور على أراضيها، أو بتسليمه للأمريكان، والسماح لهم بالقيام بعملية استعراضية لم تحترم سيادة باكستان على أجوائها، أو على الساحة الخلفية لأحد أهم قواعدها العسكرية.

بعد ذلك تعاملت إدارة أوباما مع باكستان كأنها ابنة الخطيئة التي حتى وإن لم تكن ارتكبت الذنب فهي محاسبة عليه في كل الأحوال، وهو ما بدأ العد التنازل لتغير العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد، ولكن ما لم يكن في حسبان أوباما أن الربيع العربي الذي امتد من تونس إلى مصر، وبعدهما ليبيا، وسوريا، واليمن، سيخلق حالة جديدة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، ستجعل الفوضى في أفغانستان مشهدًا ثانويًا لسنوات.

في الجزء القادم .. نشأة «داعش» وتأثيره على أفغانستان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد