“والغريب أن أكثر الحكام إذلالًا لهذا الشعب هم أكثرهم بقاءً في الحكم”.

بالرغم من أن هناك شبه إجماع على الوقائع التاريخية المختلفة إلا أن تفسير الواقعة نفسها وتحليلها يختلف باختلاف الرائي لها، فحتى المعارك الحربية التي من البديهي معرفة ماهية المنتصر فيها والمهزوم قد تختلف باختلاف شخص الناظر لها مثلا: الحرب الإيرانية العراقية فرغم مرور أكثر من ربع قرن على انتهائها إلا أننا لا نعرف بشكل يقيني من المنتصر ومن المهزوم لكن الرابح الأكيد هو أمريكا التي ثبت أنها كانت تبيع السلاح للطرفين عن طريق وسطاء مختلفين.

وهي أحداث ظاهرة للجميع، فما بالك بالإنسان نفسه وما يدور في داخله من نوايا لا يعلمها إلا الله عز وجل، وإنما نحكم عليه في أفعاله أحكاما توافق أهواءنا نحن قد يخالف أغلبها ما كان يقصده بالفعل هذا الشخص.

والمثال الصارخ لهذا الاختلاف في التفسير للفعل الواحد هو الحاكم بأمر الله الذي حار الجميع في فهمه؛ فمن ذهب إلى انتقاد كل أفعاله بينما ذهب البعض إلى محاولة تبريرها سواء المنطقي منها أو ما لا يقبل التبرير، بينما أراح الجزء الأخير عقله فنسب إليه مرض الماليخوليا، وبالتالي لا يهتم بتفسيرها على أننا سنعرض لتلك الأفعال بحياد ثم نعرض رأي المدافعين عنها ثم تعليقًا منا عليها إن تطلب الأمر ذلك، ولكن لا بد في البداية من عرض مختصر لسيرة حياته في سطور:

هو منصور أبو علي الملقب بالحاكم بأمر الله ثالث خليفة فاطمي حكم من مصر بعد ثبات ملكهم بها بعد أبيه العزيز بالله وجده المعز، تولى الحكم في سن الحادية عشر ونصف من عمره، ويقال قبل ذلك بعام كان برجوان الصقلبي هو أستاذ الدار بالنسبة له وهو الحاكم الحقيقي للبلاد بمشاركة الحسن بن عمار، وهنا يبرز دور أخته “ست الملك” والتي خططت للحاكم لكي يتخلص من سيطرة هؤلاء وعلى الأخص برجوان الذي كان يتعمد إذلال الحاكم بإهانته في أي جمع.

فمما يذكر أن الحاكم استدعى برجوان ذات مرة فجاءه هذا الأخير على فرسه واضعًا قدمه على عنق الفرس موجهًا خفه في وجه الحاكم بأمر الله بالإضافة أنه كان يلقب الحاكم بالوزغ (البرص)، ولكن الحاكم أرسل له قائلا: إن الوزغ صار تنينا كبيرا فبدأ برجوان يشعر بنذير الخطر. فكانت بداية إمساك الحاكم لمسبحة القتل التي لن يتركها أبدا” الغريب أن أكثر الحكام إذلالًا لهذا الشعب هم أكثرهم بقاءً في الحكم”.

فقد استمرت ولاية “الحاكم بأمر الله” لما يقرب من خمس وعشرين عاما قاسى فيها الشعب ليس فقط من غرابة القرار، فالزمن والاستمرارية كفيلان بجعل هذا القرار في حكم العادي، ولكن الأنكى هو إصدار القرار ثم بعد فترة قد لا تتعدى الأيام إصدار قرار نقيض له تماما فتبلبل حال الناس.

على أني أرى أن همة الناس في مصر كانت قد خبت لتوالي الدول على حكمها فارتضت بأي حاكم ما دام يوفر لهم الأمان، فمن خلافة راشدة ثم أموية ثم عباسية انبثقت منها واستقلت فعليا دولة طولونية، ثم دول إخشيدية تكللت هذه الأخيرة بحكم عبد خصي في واقعة لم تحدث أبدا من قبل في أي دولة أو ولاية إسلامية ثم نهاية بدولة فاطمية على غير عقيدتهم السنية وكللت هذه الدولة بحكم شخص أذاق الشعب الويلات بقرارات جعلت الشعب يدور حول نفسه.

والأغرب أن الحاكم كان يطوف في الأسواق بنفسه ممتطيًا حماره الأشهب المسمى “قمرًا” ومعه على الأكثر حارسين وفي بعض الأحايين وحده تماما دون أن يتعرض له أي فرد من أبناء الشعب فلا تدري هل كان عادلًا وظالمًا فيما بعد لكونه إسماعيلي المذهب أم أن الشعب خشي أن يتخلص منه فيأتي من هو أسوأ، فالشعب في هذه الفترة كان قد قنع بدور الرعية ولا يتصور أن يخرج منه من يستطيع حكمه تمامًا مثلما استعجب أهل قريش أن يبعث الله رسولا منهم وليس ملكا منزلا.

والغريب أنه أبى إلا أن يكون موته غامضًا كحياته فقد خرج في أحد الليالي لخلوته في جبل المقطم كعادته دون حراسة فنزل حماره ملطخًا بالدماء دون راكبه الذي اختفت جثته، ولم يعثر لها على أي أثر، وهو ما وافق الشيعة الإسماعيلية من حيث عقيدة الاختفاء والتستر.

ويذهب البعض إلى أن أخته ست الملك هي قاتلته بالتعاون مع الحسين بن الدواس، وذلك بسبب طعنه الدائم في شرفها واتهامه لها بتناوب العشاق عليها وهددها أخيرا بإرسال القوابل (الدايات) لها لاستبرائها (عمل كشف عذرية لها) رغم أنها في هذه الفترة كانت قد تجاوزت الخمسين، ويذهب البعض الآخر إلى أنها بريئة من دمه دون تحديد ماهية القاتل. وقبل الإبحار في غرائب أفعاله نورد هذه القصة الغريبة.

العبد مسعود (آلة العقاب اللواطي)

ظن النخاس مالك العبد مسعود أنه ملك بضاعة بائرة لدرجة أنه لم يبذل أي مجهود ليسترجعه عندما هرب هذا العبد منه فمن ذا الذي يشتري هذا العبد المخيف بسواده القاتم وضخامة جسمه المذهلة.

تصادف مرور بعض الجنود القناصة في أحد الأماكن الخلاء قرب القاهرة فرأوا هذا العملاق وبذلوا جهدًا كبيرًا حتى قبضوا عليه فالأسهم يبدو أنها لا تؤثر فيه، ولكن في النهاية تغلبوا عليه وساقوه عاريًا من الملابس إلى أحد المباني داخل العاصمة فبلغ اندهاش الناس مبلغه من ضخامة جسده خاصة آلته الجنسية وظلت مثار تندر الناس لأيام حتى وصلت أخباره إلى مجلس الحاكم بأمر الله فطلب رؤيته وسريعًا أجزل لنخاسه العطاء، وأرسل العبد إلى البيمارستان (المستشفى) ليتم العناية به وتغذيته.

وخرج به الحاكم في الأسواق فكان من يُضبط بغش أو احتكار لبضاعة ما أو يُخسر في الميزان، يمارس معه مسعود هذا فعل اللواط المحرم أمام محل هذا التاجر ويجبر الناس على المشاهدة لتكتمل فضيحته والعجيب بل لعله العادي هو انضباط أسعار السلع وتوافرها نتيجة تكرار مسعود هذا الفعل لأكثر من مرة، وتأكد الناس أنه ليس مجرد تهديد لهم.

ونبدأ بسرد غرائب الحاكم بأمر الله وتبرير البعض لجانب منها:

1)     منع صلاة التراويح والتهجد في رمضان بالإضافة إلى صلاة الضحى.

في الحقيقة تم هذا المنع قبل تبوؤ الحاكم سدة الحكم ولكنها أعيدت في عهده بقوة. أما حجتهم في منع صلاة التراويح والتهجد هو أنه لا جماعة إلا في الفروض.

وأرد بدوري ماذا عن صلاة الجنازة فهي ليست بصلاة فرض وتصلى جماعة؟

أما عن صلاة التهجد فقد قبض على 13 فردًا من المذهب المالكي كانوا يصلون الضحى، وضربوا وتم الطواف بهم في المدينة والتشهير بهم، واستمر هذا المنع لأربع سنوات قبل أن يتم إقرار كل هذه الصلوات مرة أخرى.

2)     سب الصحابة الكبار وكتابة هذه السبابات على أبواب البيوت والمساجد.

في عام 395 هجريا أمر الحاكم بأمر الله بسب السلف والصحابة كعمر وعثمان وأبو بكر وعائشة ومعاوية رضوان الله عليهم، وكتابة هذه المسبة على أبواب البيوت والمدافن والمساجد ولا سيما جامع عمرو، ولكن الشعب ضج بهذا فتم إلغاء هذا المرسوم بعدها بعامين وتم محو السبابات من على الأبواب وهذا مذكور في الخطط المقريزية، وأيضًا اتعاظ الحنفا للمقريزي.

3)     منع النساء من الخروج من بيوتهن لسبع سنوات كاملة.

بدأ هذا الأمر بالتدريج وانصب على الأشياء المكروهة كمنعهن من لطم الخدود في الجنائز والعويل على الملأ ومنع زيارة القبور في الأعياد. ثم تطورت الأمور لمنع النساء من الخروج من بيوتهن بعد العشاء ثم بلغ الأمر مداه بالمنع الكامل من خروج النساء من بيوتهن إلا للانتقال بالطبع إلى بيت الزوجية ووصل الأمر إلى منعهن من مجرد التطلع من النوافذ أو الأبواب ومعاقبة الإسكافي الذي يُضبط وهو يصنع خفًّا نسائيًّا أو أي صاحب حمام يفتح لهن حمامه، ثم تم استثناء خروج القوابل والمغسلات والأرامل اللائي لا عائل لهن واستمر هذا القرار دون رجعة في آخر سبع سنوات من حكم الحاكم.

تبرير: يذهب البعض إلى أن في فترة منع النساء أغلقت بيوت الفسق لعدم وجود النساء التي تجذب الرجال. أقسم بعض المؤرخين أنه بعد ذبح نعاج وجدوا في بعضها حملًا يحمل وجه إنسان!

ويقول الحاكم نفسه كيف تتهمونني باحتقار النساء ودولتنا منسوب اسمها للسيدة (فاطمة الزهراء).

4)     هدم كنيسة القيامة وهدم جامع عمرو بن العاص بالإسكندرية
وهنا تجد المدافعين عن الحاكم بأمر الله لا يوردون هذين الحدثين رغم شهرتهما وأظن أنهم لم يوردوه لأنهم لن يجدوا مبررًا لهذه الأفعال.

5)     إجبار غير المسلمين على لبس السواد

أجبر الحاكم بأمر الله في بعض فترات حكمه غير المسلمين بلبس السواد ويذهب بعض المؤرخين أنه اختار اللون الأسود تنكيلًا بالعباسيين الذي كان الأسود لونهم سواء في الرايات أو العمامات.

6)     النوم بالنهار والعمل بالليل

من أغرب ما قام به الحاكم بأمر الله، بل ساعد هذا الفعل على تصديق الناس لأي أمر غريب منسوب إليه بعد ذلك. ولكن الأغرب أن يأتي الفعل الغريب بنتيجة حسنة؛ فبسبب هذا الفعل الشاذ قلت السرقات إلى حد كبير فاللص يتستر بالظلام في الغالب لكي يسرق فعمل الناس واستيقاظهم وتنقلاتهم ليلا منع اللصوص من السرقة. وانتشار ضوء الشمس ودوريات العسكر وإن قلوا كان من شأنه كشف أقل حركة لتنقلات اللصوص في الشوارع نهارًا.

نستكمل في الجزء القادم غرائب أخرى للحاكم وتحريمه لركنين من أركان الإسلام لبعض الوقت وتناقضات أخرى قام بها ومحاولة بعض المؤرخين تفسير تلك التناقضات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد