تناولنا في الجزء الأول نشأة الحاكم بأمر الله وكيف وصل للحكم وسطرنا نتفًا من غرائبه وفقًا لرؤيتنا كأهل سنة, فهي بالنسبة لنا غامضة وغير مفهومة أضف إلى ذلك أنه كان يأتي الفعل وبمنتهى القوة ثم يأتي بنقيض هذا الفعل بمنتهى القوة أيضًا، فأنت من جهتك ترى أن هذا الانتقال من النقيض للنقيض يدل على خطأ وشذوذ تلك الأفعال.

ولكن نفس هذا الانتقال قد يراه غيرك من مؤيدي الحاكم ومبرري أفعاله أنه محسوب له وفي صالحه تمامًا بدعوى أن تغيير قراراته ما هو إلا نزول واستجابة لرأي الرعية عندما يرفضون قرارًا ما، ومن هذه القرارات التي تراجع عنها الحاكم بأمر الله اضطهاد أهل الكتاب, فقد تحول فيما بعد إلى تسامح وود, أيضًا سب صحابة رسول الله وكتابة تلك المسبات على أبواب المساجد وبالأخص جامع عمرو بن العاص مركز الدعوة السنية آنذاك وكذلك على أبواب المقابر والبيوت والتشهير بمن يجاهر بحبهم وإهانته, ثم عاد في هذا القرار بعد ضجر الشعب منه وتمت إزالة كل هذه المسبات, بل يبالغ بعض المؤرخين إلى تخطيط الحاكم بأمر الله إلى نقل قبر الرسول عليه الصلاة والسلام مع صاحبيه أبو بكر وعمر رضوان الله عليهم في موقع بين القاهرة والفسطاط ولكن لا يوجد تأكيد على ذلك من المؤرخين الثقات.

وهو ما يجعل بعض مؤيديه يصفونه بأنه أول ديموقراطي في تاريخ المشرق العربي فتم تحويل الديكتاتور الأشهر في التاريخ العربي والشرق إلى ديموقراطي لامع.

وهذا يبرز لنا جانبًا هامًّا من التاريخ فعندما يستقر في وجدانك محبة شخصية ما وتقديرها يأتي لك من يبرز عيوبها ويعرض إنجازاته ومحاسنه كاستثناء، أو العكس فقد يبرز ويجمل قرارت مستبد ما ويتفه من سلبياته ويقلل من أهميتها وتأثيرها فيزول كل أثر من كره.

ولعلي اهتديت إلى استنتاج وهو:

“الطريقة المثلى لتشويه أي شخصية تاريخية كانت أو دينية.. فقط قيم أفعالها وفقًا لأي زمن غير زمنها وقتها ستجد المجاهد سفاحًا والمصلح ديكتاتورًا”.

فلنستكمل غرائب الحاكم بأمر الله:

7 ) إلغاء ركني الزكاة والحج:

الحج: ألغى الحاكم بأمر الله ركن الحج لبعض الفترات ويذهب منتقدو الحاكم إلى أن السبب في هذا القرار هو خوفه من خروج الناس بغرض الحج وعدم عودتهم مرة أخرى لمصر, بينما يرجع مؤيدوه السبب في منع الحج للاضطراب السائد في طرق الحج في تلك الفترات.
الزكاة: أسقط الحاكم بأمر الله ركن الزكاة ولكن هل لهذا تفسير؟

التفسير هنا جاء على لسان الحاكم نفسه فهو يتهم الأغنياء بأنهم بأدائهم الزكاة قد عصموا أنفسهم من عوز الفقير وأبرأوا ذمتهم وأصبحت الدولة لا يد لها عليهم وأنه بإسقاطه ركن الزكاة سمح لنفسه أن يتدخل ليأخذ منهم ما يريد ليكفي به عوز الفقراء.

8) قتل الكلاب والقطط:

باستثناء كلاب الحراسة كان الحاكم على فترات تثور ثائرته فيتم التخلص من كل الكلاب والقطط الموجودة بالشوارع, ويقال إن السبب خصوصًا فيما يخص الكلاب أنه في أثناء تجواله على حماره هجم عليه أحد كلاب الشوارع فأذاه, ويقال إن نباحها كان يزعجه في خلواته, ولكن للحاكم تفسيرًا آخر وهو كرهه للخنوع والخضوع ممثلة في الكلاب التي لا تغدر ولا تثور أبدًا على صاحبها. ولكن مؤيدي الحاكم بأمر الله يزايدون عليه في السبب ويذهبون إلى ما لم يذهب الحاكم نفسه إليه فيقولون إن قتله القطط والكلاب كان بسبب نقلها للأوبئة المعدية.

9) منع الناس من الاجتماع في الصحراء

10) صلاة الظهر في السابعة ليلًا والعصر في التاسعة!!

في محرم من العام 395 هجريًّا قرر الحاكم بأمر الله أن يؤذن لصلاة الظهر في السابعة والعصر في التاسعة دون إشارة في المصدر إذا كانت السابعة والتاسعة ليلًا أو نهارًا, ولكنك بقليل من الاجتهاد تدرك أن الصلاتين في الليل لأن هذا القرار كان متزامنًا مع منع الناس من الخروج نهارًا والعمل بالليل.. فكيف كانوا سيذهبون إلى الصلاة نهارًا مع قرار المنع؟!

11) منع ذبح الأبقار:

أصدر الحاكم قرار بمنع ذبح الأبقار إلا المريض منها أو في عيد الأضحى، ويذهب مؤيدوه إلى أن هذا القرار ساهم بشكل كبير في الحفاظ على نمو الثروة الحيوانية، ومن ثم الزراعية.

12) منع بعض المأكولات:

يعد هذا الأمر هو سبب شهرة الحاكم في التاريخ بعد تبديل العمل بالليل بدلًا من النهار, فقد منع رعيته من تناول بعض الأطعمة بعضها ذُكرت أسبابه, وبعضها غير مبرر وأشهرهم:

1 – الملوخية (الملوكية):

يرى البعض أن تحريم الحاكم لها جاء لأنها كانت الغذاء المفضل “لمعاوية بن أبي سفيان” رضي الله عنه وكان يكثر منها ومعروف أن معاوية كان من أعدى أعداء الشيعة باختلاف مذاهبهم، بينما يذهب البعض الآخر إلى أن السبب في منعها هو أضرارها الغذائية فهي تسبب الكسل والقعود عن العمل.
وهذا الاتجاه الأخير فيه مزايدة ومبالغة لا تخطئها العين, فهذا الذي اكتشف تأثير نوع معين من الغذاء جدير بأن يقام له نصب تذكاري في مجال التغذية والصحة.

2 – الجرجير:

يقال إنه منعه لاكتشافه أنه محفز جنسي بمعنى أن تناوله يجعل الناس تستكثر من الجماع وهذا أيضًا له تأثير سلبي على الإنتاج والعمل, ونحيل هذا الجزء إلى ما ذكرناه في فقرة الملوخية. بينما يذهب البعض الآخر إلى أن سبب منعه الجرجير يرجع إلى ما روي عن اهتمام السيدة عائشة به (وهي من هي في نظر الشيعة) فكان هذا كفيلًا بمنعه.

3 – المتوكلية:

تم منعها لأنه يتضح من اسمها أنها منسوبة للخليفة العباسي السني المتوكل, وكان عهده من أكثر العهود التي اضطهد فيها الشيعة.

4 – الترمــــس:

غير معروف سبب المنع.

5 – العنـــــب:

تم منعه تجنبًا لصنع الخمور منه, وكان الأجدر به أن ينتظر فإذا تم تخميره يعاقب من قام بذلك بدلًا من أن يمنع فاكهة حلال, بالإضافة إلى أن هناك فواكه وأغذية أخرى قد تصنع منها الخمور ولكنه لم يمنعها.

6 – السمك الذي لا قشر له:

يقال إنه منعه لأنه كان حامل للأمراض (الميكروبات).

نماذج من تحايل الناس على قرارات الحاكم:

 

يمتاز المصريون بأنهم إذا فشلوا في خلع حاكم أو إجباره على تغيير قراراته تحايلوا على مخالفة تلك القرارات كالآتي:

المثال الأول:

بعد صدور قرار إجبار الرعية على العمل ليلًا والنوم نهارًا وافق ذلك مرور الحاكم نهارًا لمراقبة تنفيذ القرار فوجد نجارًا يعمل فسأله لماذا خالفت قراره؟ فرد النجار في سرعة بديهة: “كنا قبل هذا القرار نعمل نهارًا ونسهر ليلًا لننجز ما تبقى من العمل وأنا لم أخالف قرارك, فقد عملت بالفعل ليلًا وأنا الآن أسهر نهارًا لإنهاء ما تبقى من العمل في وقت العمل الأصلي”.. فتبسم الحاكم وأمره ألا يعود إليها ثانية.

المثال الثاني:

وصل لعلم الحاكم أن أحد الرعية تناول الملوخية فاستدعاه لمحاكمته وسأله عن سبب مخالفته القرار فأجاب الرجل: “يا أمير المؤمنين لقد منعتم الملوخية لأن “ابن هند” ويقصد هنا معاوية بن أبي سفيان كان يستكثر من تناولها وكان يمنعها على العامة وأنا بأكلي لها وأنا أحد العامة قد نكلت بقراره وخالفت أمره وتحديت مشيئته”. فتبسم الحاكم وأخبره ألا يعود لمثلها.

بعد كل هذا هل للحاكم بأمر الله الذي ارتبط اسمه بالاستبداد وغرائب القرارات، فضائل ومميزات؟

والإجابة نعم، وهذه الصفات والمميزات اتفق رأي أغلب أهل السنة ونختم المقال بتفسير ظهور تلك المميزات:

تعففه عن أموال الرعية (الفقراء) فلم نسمع عن مصادرته إلا أموال وزرائه والأغنياء من رعيته والمحتكرين والغشاشين من التجار. تقشفه في بيته وفي حياته, والمؤرخون هنا يقارنون بينه وبين أبيه وجده العزيز والمعز فكانت المقارنة لصالحه تمامًا, فكان يسير بين الناس دون مواكب كسابقيه أو لاحقيه من الملوك والخلفاء مكتفيًا بحمار أشهب يسميه قمر.

إنشاؤه دار الحكمة الذي ضم حوالي مليون وستمائة ألف كتاب ومخطوطة, وكان يشتري الكتب بأغلى الأثمان ليقطع الطريق على مكتبة بيت الحكمة في بغداد ومن خلفها الدولة العباسية منافسته اللدودة.

قام الحاكم بإحصاء المساجد التي لا نفقة لها ووصل عددها إلى 830 مسجدًا وخصص لها عطية سنوية منتظمة وكان ذلك في عام 403 من الهجرة.
أرسل الحاكم إلى جامع عمرو بن العاص أكثر من 2390 مصحفًا.

أوقف الحاكم عوائد بعض الضياع والأملاك لتصرف على الفقهاء والمؤذنين ولا يخبرنا المؤرخون هنا عما إذا كانت تخصص للفقهاء الشيعة فقط, أم على الفقهاء كلهم بشكل عام.

 

ألغى الحاكم بأمر الله تحصيل المكوس وكان ذلك في عام 398 هجريًّا، والمكوس هي ما نسميه الجمارك اليوم.

 

عدم تعاطيه الخمور، ويقال إنه لم يذقها قط إلا بغرض العلاج.

 

استلامه رقاع المظالم من الرعية بنفسه وتخصيصه يومًا في الأسبوع يجلس ويفصل في مظالم الرعية بنفسه.

تعليق على مزاياه:

ونختصر هذا التعليق في نقطتين:

1 – إذا تتبعنا مزاياه وركزنا فيها سنلاحظ أن أغلبها متعلق بالمال كإلغائه المكوس وزهده في معيشته ومواكبه وإنفاقه على المساجد والفقهاء وتجنبه فرض الضرائب على فقراء الرعية, وهو ما يؤكد ما ذهب إليه جمهور المؤرخين أنه كان زاهدًا في المال, فلكل حاكم شهوة أو شهوات تحدد علاقته بشعبه لم تكن شهوة المال من ضمن شهوات الحاكم فخففت كثيرًا من قراراته الغريبة والمتناقضة.

2 – كل هذه المزايا المذكورة سابقًا لا تساوي إسقاطه لركنين من أركان الإسلام كالزكاة والحج فمن ناحية الزكاة بدلًا من استسهال إلغائها كان من الممكن الإبقاء على المكوس التي تحصل فقط من كبار التجار وإنفاقها على الفقراء، وبالتالي كان هذا الحل سيوفي بالمراد من إلغاء الزكاة بتقليل الفروق بين الأغنياء والفقراء.

أما في حالة الحج فبدلًا من منعه على الرعية لبعض الوقت كان من الممكن أن يؤمن الطريق للحجاج فهو كان يسيطر على كل تلك المناطق من مصر إلى الحجاز، أو على الأقل يترك الحرية لمن يريد الذهاب دون أن يحمل نفسه ذنب منع من أراد أن يؤدي ركنًا من أركان الإسلام.

ولا تعادل مزاياه أيضًا منعه لنص صريح صالح لكل زمان ومكان وهو “وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)”.

خاتمــــــة:

لن يهدأ عقلك ولن تجد إجابة على تناقضات البشر إلا إذا وضعتهم في خانة البشر فهم يخطئون ويصيبون, أما إذا أصررت على تصنفيهم إلى أبيض وأسود فستجن بكل تأكيد لأنك لن تجد مثلًا تفسير لأفعال شخص قضى حياته في أذى الناس وظلمهم ثم تجده يقوم بعمل خير من شأنه أن تعم الفائدة على الناس أو العكس، وستجد نفسك تتجه لوضع مبررات ساذجة ومضحكة لا تكاد تقنع بها نفسك.

فالإنسان تركيبة معقدة للغاية بين مكونات الخير والشر يغلب هذا فيظهر جانبه الشرير ويغلب ذاك فيظهر جانبه الخير، وهو قد يفعل الخير ليس لأنه خير أو فيه منفعة للناس ولكن لأنه يلاقي هوى ما في نفسه وقد يفعل الشر لنفس السبب.

 
ويتضح رأينا وبشدة إذا طبقناه في مجال الحكم, فهناك من الحكام من يختلف تقييمه وبشدة فتجده عفيف اليد وشريف ولكنه كان ظالمًا أنانيًّا، والتفسير هنا هو زهده في المال وتركز شهوته في التحكم في أكبر عدد من الناس فيفقر ويذل هذا ويرفع من قدر هذا, وهناك من الحكام من يترك السلطة كلها في يد من حوله ويكتفي باكتناز المال, وهناك من الحكام من تجتمع فيه كل شهوات الإنسان شهوة المال واكتنازه مع شهوة التسلط على شعبه فيكون وبالًا على الشعب الذي يعيش تحت حكمه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد