اهتم المسلمون الأوائل في السيرة النبوية اهتمامًا كبيرًا، حيث كانوا يحفظونها عن ظهر قلب، ويعلمون أبناءهم حياة النبي –صلى الله عليه وسلم- وآثاره وغزواته، وقد كان علي بن الحسين- رضي الله عنه-ـ يقول: كنا نُعلَّم مغازي النبي -صلى الله عليه وسلم- كما نعلم السورة من القرآن، وكان الزهري يقول: علم المغازي والسرايا علم الدنيا والآخرة، وكان إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- يقول : كان أبي يعلمنا المغازي ويعدها علينا، ويقول: يا بني هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوها.

وقد أنتج ذلك ثروة كبيرة من المؤلفات في السيرة النبوية، وزوجاته وغزواته، وصفاته وأخلاقه، وشمائله وفضائله، وحتى في صفات نعله وخادمه وفرسه، مما يدل على مدى حب المسلمين لنبيهم واهتمامهم بالنبي القدوة وتدوين كل ما يخص ذلك النبي الخاتم، وقد وضع العالم الفلكي “مايكل هارت” النبي محمدًا –صلى الله عليه وسلم- أول العظماء في كتابه الخالدون مائة.

كيف لا؟ وأقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله تُعد المصدر الثاني من مصادر التشريع، فحياته مفسرة للقرآن الكريم وتعتبر تطبيقًا عمليًا لأحكام الإسلام ونصوص القرآن وبيان سبب نزول تلك الآيات، ولذلك اهتم المحدِّثون بتدوين السيرة النبوية في كتب الحديث، كالفضائل والصفات والمغازي وغيرها، قبل أن تُفرد بالتأليف في كتب مستقلة، لكن ظلت تلك السيرة في كتاب الجهاد والمغازي، وهي الإشكالية التي نسلط الضوء عليها.

وقد انفصل التدوين في السير والمغازي في النصف الثاني من القرن الهجري الأول عن تدوين الحديث في مؤلفات مستقلة، لكنها ظلت تأخذ قواعد الحديث في التوثيق والضبط للروايات والأخبار، حيث جاء التأليف في السيرة بعد مرحلة تدوين الحديث الشريف، وكان أول من كتب في السيرة هو عروة بن الزبير-ـ رضي الله عنه-ـ المُتَوَّفَّى ( 92 هـ)، ثم وهب بن منبه المتوفى (110 هـ)، ثم شرحبيل بن سعد المتوفى ( 123 هـ)، ثم ابن شهاب الزهري المتوفى ( 124 هـ)، وهي التي تشكل الطبقة الأولى.

وفي الطبقة الثانية محمد ابن إسحاق المتوفَّى ( 152 هـ)، وقد اتفق الباحثون على أن ما كتبه محمد بن إسحاق يُعدّ من أوثق ما كُتِبَ في السيرة النبوية في ذلك العهد، ثم جاء بعده محمد بن عمر الواقدي (المتوفى: 207هـ) في كتابه الشهير المغازي، وبعد ذلك محمد بن عبدالملك المعروف بابن هشام المُتوفَّى ( 213 هـ)، صاحب أشهر كتاب في السيرة النبوية المعروف بين الناس بـسيرة ابن هشام، وهو الذي لخّص وهذّب كتاب ابن إسحاق في السير والمغازي.

وفي الطبقة الثالثة كتب المؤلفون كتبًا مستقلة في السيرة النبوية مثل ابن القيم (المتوفى: 751هـ) في زاد المعاد، وابن كثير (المتوفى: 774هـ) في السيرة النبوية، والمقريزي (المتوفى: 845هـ) في إمتاع الأسماع، وغيرهم في كتب التاريخ كابن الأثير والطبري.

وقد اختلفت مناهج المؤلفين في تدوين السيرة النبوية، ولم يلتزموا منهجًا واحدًا في التأليف؛ فمنهم من اهتم بالشمائل المحمدية كالترمذي، ومنهم من اهتم بالسرد التاريخي للسيرة كابن كثير والطبري من القدماء، ومن المعاصرين أبرزهم أكرم العمري وعماد الدين خليل، ومنهم من انتهج المنهج التحليلي فيقتبس الدروس والعبر من أحداث السيرة، كابن القيم من القدماء في زاد المعاد، والصلابي من المعاصرين في السيرة النبوية، فيربط الأحداث بالواقع ويستلم العظات والفوائد والأحكام، وهو منهج فريد في نوعه، ومنهم من انتهج المنهج الموضوعي، كأن يتناول موضوعًا واحدًا يجعله في مكان واحد في الكتاب، كأن يأخذ الجانب التربوي في حياة النبي –صلى الله عليه وسلم- أو الجانب العسكري أو الجانب الاجتماعي، ومن أمثلة ذلك الشمائل للترمذي، والشفا للقاضي عياض، والخصائص الكبرى للسيوطي، وفقه السيرة للغزالي ومثله البوطي، والمنهج الحركي والتربوي للغضبان.

وقد درج أغلب من ألّف تحت عنوان السيرة النبوية وأراد التصنيف فيها على منوال واحد وطريقة واحدة، حيث اهتم أولئك المؤلفون بالأحداث البارزة التي تجتذب المؤرخين ويهتم بها الكُتّاب كالغزوات والمعارك، فوضع المحدِّثون –كما رأينا- السيرة النبوية في كتابي الجهاد والمغازي، حيث اهتموا بضبط سنوات تلك الغزوات ووصفها ومعرفة تفاصيلها، ناسين أنهم يكتبون في سيرة خير البشر وسيد الأولين والآخرين، وأنهم يؤلفون سيرة حياته وليست تاريخًا للمعارك والغزوات التي وقعت في العهد النبوي.. حيث غفلوا عن جانب كبير من حياة النبي -صلي الله عليه وسلم- الاجتماعية والأُسرية والإنسانية والتعليمية والتربوية والإعلامية وغيرها.

واقتصرت كتب السيرة على مجموعة من الغزوات والأحداث الجهادية التي سبقت أو رافقت أو جاءت بعدها، وما ارتبط بها من معاهدات صلح وأسر وفداء، وهذا اجتزاء ظالم للسيرة النبوية، فلو تصفّحت أي مؤلَّف من مؤلفات السيرة؛ حتى الحديثة منها، لوجدت أن الفهرس هو عبارة عن غزوات وأحداث مرافقة لها.

وقد انتبه لهذه الإشكالية بعض المفكرين الإسلاميين في هذا العصر، فأضاءوا جوانب مهمة في حياة آخر الأنبياء وقدوة الأصفياء، كالجوانب الإنسانية والتربوية وغيرها، مثل: خالد محمد خالد في إنسانية محمد، ومنير الغضبان في المنهج التربوي، لكنها جهود تبقى منقوصة، لإزالة ما علق في أذهان الأجيال من أن السيرة النبوية مقتصرة على حادثة شق الصدر والإسراء والمعراج وغزوة بدر وغزوة وأُحد وفتح مكة… إلخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد