هناك بضع كتابات لنصر أبو زيد ربما لا تحظى بالاهتمام الكبير في تناوله و رسم صورة متكاملة عن أفكاره، فهذا الاهتمام غالبا ما ينصرف إلى كتب مثل “مفهوم النص” و كتاب “النص السلطة الحقيقة” و كتابه عن الشافعي و “نقد الخطاب الديني”، من هذه الكتابات الغائبة عن الاهتمام في تكوين رؤية متكاملة عن نصر دراسة صغيرة نشرها عام 1986 في مجلة جامعة أوساكا للدراسات الأجنبية باليابان عن السيرة النبوية كسيرة شعبية.

أحد الأسباب الهامة التي تجعل هذا الربط بين كتابات نصر أبوزيد و طرحها كدوائر تتسع حول مركزِ فكرتِه عن التاريخية غائبًا، هو حصر فكرة التاريخية في تاريخية القرآن فقط، إن لم يكن حصرها حتى في جزء من القرآن و هو الجزء الخاص بالتشريعات، و هذا كما نحاول الإلحاح دوما هو إفقار لهذه الفكرة و قتل لرهانتها الكثيرة، هذا الإفقار يتم عن طريق حصر الفكرة في حل بعض أسئلة النهضة عن تغير الواقع الاجتماعي و كيفية إدارة العلاقة بين هذا التغير الدائم و بين نصوص قطعية الثبوت والدلالة عن تشريعات آلهية، في حين فكرة التاريخية في شكل أوسع هي تجاوز حقيقي لصيغة السؤال حول تغير الواقع وعلاقته بالنصوص الأصلية حيث هي تجاوز لفكرة الأصل من الأساس، و قراءتها من هذه الزاوية يجعلها منطلقًا جيدًا جدا لإعادة طرح تساؤلات النهضة و البحث عن مداخل جديدة لمقاربة مشكلاته الكبرى و خصوصا معضلة الاستبداد و معضلة المرجعية و في قلبها الدين.

في كتابه عن سلامة موسى يتحدث كمال عبد اللطيف عن كون خطاب النهضة بشقيه يتحرك انطلاقا من مسلمة وجود أصل ثابت قد يكون هو القرآن تارة مع الفكر الإصلاحي أو الفكر الغربي تارة أخرى مع الفكر العلماني، لكنه في النهاية يحرك مجموعة من الآليات في التعامل مع الفكر و الواقع متعضونة تماما مع فكرة الأصل، و نستطيع أن نقول أن فكرة الأصل المفارق الجاهز الأزلي الثابت المطلوب تحريك الواقع في اتجاهه و انطلاقا منه و بدءًا به لم تتعرض للاهتزاز إلا داخل خطاب نصر أبو زيد، هذا فقط لو نظرنا للتاريخية بكونها ليست حديثًا عن القرآن بل عن أي أمثَلة لفكر ما و نزعه عن سياقاته التاريخية الواقعية التي تشكَّل فيها و تحويله لسلطة تتحكم في العقل و توجهه عبر ترسانة من النهايات و الإجابات الجاهزة.

في هذا الإطار نحن نتفق تماما مع النقد الذي وجهه علي حرب لنصر أبوزيد حين اعتبر أن نصر أيضا يهدر استقلال النص القرآني و التعامل معه كنص له عالمه -لو استعرنا من جادامر- تماما كالفكر السلفي، لكن بينما يهدر هذا الفكر الأخير عالم النص لمصلحة صفات الله الأزلية أو لصالح المتكلم صاحب الرسالة، فإن نصر يهدره لمصلحة الواقع و لمصلحة المرسل إليه، هي ملاحظة شديدة النباهة بالفعل، لكن الغريب أن هذا الإهدار نفسه هو ما يعطي لفكرة نصر أهميتها! حيث أهم ما في فكرة نصر أنها تعطي للواقع و الزمني و المتغير أولوية تحوِّل كل أطلقة لفكرة ما أو لنص ما لمجرد جدار تتخفى وراءه سلطة تريد الإيهام بدفاعها عن ثبات متخيل ما يؤهلها لبناء أسوار الضبط حول كل بداءة و تلقائية، لا تقف هذه الأسوار عند حد تسوير المجال السياسي لضبطه عبر مركزة السلطة في يد من يستمد شرعية من خارج المجتمع بل تتسع لتصادر الدين و الثقافة و الفن عبر أسوار الدين الحق و الثقافة العليا و الفن الرفيع.

 

من ضمن تلك المجالات التي ظهر فيها مدى فعالية فكرة التاريخية هو تعامل نصر مع السيرة و الذي ضمنه الدراسة المشار إليها بالأعلى عن السيرة النبوية كسيرة شعبية، فنحن نستطيع الجزم بكون هذا التعامل غير ممكن إلا بوجود فكرة التاريخية بالأساس، و لعل في هذه الملاحظة التي يذكرها في رسالته للدكتوراة بسام الجمل من كون أحد أسباب نشأة المغازي و السير هو غلق القرآن عبر جمعه ثم مصادرته كمصدر للمعرفة الحقة عبر ترسانات الفقه و الكلام و تهميش التوتر داخله – و هو توتر أساسي و غير قابل للإلغاء فكل نص ديني لابد أن تدخله “المتناقضات” كما يقول جعيط – ما يؤكد كلامنا، فهذا الجمع هو الذي أنهى تماما التعامل الحي مع النص، لم يعد القرآن هو كتاب حي كما كان يقول نصر بل تم قتل هذه الحيوية حين تحول النص لكتاب أزلي مكتوب في لوح محفوظ قبل خلق العالم و حين تم تحويل النبي من إنسان يحيا أهوال علاقة مع المطلق تحبس الأنفاس و تهز الكون هزا “إذا السماء انشقت” “والنجم إذا هوى” لرجل ينتظر مقطوعات مدونة سلفا لينطق بها، و هو قتل لم يستطع التراث نسيانه كما لم يستطع ذكره، فعوض عنه قصة قتل أخرى للخليفة عثمان كما يقول يوسف الصديق، نهايتها شديدة الدرامية بسيلان دم الخليفة فوق النص المجموع ذاته!

تتوافق تماما نظرة نصر عن كون القرآن قد انحاز مثل شعر الصعاليك للمهمشين من عبيد و رعاع -و المرأة كذلك- مع نظرة شريعتي التي تقسم الدين لدينين دين للناس ضد دين للأمراء، فشريعتي يعتبر أن الإسلام هو دين الرعاع الذي طالما قدم نقوده للملأ و للمترفين، بل إنه اعتبر الشرك رديفَ نظرة للمجتمع تهمش الفقراء و ترسم السماء طبقات للآلهة كما الأرض، انطلاقا من هذه النظرة و من كون ما قد حدث هو أن الدين تحول بعد هذا لدين للأمراء مع تقلد بني أمية الحكم، فإن فترة عثمان/علي يمكن قراتها كصراع بين الرعاع و الأمراء، و يمكن أيضا تكوين فهم رمزي لكلمة علي “هذا قرآن لا ينطق و إنما ينطق بها الرجال” التي عارض بها محاولة معكسر معاوية التحكيم باعتبارها محاولة لاستعادة أحقية الرعاع في تقديم فهمهم للقرآن حيث كان التحكيم نفسه محاولة رمزية لامتلاك السلطة معنى محددًا للنص استفادة من واقعة جامعه و إغلاقه في وجه الرعاع، يشير يوسف الصديق لكون كثير من معارضي سياسة عثمان وقفوا ضد الجمع، منهم ابن مسعود أو ابن السوداء الذي شخط فيه ابن الحكم عشية تأمير عثمان: مالك و تأمير قريش لأمرها!

و عبر اختراق هذا السور المصنوع حول القرآن و الذي يعزل القرآن عن الرعاع و الصعاليك الذين لم يجدوا لتحيين تجربة النبي محمد إلا ابتداع السير و المغازي التي لم تكن مجرد تأكيد لنمط تدين مخالف لهذا المحتكر من قبل الخلافة بل كانت أيضا استيعابًا شديد الأناقة لقصة النبي داخل إبداعات الجماعة الشعبية من ملاحم و سير، فكان تحول النبي لبطل شعبي مقاومة و لو رمزية لسجن النبي في تعريفات تحوله لمحض وعاء للوحي، و لمقاومة عزل الملاقاة المتوترة مع الله المليئة بمشاعر الرهبة و الجذب كما يقول أوتو خلف تدين شديد التأدب حد الجفاف، عبر هذا الاختراق يستطيع نصر لا فقط إعادة الحياة للقرآن بل يستطيع إعادة الحياة للبداءة و التلقائية و إبداع المهمشين و تدينهم – و هو ما يختلف به نصر عن أعلام النهضة في إدانتهم الدين الشعبي و كذلك الفن الشعبي- ، و هذا ما يؤكد أن فكرة التاريخية حتى عبر اشتغالها داخل نطاق القرآن ليست فكرة عن القرآن فحسب بل عن الدين و عن السياسة و عن الفن ، بل إنها استطاعت بسبب هذا الثراء فيها أن تعطي لمقولة “القرآن كتاب ينطق به الرجال” أبعادًا أكبر، فلم تعد هي أيضا مقولة عن القرآن فحسب، بل أصبحت صرخة اعتراض على محترفي قتل الحياة و بناء الأسوار من أهل السلطان و البيان!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد