«كنت وحدي بجانب جثمان بوجميع، وهو ممدد أمامي، أنتظر مجيء لفقيه لغسل جثمانه.. نظرت إليه طويلًا وشريط الذكريات منار بعقلي، وفجأة قلت:
– أهكذا يا بوجميع؟
في تلك اللحظة انطفأ المصبح الكهربائي، وأنير بسرعة». *(العربي باطما – الرحيل)

باب عتبات الذاكرة

اليوم تكون قد مرت أكثر من 45 سنة على رحيل بوجميع، الفنان الاستثنائي الذي طبع، روحًا وجسدًا، جيلًا بأكمله. وبالرغم من عمره الفني القصير مع ناس الغيوان، فقد كان بمثابة الدينامو الذي ما عاش إلا ليحفر الأساس الفني للمجموعة، لدرجة استحالة الفصل بين الغيوان/ المجموعة وبوجميع/ الفرد، أو تصور قدر آخر للأولى دون الثاني، بل إن هناك من يجزم بأن مجموعة ناس الغيوان كانت هي الفرد/ بوجميع وأنها ولدت معه وماتت بموته.

كغيواني عاش بوجميع أربع سنوات فقط.. أربع سنوات من الحنينية الرومانسية والشاعرية الصوفية والعنف الصاخب، ولما مات تحول إلى قديس وفتح باب الموت أمام المجموعة.

والآن هنا، قد يجعل الموت بيننا وبينه مسافات ضوئية لن تطوى أبدًا، ولكنه مع ذلك سيظل وسيبقى إلى الأبد ذاك الشاهد الغائب على أحلام وإحباط جيل بأكمله.. فما زال بصوت بوجميع الرقيق بحزنه القوي بألمه، يرن إلى يوم الناس هذا في الأسواق والمقاهي والبيوت على امتداد الزمان والتراب.

باب الفرد يقتل الجماعة

يسجل التاريخ أنه منذ لحظة التأسيس وصلت مجموعة ناس الغيوان لأوج انتشارها لتصير النموذج الفني والإنساني الذي طبع سبعينات القرن الماضي بأكمله، حتى أنه تم تقدير عدد المجموعات الغنائية عام 1977 بحوالي 2500 مجموعة كانت كلها استئنافًا للغيوان في تجربتها التفجيرية للمشهد الغنائي المغاربي، والمناقضة للاتجاه النفسي العام «كتنظيم مكتسب له صفة الاستمرار النسبي التي يعتقدها الفرد نحو موضوع أو موقف يهيئه لاستجابة تكون لها الأفضلية عنده» (د. عطوف محمود ياسين، مدخل علم النفس الاجتماعي).

فالغيوان وهي تفرض شكلها وأسلوبها كانت تحدث تحولًا في الاتجاهات السلوكية والذائقة الموسيقية، خاصة في أوساط الشباب، تلك الفئة العمرية التي وجدت في ناس الغيوان مرجعًا للتأسيس لثورة سوسيوثقافية ما لبثت أن عصفت بالدوغم الذي كان يقف موقفًا سلبيًا في مواجهة الثقافة والتراث الشعبيين، والنتيجة كانت الإفراج عن الأساليب والأدبية الشفوية وإخراجها من الإطار الصارم للفولكلور كما رسخته الأطروحات الكولونيالية.

غير أن ما ميّز لحظة تأسيس الغيوان، كان أساسا قوة بوجمعة حكور (بوجميع) الذي كان نقطة الارتكاز التي تتمحور حولها المجموعة، لدرجة يمكن معها المجازفة بالقول إن الرجل طبع الغيوان بنوع من الفردانية تتناقض ورهانها على المجموعة كشكل فني. فقد كان بوجميع عراب المجموعة ونجمها الأول، بل كان مقدم الزاوية الغيوانية الذي تتوفر فيه صفة القائد من حيث كون القيادة هي «ذاك الدور الاجتماعي الرئيس الذي يقوم به الفرد القائد أثناء تفاعله مع غيره من أفراد الجماعة. وفي هذا الدور قوة وقدرة على التأثير في الآخرين وتوجيه سلوكهم في سبيل بلوغ هدف الجماعة» (د. عطوف محمود ياسين، مدخل علم النفس الاجتماعي).

لقد كانت اللحظة التي بزغت فيها ثنائية الفرد، الجماعة عند ناس الغيوان مناسبة اتجه فيها المجتمع للمصالحة مع الذات المفردة، وانطلق فيها الفرد، المغربي ليساءل واقعه ويتساءل عن كيانه وإمكانات مستقبله في ضوء أفق التوقعات التي رسمتها لحظات ما بعد الاستقلال والبحث السندبادي في التاريخ والميكيافيلي في السياسة بحثًا عن تأصيل مفاهيم الحرية، العدالة الاجتماعية، المواطنة والهوية.

لقد كان الجميع واعين بواقع التخلف وأسئلته، لكن الأجوبة التي تم طرحها أسقطت الفرد من حساباتها لصالح الجماعة، ومن هنا كانت الثورة الخفية للغيوان أي إعطاء القيمة القصوى للفرد داخل الجماعة، بدلًا عن خنق إمكانات الإبداع لديه والتضحية به على مذبح الجماعة.. وبالتالي كان العلاج بقتل الأب، بتعبير فرويد، يمر هنا بقتل الجماعة.

باب سفر الجسد إلى الصوت

لأن الغيواني مسرحي قبل أن يكون موسيقيًا، فإن تتبع سفره الفني ينبغي أن يبدأ رصده بالبحث في النشاط الذي مارسه قبل تأسيس المجموعة، بداية بفرقة «رواد الخشبة» التي ضمت بوجميع وعمر السيد، وقدمت من تأليف الأول مسرحيات: المسمار، كنزة، الحاج لن يشيب، الغرب، فلسطين.

هذا النشاط الفرجوي مَثَّل ملامسة أولى للإبداع واقتحامًا قسريًا لدائرة الفن، وجمع في مزاوجة مدهشة بين الفرجة البصرية والغناء، بين الجسد والصوت. قبل أن تلي ذلك لحظة المنعرج الحاسم عند التحاق بوجميع وعمر السيد والعربي باطما بالمسرح البلدي والطيب الصديقي.

لقد شكلت نقطة التحول تلك قفزة نوعية وانتقالًا من فضاء التجريب والهواية إلى عالم الاحتراف والتعلم. ومن معطف الصديقي ستخرج للوجود مجموعة ناس الغيوان، فالصديقي لم يكن رجل مسرح عادي، بل مبدعًا كان يؤسس وقتها لمدرسة مسرحية تراثية متميزة في خارطة المسرح العربي، لذلك كان تركيزه شديدا، وهو يدير فرقته، على تلقين عناصرها أصول وتقاليد حرفة المسرح، «حتى أنه وفي زماننا هذا وعند الممثلين المغاربة يدور حوار فحواه أن أي ممثل لم يشتغل في فرقة المسرح البلدي، تحت إدارة ذلك المدير لا يعد ممثلًا له دراية بأصول الحرفة» (العربي باطما – الرحيل).

وفي سنة 1967 سينفصل بوجميع وباطما عن المدرسة الصديقية، ويهاجران إلى فرنسا التي كانت تعيش بوهيميتها التاريخية وتهتز على وقع المجموعات الغنائية الشبابية التي حولت الغناء إلى نوع من التمرد والطهير الروحي، وهو ما استوعبه الرجلان ووظفاه لاحقـا بعد تأسيس ناس الغيوان، بالارتكاز على نفس خاصيات الحركة الموسيقية العالمية آنذاك القائمة على الحمولة النقدية وتوظيف ما هو شعبي وتراثي وصوفي.

وهكذا وفي أجواء باريس الباردة، سيجرب الغيوانيان البوهيميان مرارة الفراق عن «حومتي واللي ليّا»، والغربة بعيدًا عن «أهل النية» و«أهل الجود والرضا»، مما سيضفي طابعا نوستالجيا على عدد من أغاني الغيوان (الصينية، فين غادي بيا، والشمس الطالعة..)، وعن تلك المرحلة يحكي العربي باطما: «قضينا أنا وبوجميع في باريس ثلاثة أشهر، كانت كلها تشرد وتسكع. ثلاثة أشهر كأنها ثلاثة قرون، لكن كتبنا فيها عدة قصائد زجلية وكلمات أغاني اشتهرت بها المجموعة» (العربي باطما – الرحيل).

إذا اعتبرنا المسرحي ساحرًا شرعيًا يزيل السحر باستعمال الأدوات الممكنة، جماليا وجسديًا ولغويًا، للإفلات من إثم الواقع، فسيتضح أن الدور الذي لعبه الغيواني في تطهير الجموع عبر الجسد، الممثل والصوت، المغني، ما كان ليحقق غايته لولا الاعتماد على التصوف باعتباره اللحمة التي جمعت المسرحي، الساحر، الموسيقي في الذات الغيوانية. فهاته الحالات الميتافيزيقية الثلاث هي التي ستعطي لسفر الجسد، الممثل إلى الصوت، المغني ذاك الطابع الفريد الذي ميزها عن باقي التجارب الفنية والفكرية التي عرفها المغاربة خلال القرن العشرين.

باب مرثية لرجل بعمر واحد فقط

في تأبين الرجل يقول الراحل الآخر العربي باطما: «لقد كان بوجمعة إمامًا للخير والمحبة.. يحب الناس ويحب الغناء حتى الجنون.. مبدع من كل أعماقه، ذكي ويعرف اختيار الأشياء الجميلة.. كان ذا ثقافة واسعة وعلى اطلاع بعدة أشياء».

سريع البديهة ويحب الشعر والزجل والملحون والأغاني القديمة، ويؤلف المسرحيات والأغاني ويحفظ الكثير من الأمثال الشعبية.. له صوت حاد يطرب الأشجان ويشعر المستمع إليه بتلك النغمة الصحراوية.. صوت في ترنيمة ذبذباته رمال الصحراء وعفوية الرجل الأزرق وتلال الرمال ورحيل العربان. كان في أوج عطائه الفني يتطلع إلى المستقبل ويحلم بالبيت الجميل والحب الذي عاش طيلة حياته يؤمن به.. لم يعش بوجمعة ضمن المجموعة إلا أربع سنين وكأنه عاش 40 سنة. ففي تلك السنين القليلة عرف كل شيء كان يتطلع إليه.. وكأنه عاش لحفر أساس البناء الفني للمجموعة. هذا البناء الذي غزا العالم.. رحم الله بوجميع لقد كان بالفعل ذا قلب.. فنان يحمل قلبه المملوء بالحب يهديه للبشر من خلال كلمات أغاني تداعب أوتار القلوب الحزينة وتنشر الخير والأمل». (العربي باطما – الرحيل).

ولأنه كان كما وصفه صاحبه، فسيبقى يوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) 1974 يومًا موشومًا في ذاكرة التجربة الغيوانية. إذ فيه سيرحل بموجمعة وبشكل مشبوه إلى العالم الآخر، وكان لأسطرة الظروف المحيطة بوفاته دور في إضفاء هالة من القدسية والشهادة عليه، رفعته إلى مصاف أبطال الميثولوجيا، وتحولت معه أغنية «غير خذوني»، تلك الأغنية النبوئية الشهادية، من مجرد أغنية إلى رسالة للمستقبل كانت وراء منح شرعية غير مسبوقة للأغنية الغيوانية.

فسبحان الله.. أحقًا مات بوجميع؟

يا صاح.. أبغتة هكذا تودع بني الإنسان؟

أبعد ذاك اليوم يحق القول بألا جديد تحت الشمس الطالعة؟

الأكيد على أي حال أن بوجميع إن ماتَ فقد مات ميتة سقراطية لا تهاب الزبانية ولا الموت.

و الأكيد كذلك أن عمر الرجل ليس هو عمره المسجل في سجلات الحالة المدنية فقط، بل هو كذلك عمر صوته ومساحات ظله على الأرض.

ثم الأكيد أيضًا أن بوجميع سيظل معلقًا بين السماء والأرض ليشهد على أن الأشياء الجميلة لا تموت:

«ميموني ما يموت

الخير ما يموت

بوجمعة ما يموت

السلام ما يموت

العدل ما يموت».

لقد أدار الرجل ظهره ورحل مثل هدّاوي يهي في الأزقة والدروب مع الأشباح.. رحل ومن كتفه يتدلى الهراز كأيقونة فرعونية يوقع عليه بيديه وينتحب مغنيًا:

«غير خذوني لله غير خذوني

وما صابر أنا على اللي مشاو

أنا ما صابر

صفايح ف يدين حداد

وأنا ما صابر

غير خذوني لله غير خذوني».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بوجميع, سيرة, مفرد

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد