يمكن قياس مدى تحضر مجتمع ما بمدى تنوعه ومدى تسامحه مع ذلك التنوع، ليس فقط تنوع عرقي ديني أو ثقافي، وإنما تنوع على المستوى الإنساني، وإدراك حقيقة أن لكل بشر تجربته وقناعاته الشخصية حتى لنفس الدين.

 

ويظهر ذلك التنوع في الفن والأدب الذي يقدمه المجتمع، وردود فعل العامة تعكس مدى تسامحهم مع الاختلاف، يظهر ذلك أيضًا بشكل يلفت الاهتمام في السير الذاتية التي يقدمها أبرز شخصيات ذلك المجتمع، ومقدار ما كتب ومقدار “ما لم يقرأ”.

 

فعندما نتعامل مع السير الذاتية فذلك يعني أننا نتعامل مع شخصيات حقيقية وليس أبطال رواية ما، نعرفهم ونحترمهم ونكون في أذهاننا عنهم صورة مثالية ما، والأهم من ذلك نستطيع كمجتمع أن نعزلهم ونفقد تلك النجوم بريقها إن لم نتسامح مع ما أتضح أنهم عليه في سيرهم الذاتية.

 

كما أننا كبشر نؤمن بالتضمين لا التصريح لأن التصريح يضعنا في مأزق التعامل مع الإقرار الجمعي بحدوث الشيء، بدل من وجود احتمالية أنه لم يحدث.

 

ونرى ذلك في تعاملاتنا اليومية، هناك مثال شهير في فيلم لعادل إمام؛ حيث يعرض على مسؤول ما رشوة عن طريق عرضه “تيجي نشرب شاي بالياسمين؟”، لا خسائر هنالك فإن الرفض هو مجرد رفض لشرب الشاي، وهو أفضل بكثير من تصريح عادل إمام أن فلان يريد رشوة قدرها كذا أو كذا، فوقتها ينتج وضع حرج قوامه التعامل مع الإقرار بأن ذلك المسؤول رفض رشوة للتو.

 

 

وهكذا فإن تضمين الواقع في الروايات والأعمال الفنية يبدو أكثر قبولاً للمجتمع، ويمكننا دائمًا أن نقول أن هذا العمل أو ذاك يبالغ في تصوير الواقع أو يخطئ في قراءته، ولكن يصعب التعامل مع ذلك عندما تصرح شخصية بارزة في المجتمع في سيرتها الذاتية أنها كان مؤمنة بكذا أو ارتكبت هذا أو ذاك.

 

لذلك تغدو الحقائق في السير الذاتية مكلفة بشكل ما، وتعتمد اعتمادًا كبيرًا على مدى تسامح مجتمعك، وهكذا توجد في السير الذاتية دائمًا حتى في أكثر بلدان العالم تسامحًا فجوة بين حقيقة ما حدث فعلاً وبين ما نشره الكاتب خوفًا من حكم الآخرين، أو نفورهم، أو حتى لاعتبارات قانونية! يمكن أن نطلق على هذه الفجوة “ما لم يقرأ”.

 

خلال تجربتي المحدودة في قراءة سير ذاتية لمن أثاروا اهتمامي، لفت نظري مدى الصراحة الصادمة – لمراهق ساذج مثلي من أسرة تقليدية- في السير الذاتية الغربية، وكانت البداية مع مالكوم إكس التي مازلت أعتبرها من أفضل السير الذاتية التي قرأتها على الإطلاق.

 

فقد تكلم فيها مالكوم بأريحية تامة عن ظروف نشأته الصعبة، وإحباطه الدراسي عندما اقترح عليه مدرسه أن يعمل كنجار، فلا يوجد زنوج يمتهنون مهنًا محترمة كالمحاماة والطب، ويصف مالكوم بدقة انحداره وإدمانه للكحوليات والكوكايين واتجاهه للسطو المسلح، حتى قبض عليه؛ مما يجعلك في نهاية المطاف تتفاعل بحماس مع إسلامه والتزامه.

 

وتتفهم كيف يشبه تقيده بجماعة مسلمة معينة “إيكاروس” أسطورة الإغريق، الذي حلق نحو الشمس حتى أذابت أجنحته وسقط منتشيًّا، هكذا كان مالكوم، وهكذا عاش من قرأ قصته كاملة وتفاعل معاها حتى وإن اختلفت أفكارنا معه.

 

ورغم أنني لم أكمل حتى الآن كتاب ستيف جوبز، ولكن به كمًّا لا بأس به أبدًا من الصراحة، فيصف ستيف كيف خدع صديق عمره من أجل بعض الدولارات الإضافية في بداية تعاونهم، وكيف كانت تجربة تعاطيه الـ LSD لمدة سنتين تجربة يصفها بالعميقة، ومن التجارب الأهم في حياته لأنها أظهرت له عالمًا لم يعتقد أنه موجود قط.

 

في المقابل اطلعت على الجزء الأول من سيرة جلال أمين الذاتية، وسيرة عبد الوهاب المسيري الفكرية، وكتاب عن حياة صلاح جاهين، وبقدر ما كانت قراءات ممتعة، إلا أنها بشكل ما سير ثنائية الأبعاد؛ حيث تشعر دائمًا بأن هناك ما لم يروَ بعد، وهذا الـ “ما لم يقرأ” يثير فضولك إثارة تجعل القراءة تدريجيًّا تفقد متعتها أمام تخيل متعة ذلك الـ “ما لم يقرأ”.

 

بل أحيانًا تشعر أن الكاتب يخلط بين سيرته الذاتية ككتاب عن حياته، والسيرة الذاتية التي يقدمها بحثًا عن وظيفة ما.

 

فترى حديثًا مصمتًا عن أنه تربى في قرية كذا، ودخل كلية كذا، ومنها سافر إلى دولة كذا لعمل الماجيستير، وهو الآن يعيش في الكويت مع أولاده الأربعة، وأحيانًا أخرى تشعر أن الكاتب يرواغ في نقاط معينة، تمس رؤيته للدين آنذاك كأنه في محكمة ما، وهيئة محلفيها قراؤه الكرام، ينتظرون أي حيد أو اختلاف كي يرسلوه للكرسي الكهربائي!

 

ففي النهاية أنت في بلد كفرت نصر حامد أبو زيد لطرحه نظرية مختلفة في التأويل، ثم كفرت من كفره لمحاولة توفيق مضحكة بين التطور والقرآن!

 

أصبحت أتساءل عن الأفكار التي دارت بخلد جلال أمين الشاب الماركسي، وأحيانًا أخرى أشعر أن اكتئاب صلاح جاهين ربما شمل أسبابًا شخصية أكثر خصوصية، وأحيانًا أتساءل ماذا إن كان ذاك الفصل في سيرة عبد الوهاب المسيري باسم “من رحابة الإيمان إلي بساطة المادية”، ويحكي فيه قصته من الإيمان للشك وليس العكس؟ هل كان ليكتب؟ إذن ما فائدة جدال طرفه الآخر أُخرِس؟

 

وكل ذلك بغض النظر عن تجاهل الكتّاب الخوض في حياتهم الشخصية، والتجارب المحرمة وعلاقاتهم العاطفية إن وجدت، وكيف تركت تلك التجارب أثرها على هوية الكاتب.

 

في حياة إنسان كاملة، كيف له ألا يتعرض لخيانة صديق، أو لكره زميل غيره، أو لحب إغراءات الغش، أو لتنازلات مع النظام الحاكم، أو لإحباطات الواقع وفشل أشبه بالموت؟ وكيف يكون تجنب ذكرها؟ ولكن في مجتمعنا الشرقي لابد للصورة أن تكون كم نحن رائعين! كم نحن ملائكة!

 

المجتمع المصري غني بالشخصيات والقصص المختلفة ما بين المسلم والمسيحي، المتطرف والعدمي، الغني والمعدم، ومليء بتجارب أقرب لحياة القارئ اليومية.

 

ولا أعلم هل على الكتّاب الأخذ بزمام المبادرة أم أن كل هذه آثار جانبية سنشاهدها بتقدم المجتمع؟ ولكن من المحبط جدًّا أن ذلك التنوع لن يصاغ على الورق كواقع يحدث حتى لأبرز الشخصيات، وسيظل مجرد تضمين في الروايات والأفلام ينكر ببساطة لأننا أضعف من التعامل مع هوس النقاء وذلك الاختلاف المربك ليقين مطلق أو لأفكار ساذجة عن مثالية الطبيعة البشرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد