تعتبر “البيوتكنولوجيا” من العلوم المستحدثة ومع ذلك استطاعت أن تحجز مكانتها في المجال العلمي. فرغم ما حققته العلوم التقليدية من تطور هائل، إلا أن بوادر القرن الحادي والعشرين أطلقت معها العديد من التطبيقات العلمية الجديدة. ومن المتوقع أن يحمل هذا المجال العديد من المفاجآت المذهلة في السنوات القليلة القادمة.

البيوتكنولوجيا وتاريخها:

أصبحت “البيوتكنولوجيا” اليوم اللغة الجديدة التي يتحدث بها العالم، والتي تغزو العالم بأسره. فهي مطلب أساسي في مختلف مجالات العلوم بصفة خاصة، وفي المجالات الحياتية بصفة عامة. حيث يقوم هذا المجال بالأساس على استخدام التقنيات الحديثة، لتحسين الصفات الوراثية للكائنات الحية بغرض تحقيق أقصى استفادة منها.

وتعود جذورها إلى القرن 19 حيث بدأ استعمالها في تخمير البيرة، ثم تطورت أساليبها ليتم استعمالها فيما بعد في التخمير الصناعي. وقد ساهم ظهور الهندسة الوراثية في جلب “البيوتكنولوجيا” في طليعة العلم في المجتمع، حيث يعتبر “جوشوا دربيرج” الداعم الأكثر جرأة لهذا الحقل الناشئ. وفي عام 1978 ومع ظهور تركيبة الأنسولين البشري، أثبتت تطلعات “دربيرج” صحتها لتعرف بعد ذلك “البيوتكنولوجيا” الصناعية نقلة نوعية وتطورا ملحوظا.

توالت الإنجازات في هذا المجال، وفي عام 1988 تمت الموافقة من قبل “إدارة الغذاء والأدوية الأمريكية (FDA)” على أول بروتينات من خلايا معدلة وراثيا ليتم استعمالها بوصفها أدوية، وكانت هذه نقطة التحول الكبرى في تاريخ “البيوتكنولوجيا”.

مجالاتها:

بالرغم من أننا نستعمل “البيوتكنولوجيا” يوميا وتقريبا في مختلف مجالات الحياة، إلا أننا بالكاد نعرف هذا المصطلح أو معناه. وتتنوع مجالاتها لنجد:

  • البيوتكنولوجيا الحمراء:

ترتبط خاصة بالمجال الطبي، حيث تشمل إنتاج الأدوية والمضادات الحيوية من الكائنات الحية. كما تستخدم وحدات “ال”DNA في قضايا إثبات النسب والطب الشرعي، إضافة إلى فحوصات ما قبل الزواج.

وتشمل أيضا العلاج الجيني المتمثل في معالجة الأمراض الوراثية بالكشف عن الجينات المتضررة وتعديلها. بالإضافة إلى إمكانية الحد من ظاهرة نقل الأعضاء، عن طريق زراعة أعضاء جديدة باستخدام المحتوى الوراثي للمريض.


  • البيوتكنولوجيا الخضراء:

تشمل المجال الزراعي، حيث توفر القدرة على التحكم في أحجام وأشكال الثمار والنباتات بشكل عام. بالإضافة إلى إمكانية مضاعفة كميات المحاصيل واختزال الوقت اللازم للنمو، وهو ما سيساهم في القضاء على المجاعات وارتفاع أسعار الأغذية.

كما تشمل إنتاج النباتات المعدلة وراثيا التي تحمل بعض الصفات المرغوبة كتحمل درجات الحرارة العالية، بالإضافة إلى تصنيع المبيدات الحشرية والأسمدة الحيوية بدلا من الكيميائية.


  • البيوتكنولوجيا البيضاء:

تعتبر الأكثر انتشارا لارتباطها بالمجال الصناعي، وتشمل معالجة الأنسجة، والجلود، وإنتاج البلاستيك القابل للتحلل، إضافة إلى التصنيع الدوائي وإنتاج الفيتامينات. كما تمكنت “البيوتكنولوجيا” من إدخال بعض التعديلات على الصناعات القديمة خاصة صناعة الورق.


  • البيوتكنولوجيا الزرقاء:

تتعامل خاصة مع عالم البحار والكائنات البحرية وتركز خاصة على الاستخدامات التقنية في عمليات البيولوجيا البحرية .

أهم التطبيقات والإنجازات في هذا المجال:

تعتبر “البيوتكنولوجيا” من أهم سمات القرن الحادي والعشرين، فقد تعددت إنجازاتها وتطبيقاتها في مختلف المجالات، وخاصة فيما يتعلق بعلاج الأمراض الوراثية، وإنتاج الأدوية، وفي جوانب تحسين المنتجات الغذائية، وحماية البيئة.

  • في المجال الطبي:

لقد ساهمت الهندسة الوراثية في تحقيق تقدم هائل فيما يتعلق بتشخيص الأمراض وطرق العلاج. ففي عام 1973 تمكن العلماء من عزل أول جين، وهو الجين المسؤول على إنتاج الأنسولين. ليتم بعد ذلك صناعة أول أنسولين بشري من البكتيريا.

ثم توالت بعد ذلك الإنجازات والتطبيقات الدوائية، فتم إنتاج عدد من الهرمونات لعلاج بعض الأمراض كمرض القزم الوراثي، بالإضافة إلى إنتاج لقاحات مضادة لأمراض الملاريا، وداء الكلب، والالتهاب الكبدي، وغيرها من المستحضرات الطبية.

كما ظهر ما يعرف بالصيدلة الحيوية، والتي تعتمد على تطوير بعض الخضروات والفواكه، كالموز والطماطم لاستخدامها كلقاحات صالحة للأكل. ومن التطبيقات الطبية أيضا استخدام الهندسة الوراثية في التحقيقات الجنائية، كما ساهم تحليل الحمض النووي في الكشف عن بعض الأمراض قبل ظهور أعراضها وخاصة مرض السرطان والإيدز.


  • في المجال الزراعي:

تنوعت الإنجازات التي ساهمت في تحسين وتطوير نوعية المحاصيل والمنتجات الغذائية. فقد بدأت التطبيقات في هذا المجال سنة 1982 بعد تمكن العلماء من إنتاج أول نبات مهجن، لتتوالى بعد ذلك الإنجازات من خلال إنتاج نباتات مقاومة للأمراض الفيروسية وللحشرات. كما استطاع العلماء إنتاج نباتات تحمل صفات خاصة، مثل القدرة على مقاومة الحرارة والملوحة، وعمل الباحثين على تحسين القيمة الغذائية للمحاصيل وزيادة إنتاجيتها.

وقد ساهمت هذه التطبيقات في ازدهار مجال التصنيع الزراعي، فظهرت بعض المنتجات المرتبطة بهذا المجال كالمبيدات الحيوية لمقاومة الحشرات، إضافة إلى التمكن من إنتاج الصبغات الطبيعية ومكسبات النكهة، والطعم، والرائحة، وغيرها من المواد.


  • في المجال البيئي:

استطاعت الإنجازات في مجال “البيوتكنولوجيا” أن تضع بصمتها على صعيد حماية البيئة، فقد تمكن العلماء من إنتاج أنواع من البكتيريا القادرة على التهام المخلفات النفطية في مياه البحر، وغيرها من الملوثات كالعناصر المشعة. كما توصل الباحثون إلى إنتاج بكتيريا محللة لفضلات مياه المجاري.

البيوتكنولوجيا في المجتمعات العربية:

تعددت الإنجازات التي حققتها “البيوتكنولوجيا” في العالم، ولكن مع الأسف لم تستطع الدول العربية مجارات هذه التطورات فحتى يومنا هذا يعد هذا المجال شبه منعدم في هذه الدول.

فعندما نتكلم عن “البيوتكنولوجيا” في هذه المجتمعات يبدو الموضوع ضربا من ضروب الخيال العلمي. ولكن كل التقنيات والتطبيقات التي ذكرتها هي واقعية للغاية في العديد من الدول اليوم، بل إن إمكانية تطبيقها واردة جدا في الدول العربية، حتى أنني لم أتطرق إلى مجالات مستحيلة بالنسبة لنا كالاستنساخ والأسلحة البيولوجية.

ولكن للأسف كيف ستتمكن هذه الدول من التخلص من تبعيتها للغرب، وتنهض قليلا من وحل الكسل والنمطية القابعة فيها، وتلقي الضوء قليلا على هذه المجالات الوليدة؟! ولا أعتقد أن هذا وشيك الحدوث في مجتمعات روتينية التفكير، تمنع أبناءها من الالتحاق بمثل هذه الكليات فاقدة الأهلية -على حد تعبيرهم- مفضلة عليها كليات القمة.

ولكن كما أقول دائما: “لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا”.

تعتبر “البيوتكنولوجيا” شأنها شأن كل المجالات العلمية سلاح ذو حدين. إذا تم استخدامها على نواح علمية مفيدة للبشرية سيكون مردودها هائلا، أما إذا تم استخدامها كسلاح عسكري ستؤدي إلى دمار شامل يعود بالبشرية قرونا إلى الوراء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد