الأسلحة البيولوجية.. تاريخها ومخاطرها وأنواعها ومستقبلها

لا يوجد تعريف محدد لمعنى كلمة إرهاب لكن حسب قاموس أكسفورد الدولي معنى الإرهاب هو الاستخدام غير المشروع للعنف والتخويف ضد المدنيين، في السعي لتحقيق هدف ما يكون في الأغلب خلق أجواء من الهلع وكما قال المفكر والكاتب السياسي ورئيس مجلة دبي بزنس سلطان الجسمي في تعريف آخر أكثر شمولية للإرهاب بأن «هدف الإرهاب هو خلق اضطراب في التوازنات الداخلية والخارجية، وهذا ربما يكون من أهم أهداف الإرهاب، نظرًا لأهمية هذه التوازنات. هذا الفعل الإجرامي ربما تقوم به بعض المنظمات العالمية السرية، والتي تكون تابعة إما لأشخاص أو لبعض الدول، من أجل السيطرة على دول بعينها…»، وهذا ما زاد من شعبية هذا العمل الإجرامي وزاد من فروعه فبعدما كان المجتمع الدولي قلقًا من عمليات شراء الأسلحة في السوق السوداء التي يقوم بها الإرهاب العادي ظهر نوع جديد من العمليات الإرهابية زادت القلق لحده الأعلى وهي عمليات الإرهاب البيولوجي.

بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 التي هزت الوسط العالمي والأمريكي خاصة بعد وقوع مجموعة هجمات إرهابية أين توجهت طائرات نقل مدني تجارية لتصطدم بأهداف محددة وبعد رفع وزير الدفاع الأمريكي آنذاك دونالد رامسفيلد مستوى الديفكون إلى 3 وهو مقياس أمريكي يحدد درجة التهديد على الأمن القومي الأمريكي ومستوى إنذار للقوات الأمريكية للتعامل مع التهديد، حدث أنه بعد شهر من الكارثة ومع اشتغال العالم بما حدث في قلعة الحرب على الإرهاب اصطدم المجتمع الأمريكي بوفاة أول مريض بمرض الجمرة الخبيثة وبعد وفاته بأيام قليلة يسقط عشرون ضحية أخرى.

ولأن أعراض هذا المرض غير مميزة فكان عدد الموتى يزيد ولهذا قامت السلطات الأمريكية بفتح تحقيق تحت إشراف مركز السيطرة على الأوبئة والوقاية منها CDC على عودة المرض فجأة بعدما كان مختفيًا منذ مدة طويلة جدًا وجدوا أنه قبل ظهور الأعراض كان يصل للمرضى مجموعة رسائل مرسلة من مجهول مع محتوى غير محدد لكن الرسائل تلك كانت تحتوي على شيء أكبر من مجرد كلام غير منطقي بل كان فيها غبار وذلك الغبار الذي انتشر في الجو بعد فتح الرسالة هو عبارة عن مليارات من الخلايا الجرثومية المسببة لمرض الجمرة الخبيثة وللأسف بعد وفاة كل هؤلاء المرضى لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية من حل لغز هذه القضية بعد لكن كل ما أدلت به السلطات بأن الحادثة لأنها متعمدة سوف تصنف كعملية إرهاب بيولوجي.

قد نعرف الأسلحة البيولوجية أو الأسلحة الجرثومية أو الميكروبية أو البكتيرية بأنها كل استخدام متعمد للفيروسات أو البكتيريا أو أي جراثيم مسببة للأمراض بهدف قتل أي كائن حي من إنسان وغيره وهي أحد أنواع أسلحة الدمار الشامل.

وتقسم العوامل البيولوجية التي يتم استخدامها أثناء وقوع حرب بيولوجية إلى أربعة أصناف وهي الكائنات الدقيقة كالبكتيريا والسموم الجرثومية وناقلات العدوى من حشرات كالبعوض وحتى النباتات وفي كل الحالات السابقة طريقة نشر العدوى هي ثلات وهي العدوى عن طريق اللمس أو الاحتكاك جلد مع جلد أو عن طريق تناول مأكولات أو مشروبات ملوثة عمدًا أو الطريقة الأكثر انتشارًا وفعالية هي العدوى بواسطة الهواء وبالإضافة إلى الآثار الكارثية التي تلحقها الأسلحة البيولوجية، فإن خطورتها تكمن في انخفاض تكلفتها وسرعة وسهولة تحضيرها ونقلها واستخدامها مقارنة بأسلحة الدمار الشامل الأخرى، وعلى العكس من القنابل النووية والكيمائية، فإنه يسهل إحاطة القنبلة الحيوية بالسرية التامة، حيث كما قلت فإنها تنتشر بشكل خفي عبر الهواء فهي بلا لون ولا رائحة وبالتالي لا يمكن اكتشافها أو تحديد مصدرها. ومن مخاطر السلاح البيولوجي أنه يصيب الكائنات الحية غير المقصودة بالعدوى، كما يصعب التفريق بينه وبين الحالات المرضية الطبيعية التي قد تشترك معه في الأعراض كحادثة الجمرة الخبيثة سنة 2001 ومع التقدم العلمي فإن الهندسة الحيوية زادت من خطورة استخدام السلاح الجرثومي لقدرتها على تحضير أسلحة جرثومية لأهداف عسكرية محددة ذات أعراض أقل وضوحًا.

ولكن مع أن التطور الحالي ساعد في زيادة قوة الأسلحة البيولوجية لكن لهذه الأخيرة تاريخ حافل وقديم جدًا، فمثلا يذكر بأن الآشوريين أصابوا أعداءهم قبل ألفي عام ونصف قبل الميلاد بفطريات الجاودار التي تحتوي على مواد كيميائية متعلقة بحمض ليسرجيك ديثيلاميد LSD المخدر بعد تلويث منابع المياه مما أدى إلى حالة ذهنية مرتبكة وهلوسات وفي بعض الأحيان الوفاة ويذكر بأن بعض الجيوش كانت تغرس رؤوس رماحها في التربة قبل إطلاقها وهكذا إن لم يقتله السهم ونزيفه سوف تقتله البكتريا التي في التربة وكما أن هناك أدلة تؤكد رمي الجيش المغولي جثث المرضى المصابين بالطاعون والحيوانات داخل المدن التي يقومون بحصارها لكي ينتشر المرض هناك.

ونذكر حادثة وقعت في قلعة الإرهاب الأمريكية في فترة الكشوفات الأوروبية أين اعتمد الأوروبيون إعطاء ألبسة وأغطية دافئة للسكان المحليين ملوثة كضمان أو هدنة وهم في الأساس يريدون القضاء عليهم بطريقة غير مباشرة وخلال الحرب العالمية الثانية، نظر العديد من الأطراف المعنية في الحرب البيولوجية باهتمام كبير أين قام الحلفاء ببناء منشآت قادرة على إنتاج جراثيم الجمرة الخبيثة الجماعية، داء البروسيلات وغيرها، لحسن الحظ، انتهت الحرب قبل استخدامها، وكان اليابانيون هم الذين استفادوا بشكل كبير من الأسلحة البيولوجية خلال الحرب العالمية الثانية، كما هو الحال في الهجمات العشوائية المرعبة، ألقت القوات الجوية للجيش الياباني قنابل من السيراميك مليئة بالبراغيث التي تحمل الطاعون الدبلي في الصين حيث وصل عدد حالات الوفاة إلى 300 ألف حالة وهو نفس عدد الوفيات إثر قنبلة هيروشيما النووية التي ألقتها أمريكا على اليابان وأنهت الحرب آنذاك.

أما اليوم فكل الشكر للتقنية والعلم على مساعدته غير الأخلاقية في نشر ما يعرف بالإرهاب البيولوجي فيمكننا الآن تحقيق نشر أوسع وأكثر تحديدًا للعدوى بعدما تمكنا من اختراع وسائل لنشره وبعد تطوير علم الفيروسات حيث أصبح بإمكاننا التحكم بالأعراض التي ستظهر في الضحية وطريقة انتشاره.

ولأن بعض مسببات الأمراض أقل قوة من غيرها فإن نوع العدوى كفيل بتحديد طريقة انتشارها وفي الوقت الراهن استخدام هذه الأسلحة يحمل جاذبية كبيرة للإرهابيين لأن لديهم القدرة على التسبب في ضرر كبير، بالطبع، لكنها رخيصة أيضًا إلى حد ما في الإنتاج عند مقارنتها بالصواريخ أو غيرها من المعدات عالية التقنية وهذا ما يحتاجه الإرهابي وأيضًا، يمكن «تفجيرها»، ونظرًا للوقت الطويل الذي يستغرقه نشرها وسريان مفعولها، هناك متسع من الوقت لكي يفلت مرتكب الجريمة من دون اكتشاف الجريمة أو الشك فيه في بعض الحالات ويمكن أن يكون من الصعب السيطرة على الأسلحة البيولوجية أو التنبؤ بها في حالة ساحة المعركة، إذ يوجد خطر كبير من تأثر القوات من كلا الجانبين. ومع ذلك، إذا كان الإرهابي مهتمًا بمهاجمة هدف بعيد كعميل وحيد، فإن الإرهاب البيولوجي يحمل مخاطر أقل بكثير على الشخص من تفجير قنبلة مثلاً ولم يتوقف الأمر عند الإرهابيين بل هناك العديد من الدول تتنافس سرًا على امتلاك الأسلحة البيولوجية مع وجود عدة اتفاقيات عالمية لمنع إنتاج هذا النوع من الأسلحة كاتفاقية جنيف سنة 1925 ومعاهدة عدم التطوير والاستعمال سنة 1975 التي صادقت عليها الجزائر سنة 2001 بعد تخوف أمريكي وإسرائيلي من أسلحة الدمار الشامل التي تصنعها الجزائر سرًا بمساعدة صينية.

وفي المستقبل مع أن الأسلحة البيولوجية قديمة جدًا إلا أن التطور العلمي سوف يزيدها خطورة، إذ أطلقت إحدى تقنيات التعديل الجيني تسمى كريسبر CRISPR ناقوس الخطر، إذ تتيح هذه التقنية للباحثين تعديل الجينوم وبالتالي التغيير في تسلسل الحمض النووي بسهولة لتغيير وظيفة الجينات ومع الأجيال المقبلة من التكنولوجيا الشبيهة بكريسبر ومعرفة متقدمة في علم الوراثة، لن تكون هناك نهاية نظرية للبؤس الذي يمكن أن يحدث. هناك إمكانية لإنشاء سلالات مقاومة للأدوية، على سبيل المثال، أو حشرات محمية من المبيدات الحشرية، قادرة على القضاء على المحاصيل الأساسية للبلد بأكمله وأعطِ هذا لشخص متعصب ولن تحمد النتائج.

وكأي نوع من أنواع أسلحة الدمار الشامل فإن الأسلحة الجرثومية لا تمس الإنسان فقط بل تمس كلًا من الحيوانات والنباتات وهناك اعتراف علمي متزايد بأهمية مكافحة الأمراض للحفاظ على التنوع الحيوي والسلالات الحيوية المهددة بالانقراض. وبالرغم من وجود اللقاحات والأدوية المضادة لمعظم الأمراض المستخدمة عسكريًا إلا أنها قد لا تتوافر بكميات مناسبة لمواجهة التفشي الوبائي للأمراض.

إن من أهم أسباب الانقراض في الأنواع المهددة بالانقراض هو الإصابة بالمرض، حيث تشكل هجمات الأسلحة البيولوجية خطرًا على النباتات والحيوانات البرية النادرة بشكل طبيعي والأنواع التي قل عددها أو تدهورت موائلها الطبيعية بسبب الأنشطة البشرية. ومن الجدير بالذكر أن الأمراض التي استطاع البشر تطوير مناعة لها في الأنواع المحلية قد تكون مميتة في الحيوانات البرية. إن الأسلحة البيولوجية ليس لها تأثيرات مباشرة على التنوع الوراثي للنباتات والحيوانات الأهلية فحسب، بل إن لها أيضًا آثارًا كارثية مباشرة وغير مباشرة على المجتمعات الحيوية من النباتات والحيوانات.

وبعض الأمثلة على الأسلحة الحيوية هناك الجمرة الخبيثة إذ يعتقد الخبراء أن أكثر الكائنات الحية التي يتم استخدامها في هجوم إرهابي بيولوجي هي بكتيريا Bacillus anthracis، وهي البكتيريا التي تسبب الجمرة الخبيثة إذ توجد على نطاق واسع في الطبيعة، وتنتج بسهولة في المختبر، وتعيش لفترة طويلة في البيئة. أيضًا، إنها متعددة الاستخدامات ويمكن إطلاقها في مساحيق أو بخاخ أو ماء أو طعام وأعراضها ليست مميزة كثيرًا وهناك مرض الجدري الذي تم القضاء على آخر حالة مصابة به سنة 1977 إلا أنه لو تمكن شخص مخبول من أخذ الجدري الذي يوجد محفوظًا في مختبرين أحدهما في الولايات المتحدة الأمريكية والآخر في روسيا وقام بتطوير حصانة له بتقنية كريسبر فسيكون الجدري سلاحًا فعالاً جدًا ينتشر بسرعة وبسهولة من شخص لآخر أو هناك الطاعون أو الكوليرا التي للأسف لم يشف منها العالم بصفة نهائية حتى اليوم.

وفي الأخير، اليوم مع أن الأسلحة البيولوجية تعتبر تهديدًا حقيقيًا للبشرية بأكملها وللتنوع البيئي إلا أن محاولة إيقافها بتطوير الحصانة الدارسة للعدوى داخل الجسم شبه منعدمة بل حتى المهتمون بهذا الموضوع أقل من أي مهتم بأي نوع من أنواع أسلحة الدمار الشامل مع أن الأسلحة البيولوجية هي أقوى وأسهل سلاح بل حتى هناك فرضيات تقول إن الحرب العالمية الثالثة إن وقعت فلن تكون بالأسلحة النووية بل بالأسلحة البيولوجية فلهذا يجب نشر الوعي بمخاطره بين العامة وأنا أرى أن الطريقة الوحيدة التي عرفت العامة على هذا النوع من الأسلحة هي الأفلام والمسلسلات الأجنبية فقط، فأين القادة والمدرسة والإعلام؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد