لَستُ من أنصار نظرية المؤامرة، ولا أرى أن ما يعيشه العالم، اليوم، مُفتعل أو سبقه تخطيط مدبر. الإنسان، وباقي الكائنات الحية، كان، على الدوام، مهددا بالأمراض والأوبئة، وبقساوة المناخ، ونذرة الموارد وكوارث أخرى. الطبيعة هي مكانٌ يعادي الإنسان إذ أن اليابسة – وهي المكان الوحيد الصالح للعيش – تشكل نسبة 29% فقط من مساحة الكرة الأرضية، من ضمنها بُقع ميّتة لا تصلح للعيش، ويكفي أن نذكر بأن 99% من الكائنات الحية التي عاشت على الأرض كان مصيرها الانقراض، أي أن كل المخلوقات التي تعيش، اليوم، ليست سوى 1% من إجمالي من عاشَ وماتَ وانقرض.

مع ذلك، أعتقد أن جائحة كورونا أعطت صورة واضحة لِصُنّاع الموت، سواء كانوا حكومات أو فصائل مُنشقة أو جماعات متطرفة أو حتّى أفرادا ذوي ميول سيكوباتي، أعطت صورة عن حجم البلبلة السوسيو-اقتصادية وفاعلية الفَتك التي يُـتيحُها استخدام الأسلحة البيولوجية في المعارك والحروب، وأيّا كانت أهداف الحرب أو الأيديولوجيا المُحركة لها فإن كل طرف سيحرص على تكبيد العدو المفترض خسائر في الأرواح يتناسب حجمها طردا مع شل الحركة الاقتصادية وإشاعة الرعب والهلع. هذا بالضبط ما فعلته جائحة كورونا بالعالم. إن تطوير فايروس أشدُّ فتكا من كوفيد-19 من شأنه أن يضعف كل الأنظمة مهما بلغ بأسها، نتائجهُ بالنسبة للطرف المُحارب ستكون أفضل من قصف المنشأت الحيوية أو من عبوة ناسفة في قطارٍ عابر. في هذا الوقت تحديدا، حيث العالم بأسره يسارع الزمن لإنتاج اللقاحات، ثمة من يراقب، في الظل، يتلقف الأرقام، ويحلل البيانات، ويرصد الأخبار لتسخيرها مُستقبلا. قد تبدو الحرب البيولوجية (والنووية) مستبعدة اليوم، غير أنها ممكنة نظريا واحتمال اندلاعها كبير طالما أن هنالك ما يكفي من كُرهٍ في العالم يـُغذِّيها.

الحرب البيولوجية: هل هي فكرة جديدة؟

إن فكرة استخدام عُملاء بيولوجيين (biological agents) لأغراض تخريبية ليست جديدة، ذلك أن التاريخ عرف حوادث من هذا النوع، بل أنها ضاربة في القدم، إذ نلتمس شواهد من تلويث إمدادت المياه بالجُثت في حروب القرن السابع ما قبل الميلاد. هذا الأسلوب أستخدم أيضا في الحرب الأهلية الأمريكية في ثمانينات القرن التاسع عشر الميلادي، أما أسلوب أسلحة المقدوفات (Projectile weapons) فقد جرى استخدامه منذ العصور الوسطى ويشمل هذا الأسلوب تسميم الرماح والسهام بالدماء الملوثة والمنجنيق بجثت الحيوانات والفضلات على غرار واقعة «حصار كافا» التاريخية، حيث طُوِّقت المدينة بجنود المغول لأشهرٍ عديدة، وكانوا يرمون بجثتهم المصابة بالطاعون بواسطة المنجنيق داخل أسوارها، وفور انتهاء الحصار فرّ الناجون إلى مدن أخرى، الشيء الذي أدى إلى انتشار الوباء في مدن «جنوة» و«فينيسيا» ومختلف بقاع أوروبا فيما بعد. جرى استخدام اسلوب التلويث البيولوجي أيضا من طرف الجنود الإسبان والبريطانين إباّن فترة استعمارهم للأمريكيتين (قرن 17، قرن 18) إذ عمدوا، بخبث، إلى توزيع بطانيات ملوثة بالجذري على سكان أمريكا الأصليين كبادرة «نية حسنة» وخلال الحرب العالمية الأولى حاول جنود ألمانيا إصابة خيول وبغال الحلفاء بداء الرعام المُعدي وبالجمرة الخبيثة في مكعبات السكر.

لم يضع بروتكول جينيف الموقع عام 1925 حدا لمشكلة الأسلحة البيولوجية، إذ مُنع استخدامها لكن لم تُمنع حيازتها أو إجراء بحوث حولها أو تخزينها، بل تطور الأمر إلى إحداث مراكز بحوث سرية تابعة للجيوش على غرار «الوحدة 731» اليابانية التي اختصت في دراسة وتطوير أسلحة بيولوجية استخدمت فيها الأسرى الصينيين كفئران تجارب لمشروعها، كما تم إلقاء عُملاء بيولوجيين على المدنيين الصينيين في غارات جوية أو عن طريق تلويث المياه أو بتلويث الشكولاطة، وكان داء الطاعون والتفويد والكوليرا أهم الأسلحة التي جُرّبت آنذاك. هذه الجرائم جرى فضحها، فيما بعد، في محاكمة 1994 لجرائم الحرب.

لقد انصب اهتمام أمريكا والاتحاد السوفاتي عقب الحرب العالمية الثانية على بحث وتطوير الأسلحة البيولوجية عبر وضع برامج وخطط تختبر فعاليتها عبر محاكاة التعرض لهجوم بيولوجي، ولم تتوقف هذه الأبحاث بتوقيع اتفاقية 1972 التي تحظُر كل أشكال البحث وتطوير وانتاج وتخزين الأسلحة السّامة والباكتيرية (البيولوجية) إذ سرعان ما فُضح المشروع السوفياتي بعد حادثة «سفيردلوفسك -19» (مع أنّها من الأطراف الموقعة على الاتفاقية) بحيثُ انكشفت خطط الاتحاد السوفياتي المستمرة في تطوير هذا النوع من الأسلحة بعد وقوع خطأ أفضى إلى تسريب الجمرة الخبيثة من مرفق للأبحاث العسكرية بمنطقة سفيردلوفسك وأدى إلى حوالي 100 وفاة. هذه لمحة عن الإرهاب البيولوجي الذي تفق وراءه حكومات أوكيانات سياسية تحظى باعتراف شعبي ودولي، فكيف هو الأمر بالنسبة للهجمات التي يقف وراءها أفراد أو تنظيمات غير معترف بها دوليا؟

ثمة حوادث من هذا النوع أيضا، إذ جرت محاولة تلويث إمدادات مياه مدينة شيكاغو الأمريكية بالتفويد سنة 1972 من قبل طالبين أسَّسا مجموعة إرهابية تدعى (رايز) غير أن المحاولة باءت بالفشل بعد استباق الشرطة تنفيذ العملية ومن تم إجهاضها. وعلى نفس المنوال أطلقت جماعة دينية تدعى (أوم شينريكيو) الجمرة الخبيثة بمدينة طوكيو سنة 1993 وانتهت العملية، هي الأخرى، بالفشل ولم يُصب أي شخص بسبب تطابق السلالة المختارة مع تلك المخصصة للتلقيحات. لم تقف المحاولات عند هذا الحد، بل ظلت جاذبية العملاء البيولوجيين مثار فضول وإغواء لدى الأفراد والجماعات المهووسة بالتخريب، وفي هذا السياق نحيل إلى واقعة «رسائل الجمرة الخبيثة» أو ما يعرف في الأوساط الأمريكية بملف «fall 2001» وهي واقعة سبقت هجومات 11 سبتمبر بحوالي شهرين أفضت إلى وفاة خمس ضحايا وتعرض 20 شخصا للإصابة بالعدوى.

يفيد تقرير أمريكي صادر عن مركز مكافحة أسلحة الدمار الشامل أن العملية استهدفت رسائل البريد، إذ عمد الفاعلون إلى بعث أظرفة بداخلها جمرة خبيثة تصيب كل من يفتحها، ولم يشر التقرير إلى هوية الفاعل صراحة، غير أن مقدمته تضمنت إحالة إلى واقعة الهجمات الإرهابية بالطائرات المختطفة من طرف منتسبين إلى القاعدة في إشارة ضمينة إلى احتمال وجود علاقة بين العمليتين، وتبعًا لما حصل أفرز الوضع حالة من الهلع خاصةً بعد انتشار بلاغات عن استلام أظرفة تحتوي «مادة بيضاء» من طرف العديد من المؤسسات الحكومية والأبناك والسفارات الأمريكية، ولكن تبيّن زِيف المادة البيضاء وخلو الأظرفة من أية جمرة خبيثة، الشيء الذي جعل تقصي الحقيقة أمرا صعبا، وقد بلغ هذا النوع من الأحداث ما يقارب مئة ألف.

العميل البيولوجي: خصائصه ومستقبل الاستخدام

في ضوء هذا السرد الكرونولوجي يتضح أن توظيف العميل البيولوجي في الحروب والمعارك حظي ويحظى باهتمام الحكومات والتنظيمات غير الحكومية سواء بسواء، هذه الأخيرة يغريها أكثر الجانب الأداتي للأسلحة البيولوجية من حيث سهولة استخدامها (في الماء والهواء والغذاء) وسهولة الوصول إليها كونها موجود في الطبيعة، كما يمكن إنتاجها بكميات ضخمة وبتكلفة رخيصة عبر التكاثر البيولوجي الطبيعي فضلا عن تميُّزها بخاصية الانتشار الواسع وصعوبة كشفها في الأيام الأولى من استخدامها، على أن استخدامها يعزز فرص بث الهلع العارم وخلق أجواء من انعدام الأمان في المناطق المستهدفة بما يتبع ذلك من شلٍّ للحركة الاقتصادية وتجميد أنشطة المعيش اليومي.

غير أن فاعلية استخدام هذه الأسلحة من طرف الجماعات المتطرفة يكاد يكون محدودا ولا يرقى إلى مستوى إحداث ضرر بالغ على مستوى الأرواح كما أن التحكم في هذا النوع من الأسلحة يتسم بالتعقيد، ذلك لأنها قد ترتد على مستخدمها فهي لا تشتغل وفق منطق «الهدف العسكري المحدد» كما هو الشأن بالنسبة للصواريخ وسلاح الجو وقد يقع الضرر باستخدام الأسلحة البيولوجية على العدو والصديق وعلى المدنيين والعسكريين دون تمييز يذكر، ولعل هذا ما يجعل فرص استخدامه ضيقة بالنسبة للجيوش النظامية، لكن ماذا لو تمكنّت جهة لا تعترف بالاتفاقيات الموقعة بهذا الشأن، بشكل ما، من تقنيات الهندسة الجينية للفيروسات والأوبئة؟ هذه إحدى المخاوف التي تثير قلق الأنظمة في العالم، لأن العملاء البيولوجيين المُطَورين جينيا سيكون أثرهم، من حيث حصيلة الفتك، أخطر مع أن العملية ليست بالسهولة التي نتصور على اعتبار أن مُعدل الفتك لا يشير بالضرورة إلى قوة الفايروس على الانتشار والعدوى، ومن المؤكد أن العميل البيولوجي لن يشكل تهديدا حقيقيا ما لم يجمع بين الخاصيتين معًا؛ أي أن يكون فتّاكا وسريع الانتشار في الوقت نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد