أن تجعل من فيلم Bird Box منهج حياة

فيلم (Bird Box) حقق في أول أسبوع من عرضة على الإنترنت ما يقرب من 45 مليون مشاهدة بالرغم أنه لم يعرض في السينمات وعُرض فقط عن طريق شبكة نيتفليكس. بطلة الفيلم وأطفالها الاثنان يعيشون معظم مشاهد الفيلم معصوبو العينين لخوفهم من رؤية المخلوقات الغريبة التي بمجرد رؤيتها يعني لهم الموت.

تقوم الأم بمحاولة الهرب عبر النهر بالقارب، وهي معصوبة العينين وتقود سياراتها هربًا من مواجهة المخلوقات الغريبة وهي أيضًا معصوبة العينين تتعرض للهجوم من بعض الأفراد الذين سيطرت عليهم المخلوقات الغريبة وتتبادل إطلاق النار عليهم وهي معصوبة العينين أيضًا، في الفيلم أُجبر أبطاله أن يعصبوا أعُينهم لتمسكهم بالحياة وخوفًا من الموت.

هناك موجات هروب كثيرة يمر بها الإنسان. أكثرها صعوبة تلك التي يقضي عمره بأكمله يعيش بها هربًا من واقع مظلم ليس به بصيص نور يسمح له بأن يتنقل بين ممرات الحياة الضيقة وحواجزها المبعثرة بين خطواته، تلك العتمة تمنعه من الوصول إلى مرسى آمن بروحه وجسده وبقايا آماله.

قبل سنتين وعلى مدار الخمس سنوات المليئة بالأحداث كنت أحرص على متابعة جميع برامج التوك شو والبرامج الإخبارية لمعرفة كل كبيرة وصغيرة عن أحداث مصر أو الأحداث العالمية كنت كثيرًا ما أصاب بالأرق ولا أستطيع النوم وأحيانًا كثيرة كانت تؤثر مجريات الأحداث على أعصابي وبالتالي على تعاملاتي اليومية مع الأشخاص القريبين مني. فاضطررت إلى أن أعيش معصوب العينين عن متابعة مجريات الأحداث المحلية منها والعالمية بانيًا لنفسي عالمي الخاص من متابعة بعض ما هو نافع فاستشعرت أثر ذلك على تغيير شخصيتي وبالتالي هدوء أعصابي وعشتُ معصوب العينين عما دون ذلك باختياري كمنهج حياة.

كنت أجالس مجموعة من أصدقائي، وفي وسط نقاش صاخب، وبينما كان أحد الأصدقاء يتحدث، قاطعه أحدهم وعلق على كلامه بتعليق بذيء، فصمت صديقي لبرهة، ثم أكمل حديثه كأن شيئًا لم يكن. وأثناء عودتنا إلى المنزل سألت صديقي لماذا لم ترد على من علق على حديثك وتجاهلته، فقال: تذكرت كلام الإمام أحمد بن حنبل عندما سُئل: أين نجد العافية؟ فقال: تسعة أعشار العافية في التغافل عن الزلات، ثم أكمل الإمام: بل هي العافية كلها.

في كثير من الأحيان نضطر اختياريًا أن نعصب أعيانًا عن أخطاء من نحبهم وأن نتغافل عن تصرفات من نرغب في القرب منهم حتى لا يُعكر صفو حبنا لهم أو متعة بقائنا بجوارهم. يقول الله تعالى في سورة يوسف حاكيًا عن لقائه بإخوانه: «قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ»، فكان ذلك من أروع أمثلة التغافل عما قاله إخوة يوسف في حقه بالرغم أنه يعلم كذبهم وافتراءهم عليه ولكن تغافل عن تجاوزهم في حقه.

حاتم الأصم عالم من علماء السلف، ومعنى الأصم الذي لا يسمع. اشتهر باسم حاتم الأصم لأنه عندما جاءته امرأة تسأله، وأثناء السؤال صدر منها صوت فخجلت منه، فقال حاتم: ارفعي صوتك، فأوهمها أنه أصمٌّ لا يسمع، فسُرَّت المرأة بذلك، وقالت: إنه لم يسمع الصوت فلُقِّب بحاتم الأصم، على الرغم من كونه ليس بأصمّ، بل تظاهر بأنه ضعيف السمع، مراعاة لمشاعرها، ولأجل ألا يوقعها في الحرج.

تغافلك وعصب عينك عن أفعال وأخطاء من حولك سواء فعلوها بقصد أو دون قصد يشعرك بسلام نفسي ونشوة في قلبك لانتصارك على غضبك وعدم إحراجك لإنسان يكون قد أخطأ في حقك بكلمة أو تصرف دون قصد. فلغة التغافل وعصب العينين لا يفهمها إلا النفوس الراقية التي تقدر الشعور الإنساني ولا تريد أن تخدش بريقه ولا تكسر كبرياءه ولا تحط من قدره ولا تنال من حيائه.

فرحم الله من تغافل لأجل بقاء الود، ودوام المحبة وستر الزلة فجعل من Bird Box منهج حياة ليصفو قلبك وتنعم ببقاء الود مع من حولك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد